English  
  فالعلوم الشرعية يعتبر فيها الابداع ؛ و هو القدرة على العودة للأمر الأول ، أي لمنهج النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه ، أما العلوم المدنية فالابداع فيها هو التحرر من الماضي ، و استحداث الجديد ، و هذا هو الفارق الجوهري في بنية العلم ذاته بين العلوم الشرعية و المدنية يذهل عنه الكثير من الباحثين العرب ،فتراهم للأسف قد قلبوا هذه المعادلة ، ففي العلوم المدنية ليس لديهم إلا الاستيراد و التقليد ، و لا نرى ابداعات عربية مدنية حقيقية ، تخرج بنا عن إطار الماضي و تقص لنا بطاقة الصعود إلى المستقبل ،و في العلوم الشرعية ليس لديهم إلا الإحداث و الابتداع بما يتعارض مع منهج النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه .  
سلطة الثقافة الغالبة
  و هاهنا الفارق الجوهري الذي غاب في زحمة الفكر العربي المعاصر ، ذلك أن الاستحداث في العلوم المدنية : مؤشر ابداع مطلوب ، و الاستحداث في العلوم الشرعية : مؤشر تراجع و انحطاط ، لذلك كان النبي صلى الله عليه و سلم ، بكل وضوح يؤكد للصحابة هذين المنهجين المتعاكسين : ففي العلوم المدنية يقول لهم : ( أنتمأعلم بأمور دنياكم ) ، و في العلوم الشرعية يقول لهم : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) .  
سلطة الثقافة الغالبة
  و قد لبس ابليس على جمهور العوام بالجريان مع العادات و ذلك من أكثر أسباب هلاكهم . فمن ذلك أنهم يقلدون الآباء و الأسلاف في اعتقادهم على ما نشئوا عليه من العادة فترى الرجل منهم يعيش خمسين سنة على ما كان عليه أبوه و لا ينظر أكان على صواب أم على خطأ . و من هذا تقليد اليهود و الصارى و الجاهلية أسلافهم و كذلك المسلمون يجرون في صلاتهم و عباداتهم مع العادة فترى لرجل يعيش سنين يصلي على صورة ما رأى الناس يصلون و لعله لا يقيم الفاتحة و لا يدري ما الواجبات و لا يسهل عليه أن يعرف ذلك هوانا بالدين و لو أنه أراد تجارة لسأل قبل سفره عما ينفق في ذلك البلد  
تلبيس إبليس
  نعم الحرية شيء عظيم ، و المعرفة شيء عظيم بدورها ، و لكن ليس كل شيئين عظيمين يأتيا دائما معا و في الوقت نفسه ، بكل أسف . فقد تحصل على الحرية دون أن تظفر بكثير من المعرفة ، كما لو سيطر الرعاع و السوقة على حال المعرفة في أمة من الأمم ، و استولوا على وسائل الاعلام ، و طبعت رغباتهم و أهواؤهم نظام التعليم بطابعها ، و تمتعوا بكامل الحرية في الوصول بأحوال التليفزيون و المسرح و السينما و التعليم إلى مستوى بالغ الانحطاط . كما أن أحوال العلم و المعرفة قد تتقدم تقدما عظيما في ظل نظام الحكم المطلق ، و في ظل حاكم مستبد برأيه و لكنه مستنير ، كهارون الرشيد مثلا و المأمون ، أو عندما تكون الظروف الاجتماعية مواتية لهذا التقدم .  
خرافة التقدم والتخلف .
  الأمر لا يقل وضوحا في مجال الارتقاء بأحوال المرأة أو تحريرها ، أو بحسب تعبير تقرير التنمية الانسانية تمكين المرأة . لا يمكن أن ينكر أحد أن المرأة المصرية أو العربية تعاني من بعض صور القهر التي يتعين التخلص منها . و لكن أي امرأة في العالم لا تعاني من بعض صور أو أخرى من القهر ؟ و أي مرحلة من مراحل التاريخ عرفت مساواة بين المرأة و الرجل ؟ إن من الخطأ الظن بأن الأمم المتقدمة اقتصاديا و تكنولوجيا لا بد أن تكون قد نجحت أيضا في تحرير المرأة من كل صور القهر . ذلك أن التقدم الاقتصادي و التكولوجي قد يؤدي بذاته إلى زيادة استغلال المرأة اقتصاديا و نفسيا ، إما خضوعا لمنطق تعظيم الأرباح في ظل الرأسمالية ، أو لمنطق تسويق السلع في ظل المجتمع الاستهلاكي ، أو لمنطق تشجيع الفردية و الاستقلالية في ظل المجتمع التكنولوجي الحديث ، أو لكل هذا معا ، كما حدث في معظم دول الغرب التي تجتمع فيها الرأسمالية مع سمات المجتمع الاستهلاكي و التكنولوجي الحديث .  
خرافة التقدم والتخلف .
  و لكن من حيث إنا كنا دائما و لا نزال نفعل ما يطلب منا بالضبط و دون اعتراض ، كان من الضروري تهنئتنا و تشجيعنا على الاستمرار على نفس الطريق ، و من ثم أطلقوا عليا هذا الوصف المشجع الدول النامية . و إمعانا في تطميننا و تهدئة خواطرنا قيل لنا إن كل أوجه الفشل في أدائنا الاقتصادي يمكن التغلب عليها باتباع ما يسمى بسياسات التصحيح الهيكلي ، و هي في نهاية الأمر لا تعني أكثر من مزيد من فتح الأبواب أمام سلع الغرب و استثماراته ، بما في ذلك بيع مصانعنا و مرافقنا العامة للأجنبي .  
خرافة التقدم والتخلف .
  و كأن كل هذا لم يعد كافيا ، بل أصبح المطلوب الآن توجيه ضربة قاصمة لثقافتنا الوطنية بحيث لا تبقي أمامها فرصة للاستمرار . إن ثقافتنا الآن لا توصف بالتأخر أو التخلف بل توصف بالإرهاب و المطلوب الآن ليس الارتقاء بهذه الثقافة بحيث تتكيف مع متطلبات التنمية الاقتصادية ، على أساس أن هذه هي طريقة التعامل المناسبة مع التخلف ، بل المطلوب الآن استئصال هذه الثقافة من جذورها ، على أساس أن هذه هي طريقة التعامل المناسبة مع الارهاب . ما أعظم هذه الرحلة إذن التي قطعناها ، منذ أن قبلنا بحسن نية شعار التنمية الاقتصادية في منتصف القرن الماضي ، و لم نتعرض على اعتبار ثقافتنا عقبة من عقبات التنمية ، و حتى أصبحت ثقافتنا تعتبر ليس مجرد تربة ملائمة لتفريخ الارهاب ، بل أصبحت تعتبر مرادفا للإرهاب و اسما آخر له .  
خرافة التقدم والتخلف .
  و المتعلمون يعاينون بأنفسهم ما يحققه الأجنبي من تقدم في العلم و التكنولوجيا و الكفاءة ، من خلال الاختلاط المباشر به ، و من خلال المدارس و الجامعات التي تعلموا فيها ، بل و ربما من خلال ما رأوه بأعينهم عندما تتاح لهم فرصة السفر إلى بلاد الأجنبي للدراسة أو العمل أو النزهة ، بينما لا يسمع بقية أهل البلد عن هذا العلم و هذه التكنولوجيا و تلك الكفاءة ، إلا من خلال قصص تروى و سرعان ما تنسى . و لكن الأمر لا يقتصر بأي حال على الفرجة و المعاينة ، بل يمتد إلى ما هو أهم و أخطر ، فهناك أيضا المكافأة . فالمتعلمون من أهل البلد التي يحتلها الأجنبي ليسوا فقط هم الذين يتلقون أوامر الأجنبي لتوصيلها إلى من هم دونهم شأنا ، بل هم أيضا دون غيرهم الذي يتلقون جوائزه و مكافآته ، إذ لضمان استمرار ولائهم لابد أن يمكنهم الأجنبي من بعض ما يتمتع به من وسائل الراحة و النعيم ، فيتاح لهؤلاء المتعلمين أ يعرفوا بالضبط ما الذي يمكن أن يجلبه التقدم التكنولوجي من حياة رغدة ، و أن يتعرفوا على أشكال و ألوان من السلع لا تخطر ببال بقية أفراد الأمة و لا حتى في خيالهم ، و يسمح لهم بمخالطة ساء جميلات رقيقات ، زادهن الرخاء جمالا ، و النعيم رقة . كيف لا تضعف غذن إرادة متعلمي الأمة و مثقفيها أمام كل هذه السطوة من ناحية و كل هذه مكافأة من ناحية أخرى؟  
خرافة التقدم والتخلف .
  فقد بحث صناع الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية عن شعار جديد يمكن أن يحل محل مكافحة الشيوعية و يقوم بنفس الدور في تحريك عجلة إنتاج الأسلحة و تكوين الأحلاف ، و تبرير التدخل في أمور الدول الأخرى و فرض الارادة عليها ، فتفتق ذهنهم عن شعار صراع الحضارات ، و إذا بنا نجد ثقافتنا و قد وصفت فجأة بأنها في حالة صراع مع ثقافة الغرب التي اعتبروها بالطبع ثقافة أرقى و من ثم أحق بالبقاء . و الغريب أنا وقعنا في الفخ مرة أخرى ، فلم نحاول الرد على ذلك بالقول بأن الحالة ليست حالة صراع بين ثقافات و إنما حالة اعتداء من ثقافة على أخرى ، و أن تشخيص الحالة بأنها حالة صراع حضارات معناه أن هناك عراكا بين ثقافتين علة قدم المساواة من حيث القوة ، و في يد كل منهما نفس الأسلحة ، ومن ثم فلكل منهما نفس فرص الانتصار على الأخرى ، و مع أن الحقيقة أننا أمام دولة كبرى أو مجموعة من الدول الكبرى تفرض ارادتها على دول أخرى ، لأسباب اقتصادية و سياسية و عسكرية ، و النتيجة الحتمية هي اعتداء ثقافة الأمم المتفوقة اقتصاديا و عسكريا على ثقافات الأمم الأخرى ..  
خرافة التقدم والتخلف .
  لم يخطر ببال كتاب التنمية في ذلك الوقت ، و لا نحن جرؤنا على لفت نظرهم إلى أن الخصائص العكسية قد تكون قد بلغت عندهم حدا لم تعد معها أفضل من خصائصنا التي لا تعجبهم . فالمبالغة في قدرة الانسان على السيطرة على مصيره يترتب عليها من النتائج ما هو أسوأ من المباغة في التقليل م دوره . و الاعجاب بالجديد لمجرد أنه جديد قد لا يكو أفضل من التمسك بالقديم لمجرد أنه قديم . و تحرير المرأة قد يصل إلى حد تحريرها من الروابط العائلية نفسها مما قد يقلل من رفاهية الجميع بما فيهم المرأة نفسها ، و الافراط في الفردية قد لا يكون أفضل من الافراط في الارتباط بالأقارب البعيدين .. إلخ .  
خرافة التقدم والتخلف .
عرض المزيد