رواية “سنكين”.. حين يُغلى الألم كما الشاي حتى آخر قطرة
بقلم: رجاء صالح الجبوري
“سنكين”، العنوان الذي اختارته الكاتبة ليكون مفتاح الدخول إلى عالمها السردي، لا يأتي عبثًا. فالكلمة، المشتقة من لهجة شعبية وتعني “الشاي المغلي حتى الغليان الشديد”، تختزل مصير شخصيات الرواية جميعًا: أرواح أُحرقت على نار خفيّة، حتى آخر قطرة.
الغربة بصوتٍ داخلي
تُحاكي الرواية وجدان القارئ بتناولها قضايا إنسانية وجودية؛ من الغربة القسرية، إلى الانكسار العاطفي، فالشتات الأسري، وصولًا إلى التمزق في الهوية. من الصفحة الأولى، تُمسك الكاتبة بخيوط الألم وتنسج بها نسيجًا شفافًا من الحزن المحايد، لا تستجدي به التعاطف بل ترصد واقعًا داخليًا يعتصر.
تعدد الشخصيات.. تعدد الزوايا
اعتمدت الرواية على تعدد الشخصيات بوعي سردي واضح، إذ تتحرك الأصوات داخل النص كمرايا تعكس بعضها، وتكشف عبر اختلافها وحدة الفكرة: الإنسان في مواجهة العالم. نتابع زينب، عزّام، سميرة، والدة زينب وغيرهم، ونرى فيهم جميعًا نسخًا من وجع واحد يتخذ أشكالًا مختلفة، لكنه ينتمي لذات الجذر: الإنسان المحروم من الأمان، من الانتماء، من الحُب المكتمل.
هذا التعدد لم يكن ترفًا بل ضرورة فنية. إذ لا يمكن لفرد واحد أن يحمل كل هذا الثقل وحده. فالشخصيات هنا ليست ثانوية، بل كلٌّ منها شظية حقيقية من المرآة المكسورة التي تعكس ملامح الوطن والذات.
البيئة التي تصنع الفرد
من أهم مرتكزات الرواية الفلسفية والفكرية، التأكيد على أن الإنسان ابن بيئته، ليس فقط بمفهومها الجغرافي، بل النفسي والاجتماعي والثقافي. زينب، مثلًا، هي نتاج بيئة خانقة؛ الحرب، التهجير، التربية العنيفة، والفقدان المتكرر، كلها تكتب على شخصيتها ملامح الخوف والتقوقع والبرود الظاهري.
البيئة هنا ليست خلفية لأحداث الرواية، بل فاعل رئيسي في صنع المصير. كل سلوك تبرره خلفية، وكل قرار تتبناه الشخصية هو استجابة عميقة لما كانت عليه الأرض التي نشأت فيها.
اللغة.. شعرٌ بلا تصريح
لغة الرواية تمتاز بشاعرية حزينة لا تخلو من الفلسفة. الجمل مشبعة بالرمز، لكن دون أن تبتعد عن الواقع. لا تبحث عن التجميل، بل تلتقط الجمال حتى في البؤس. وهي بذلك توفّق بين حسّ جمالي رفيع وحضور واقعي لافت.
ومع ذلك، فإن اللغة أحيانًا تتعالى فوق الحدث الواقعي، مما قد يُحدث فجوة طفيفة بين المتلقي وبعض المشاهد، خاصة لمن يفضل النصوص ذات النَفَس الواقعي البسيط.
الخاتمة.. حين يغلي الصمت
“سنكين” ليست رواية حدث، بل رواية مشاعر مضغوطة. فيها يغلي الزمن داخل النفوس كما الشاي المنسي على الموقد، حتى تتبخر الروح أو تنفجر. وعليه، فهي ليست رواية لمن يبحث عن الحبكات المشوقة أو النهايات المغلقة، بل لمن يبحث عن مرآة داخلية تُريه هشاشته دون أن تجرحه.
عندما تنتهي من قراءة كتاب جيد تشعر وكأن فراغ يملئ روحك، وكأنك كنت في حلم جميل واستيقظت فجأة منه على أثر صوت صاخب،إنها رواية جميلة حقآ لا أقول هذا الكلام مجاملة لأن الكاتبة د.رجاء ، ففي الأدب السيء يجب أن يقال عنه سيء والجيد يجب أن يأخذ حقه من المدح لأن الواجهه الاساسية التي ينظر العالم إلينا من خلالها هي أدبنا،إن اللبنة الأساسية التي تميز هذهِ الرواية هي البساطة، بساطة الأسلوب، الأحداث، والشخصيات كأنها ماء ينساب من بين أصابعك، لقد تناولت الكاتبة مواضيع عديدة من قلب الشارع العراقي كالعنف الي يتعرض له الأطفال بدون أدنى سبب كما حدث مع مريم وتأثيره إذا لم يجد الطفل شخص ما يحتضنه ،تميز المجتمع بين الذكر والأنثى وكيف أن للذكر حق في كل شيء لا لسبب فقط لأنه ذكر، حرب الثمانين، أيام الحصار،والشيء الذي لفت انتباهي ثقافة الكاتبة الأدبية الي ظهر من خلال تناولها لأسماء روايات ذات صدى واسع ومزجتها مع أحداث روايتها فلا شك بذلك لأن الرواية الأولى للكاتب غالبآ ما تعكس جزء من شخصيته بطريقة لا إرادية فأذا أردت أن تتعرف إلى كاتب ما اقرأ الرواية الأولى له، التنور الطين،شجرة الليمون، الليالي الصيفية، النوم فوق سطح المنزل، الراديو، السرداب كنت اشعرُ عند القراءة وكأنني أجمع قطع أنتيكة، لم تكن رواية قرأتها واضفتها إلى المجموعة التي تمت قرأتها وحسب بل كانت لوحة رسمت في أعماقي وسوف تبقى خالدة في قلبي وقلب كل من يقرأها أنا متأكدة من ذلك..
كل التوفيق لكِ وأنا انتظر اعمالكِ القادمة بفارغ الصبر
عرض المزيد
رسالة إلى "Hudasalih"
رسالة إلى "Hudasalih"
إرسال طلب للتواصل مع "Hudasalih"
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل