English  

جحيم العقل

منذر محمد 18 يونيو 2025

( تقييمي للكتاب
  )

تحديات الأدب الأفريقي:
خلال منظور رواية
جحيم العقل - منذر أتيم


بقلم /جعفر ابكر انجازي


اللغة في السياق الأفريقي ليست مجرد أداة تعبير بل ميدان مزدحم بالصراع والتناقض إنها الحاملة لذاكرة الاستعمار، والمُجسدة لميراث المقاومة والمتورطة في تعريف الذات أو نفيها
إنها تُمثّل ما هو أكثر من مجرّد وسيلة تواصل إنها موضع للسيطرة وحقل للتنقيب عن المعنى ومساحة لإعادة تخيّل الهوية
في الأدب الأفريقي تتخذ اللغة شكل معركة مستمرة بين الشفاهي والمكتوب بين الأصل والمستورد
بين الإنتماء والاغتراب .


١_ اللغة كنموزج للصراع والهوية:

مبدئياً يفترض معرفة حقيقةٍ ما وهو ان كل شيء في الحياة بشكل أو آخر هو نتاج لتفاعل أحداث التاريخ بمعنى آخر هو محصلة إخضاعنا أو إسقاطنا الأشياء لقانون العلة والنتيجة
على إعتبار أن المشكلة دوما مرتبط بالمسبب لذا يجب أن نقول
أن الظروف والتحديات التي إجتاحت السودان وعموم أفريقيا وما زالت تجتاحها من الصعوبة بمكان معرفتها دون التطرق الى أصل المشكل أي جزورها

فمن ضمن عدة عوامل ساهمت في تأُزم الأزمة السودانية هناك الأنقسامات و الإزدواجيات التي كان لها الدور البارز في تشكيل الأزمة السودانية بشكلها الحالي المعقد
هذه كانت أبرز و أعقد السياسات الإنقسامية الإستعمارية التي كانت أحدى تجلياتها أزدواجية الشمال والجنوب التي نتجت نتيجة عدة عوامل منها جغرافية تاريخية وثقافية إجتماعية..الخ

وفي هذا لم تكن الحالة السودانية فريدة من نوعها بل هناك العديد من الشعوب التي تعرضت لنفس الظروف لكنها تجاوزتها بصورة او أُخرى اما البعض الآخر فما زالت تتراقص على أنغام تناقضاتها وتعقيداتها كأفريقيا مثلاٌ

أما السياسة البريطانية الإستعمارية قد تنازعها عدة عوامل جعلت منها حصان طروادة لتبرير سياساتها الإستعمارية فمن ضمن هذه العوامل جماعات مناهضة الرق التي روجت للمشكلة وجعلت منها قضية عالمية
والبعثات والإرساليات المسيحية التي أختارت الجنوب من بين كل المناطق لتغرس فيها الصليب حتى تقوم بنشر الإنجيل فهذه الإرساليات ظلت دوماً مرتبطة بالحاكم المستعمِر في عموم افريقيا ومن هنا دخلت السودان وكل أفريقيا في بداية مرحلة الصراع الثقافي وأبعادها (اللغوية ، الأيديولوجية ، الدينية...الخ)

ولتحقيق هذا المسعى قد تبنى الإدارة الإستعمارية قضية الرق (علما أن الجنوب هي أكثر مَن عانت مِن مشكلة الرق من بين كل المناطق الأخرى في السودان)

وحاولت بث مشاعر الغضب والكراهية نحو الشمال في داخل نفوس الجنوبيين
وساهمت في ذلك الإرساليات المسيحية اكثر في تعميق الشعور بالعداء في دواخل الجنوب على اعتبار ان الشمال كله هو المسؤول المباشر عن قضية الرق مع العلم ان تلك الأرساليات لم تكن مهمتها الأساسية التبشير بالدين المسيحي بل كانت لها دوافع سياسية مرتبطة بسياسة
المستعمِر أكثر منها دينية لذا إستغلت هذه الفجوة لتعميق الصراع الثقافي وذلك من خلال إدخال مفاهيم ثقافية جديدة لم تأُلفها المنطقة كالدين وما تجلت عنها من أساطير وخرافات الشعوب الوافدة واللغة ومحمولاتها الثقافية المستوردة

كل هذه على بعضها ظلت تتصادم مع الثقافات الشعبية المحلية حتى نتجت عنها ثقافة هجينة شوهت معالم الثقافات المحلية الى درجة يصعب معها معرفة الأصل من المستورد بل جعلت من المستورد من خلال الترويج والتكرار من أن تتخذ الصفة الرسمية على أنقاض الدولة القديمة فعلى سبيل المثال جعلت الإستعمار البريطاني كل مستعمَراتها السابقة في شرق أفريقيا وجنوبها بما فيها السودان أن تتبنى اللغة الإنجليزية كلغة رسمية لها وكذا الحال فرنسا في غرب ووسط افريقيا

لذا كانت الصراع الثقافي في أفريقيا ضمن احدى التحديات في مجال الأبداع الأدبي الأفريقي ومن دون تطهير الثقافات الأفريقية والتخلص من تشوهاتها الإستعمارية الوافدة ستظل الأزمة في مرحلة إستعصاءها التاريخي وكتحدي للمثقف الأفريقي سببه العجز أو تجافينا الخوض والبحث في جزور المشكل هذه هي الصورة والمادة الفكرية التي حاولت جحيم العقل للكاتب(منذر أتيم) أن تعكسه من وراء السطور



٢ _جدلية اللغة- لغة الأم والمستعمر:

هذا كجزء من محاولات الإدارة الإستعمارية والإرساليات التابعة لها لمحو أثر اللغات المحلية بزلت المزيد من الجهود المتلاحقة في سبيل تشجيع لغاتها المستوردة وجعلها رسمية في مؤسسات التعليم التي تعتبر أكثر المؤسسات فعالية في تشكيل عقول الناشئة من المجتمعات
على حساب اللغات الأصلية التي وسمتها بالبدائية والمتخلفة وبهذا خلق روح التنافر الداخلي لدى المجتمعات الأفريقية نحو لغاتها الأم التي يفترض أن تكون هي لغتها الرسمية بدلاً من لغة المستعمِر

فمن خلال تنامي الإستقطاب الإيديولوجي-الميثيولوجي ومن جهة أخرى -الإهتمام المتزايد باللغات الإجنبية مقابل اللغات المحلية زادت الإقبال والتسليم باللغات الإستعمارية المستوردة على اعتبار أنها مرحلة من مراحل التطور الحصري المطلوب لمواكبة العصر وبالتالي إنحصرت اللغات المحلية كلغات بسيطة تستخدم في المساحات الضيقة تهرباً منها على اعتبار أنها بدائية متخلفة غير مواكبة للعصر وبهذا إزداد أغتراب الأنسان الأفريقي المثقف والمجتمع كافة

كلما إزدادت مستوى وعيه المشوه بالهوس الحضاري المستورد وبهذا فشلت أفريقيا في معترك الصراع الثقافي بين ما هو محلي معبر عن العمق الوجداني للمجتمع والمكون الأساسي للثقافة المجتمعية المعبرة عن الذات مقابل ما هو خارجي كأداة للهيمنة الإستعمارية

وهذه الإزدواجية اللغوية في الحقل الثقافي الأفريقي حملت مزيجاً من المكونات الثقافية الوافدة ومزيج آخر من المكونات المحلية نتجت عنها مكون ثالث مشوه كما السواحلية في شرق أفريقيا مثلاً

وفي هذا السياق قدمت جحيم العقل ل(منذر أتيم) معالجة موضوعية من خلال النقد البناء لكافة إشكال الإستعمار التي إجتاحت أفريقيا وما تركتها من مخلفات (ثقافية ، سياسية ، إقتصادية وإنظمة حُكم إستحوذاية ...الخ)
كسبب رئيسي لأصل المشكل في عموم افريقيا التي أعاقت مسيرة الحركة الوطنية في عملية البناء والتطوير الثقافي في عملية أعادة ترميم الحضارات القديمة بأدوات إنتاج مستحدثة محلياً


٣_ الشفاهة والمخيال المحلي
في مواجهة الحداثة الزائفة

بما أن الصورة الذهنية لطريقة تفكير المجتمع المحلي إتسمت بالتقليدية الى درجة كبيرة فهي ظلت منقسمة على هذا الأساس (ديني ، عرقي ، قبلي...الخ) وهذا الإنقسام الهوياتي عزز لديها روح التنافر قادت بدورها الى حروبات إستمرت لعقود طويلة

كما لو لم تكفي أرهاصات هذه العقلية التي إتسمت بالرجعية في بنية تكوينها الفكري حتى برزت أشكال جديدة من الإنقسامات والتشظي السياسي- الإجتماعي والإيديولوجي...الخ مع بروز الإستعمار

إستغلت الإدارة الإستعمارية الإنقسامات السابقة في تعميق الجراح بين المجتمعات حتى اضحت وسمة عار تاريخي توارثتها الأنظمة الوطنية واحداً تلو الأخرى
وفي ظل تعاظم السياسات الإنقسامية فيما عُرف بسياسة (فرِق تًسد) مع إزدياد وتيرة الغوغاء على المستوى الإجتماعي والإنسياق الأعمى مع موجات مخلفات التحديث مع إرتفاع حالات التغييب والتجهيل الممنهج...الخ

مع كل هذه التجليات إنعدمت جرأة المواجهة للتصدي على كل هذه القذائف ومع أنعدام الثقة على المواجهة إزدادت حالات اليأس والإستسلام والخضوع الأعمى لحاجيات الحياة المادية
لذا كان الخيال الإجتماعي في حالة يُرثى لها
حيث إتسمت بحالة من الوهن والضعف فكانت (التقوقع ،الخضوع ، الإستسلام ، اللامبالاة والهَرب...الخ) هي أبرز مواقف إتخذتها المجتمع في التعامل مع الزيف المتراكم عبر عقود عديدة

فهذا المستوى من الإنتكاسة الإجتماعية والتعطيل المتواصل لدور العقل من خلال التمويه والتشويش الخلاق هو ما جاء على وصف الكاتب منذر أتيم (بالجحيم) في روايته الموسوم ب(جحيم العقل) ومن خلال هذه الرواية تنعكس الصورة العارية لطريقة تفكير المجتمع والذي هو تجيسد حي للخطاب الإجتماعي البسيط في تعاطيه مع المشكلات وهذه بدورها تكشف الدلالة اللغوية او الهوية السردية لطبيعة المجتمع ذات التابع التقليدي الذي يمتاز بالراديكالية المحافظة

وفي هذا الصدد قدمت الرواية معالجة نظرية لمجمل هذه المعضلات بأدوات تجلت فيها الخطابة الإجتماعية العامي


في الختام

اللغة كسؤال وجودي في الأدب السوداني والأفريقي بصفة عامة
رواية جحيم العقل تقدم نموذج يلامس جذور الأسئلة اللغوية في سياقها الاجتماعي والسياسي ليست الرواية صرخة نستالوجيا نحو الماضي بل قراءة نقدية لعصر فقد قدرته على التمييز بين الانفتاح والتحلل وبين التحديث والتمزيق الثقافي

إن تحديات الأدب الأفريقي ليست فقط في اختيار اللغة بل في القدرة على جعل اللغة عملًا وجوديًا وموقفًا من العالم وهذا ما نجحت فيه جحيم العقل إنها ليست فقط سردًا عن انهيار مدينة بل عن تمزيق الغة وضياع انتماء ومخاض مؤلم نحو وعي جديد.

عرض المزيد