English  
  لم يكن يحيىَ ابنًا للمدينة الصاخبة، لكنه تمنى لوهلة أن ينتمي إليها، فأخذته أمواجُها العاتية، ظل يتراطم بين الأمواج، لا يعرف طريق النجاة، ينتظر القشة التي يتعلق بها الغريق، لكنه لم يجد.. كان غريقًا من نوع خاص، غريقا في الآثام والمنكرات، كان يتذكر في كل لحظة أيام الصبى وهو يجلس على حجر أبيه، في المسجد أمام المصلين وطلبة العلم، فيقول أبوه: أسْمِعْهُم سورة مريم، فيقول الحاضرون لا زال طفلًا يا رجل كيف سيقولها؟ فأضحك بثقة، ثم أقول بصوتٍ خاشع بسم الله الرحمن الرحيم.. كهيعص.. وأظل أقرأ والناسُ يتعجبون كيف لهذا الفتي أن يكون بهذا الصوت الرائع، والحفظ المتين؟.. فأجيبهم وأنا الطفل من أدرك حب الله، لا بد أن يحفظ كلامه فيقولون: صدقت يا يحيىَ.. والآن أين ذلك الطفل الصغير في قلبي؟ نسيتُ العهد الذي أخذته مع الله في كل سجدة، في كل لحظة تفكُر، وعصيت وفعلت ما كنت أُنكره على الناس في السابق  
رواية ووهبنا له يحيى
  قلت فيمَ تفكر؟ قال: في ألم الفراق؛ أكثر ما أخشاه يا صالح في حياتي هو البُعد عمَّن أحب.. لا أستطيع أن أشرح لك كيف كنت أتقطع من الداخل في أثناء الرحيل من مصر، كيف كان العناق الأخير لأمي ولإخوتي، لزوجتي وأبنائي.. شعرت وقتها بأنني أموتُ من الداخل.. أنا سريعُ التعلق بالآخرين، وتعلقي هو من أشد أنواع التعلق، يصفه البعض بأنه تعلق جنوني، ويصفه الطب بأنه تعلق مرضي.. ولكني على نفس الحال لم يتغير شيء.. منذ الرحيل حتى اليوم وأنا لا أزال لم أصدق أنني بعيدًا عنهم، إذا أردت أن أُعانق أحدًا منهم فلن أستطيع..  
رواية ووهبنا له يحيى
  قلت فيمَ تفكر؟ قال: في ألم الفراق؛ أكثر ما أخشاه يا صالح في حياتي هو البُعد عمَّن أحب.. لا أستطيع أن أشرح لك كيف كنت أتقطع من الداخل في أثناء الرحيل من مصر، كيف كان العناق الأخير لأمي ولإخوتي، لزوجتي وأبنائي.. شعرت وقتها بأنني أموتُ من الداخل.. أنا سريعُ التعلق بالآخرين، وتعلقي هو من أشد أنواع التعلق، يصفه البعض بأنه تعلق جنوني، ويصفه الطب بأنه تعلق مرضي.. ولكني على نفس الحال لم يتغير شيء.. منذ الرحيل حتى اليوم وأنا لا أزال لم أصدق أنني بعيدًا عنهم، إذا أردت أن أُعانق أحدًا منهم فلن أستطيع..  
رواية ووهبنا له يحيى
  ثم عاد الحديث فقال: «هذه قدمك التي حملتك في السير نحو المعاصي: والآن تخلّت عنك، وتلك يدك التي لمست بها الحرام لم تعُد تستجيب لك، وهذه عينك، وهذا لسانك، وتلك أُذنك.. كل جوارحك يا يحيىَ لم تعُد ملكًا لك، فأخبرني الآن ما فائدة أن ترضيها في الدنيا، وتفضحك في الآخرة...  
رواية ووهبنا له يحيى
  عدتُ إلى البيت كما أعود في كل يوم.. أنظر مِن بعيد فـ أري زوجتي كعادتِها تنتظر قدومي، فأبتسم، ويبتهج قلبي مِثل الطفل الذي يرى حبيبته بعد طول فراق، وأظن أنني لو بلغتُ مئة عام لن تمل من انتظاري هكذا.. ولو بلغت هي مِئة عام لن أتوقف عن النظر إليها بنفس الابتسامة، وفي قلبي نفس الحُبّ، وعلى لساني كل كلمات العشق المُمكنة  
رواية ووهبنا له يحيى
  عِدني يا ولدي... أنّك ستظل راسخًا أمام الرياح الهوج. فلا تفريط في الثوابت.. ولا تأويل للمبادئ.. ولا تحويل لما أنت مخلوق له.. واعلم بأنّك مفتونٌ في محراب الطاعة.. فما بالك بفتنتك في ميدان المعصية؟.. فاصبر على نفسك.. وكلما نازعتك إلى الحيود قوّمها.. وكلما أغرتك بلذّة الطريق الليّن وسعته ذكّرها بقسوة الصراط المستقيم وضيقه.. وأعِن نفسك بالتذكّر.. أنّ الله لا يجمع على مؤمن عذابين.. فإما عذاب اشتياق الآخرة صبرًا على دنياك.. وإما عذاب اشتياق الرجوع إلى الدنيا علّك تعمل صالحًا.. وأنت في الآخرة..!  
رواية ووهبنا له يحيى
  فتعالتِ الأصواتُ في جنباتِ المسجدِ يهمِسون بصوتٍ خافتٍ لقدْ ولّىٰ عَهْدُ الأنبياءِ مُنذُ أمدٍّ بعيدٍ فما بالُ هذا الصَبيُّ يحملُ الألواحَ فِي يدِهِ وكأنهُ قَد جاءنا من عصورهم! وهمسَ آخرٌ أفكانَ مكتوبٌ علينا، أن نتلقىٰ المواعِظَ مِن الصغارِ ألم يجدوا أكبر مِنْ هذا لنسمعَ منه؟ وآخرٌ يقول: لقدْ ولّاهُ أبوهُ صالحٌ بدلاً منه، يظن أن إسم يحيى قد يهبه كراماتِ يحيىٰ النبي! فينالَ الحكم والعلم.. كانوا يتحدثون وعيناً خبيثةً ترقُبُهُم مِنْ وراء جدار، يصرخ في أعوانه، ها قد سمعتُم بأنفسكم؟ لقد أصبّح حديثُ الناسِ جميعاً، فمن يتحدث اليوم كارهاً سيتحدث عنه غداً متبعاً ومحبا، فإن لم نفتنهُ اليوم، قبل أن يلتفَّ الناس حولْهُ فلن نقدّر عليه أبداً  
رواية ووهبنا له يحيى
  الممر المؤدي إلى النجاة طويل لا ترى نهايته، لكننا على كل حال مُلزَمون على السير فيه، دون الالتفات إلى موعد الوصول.. فمَن ألزمك طريق الحق لن يُضيعك أمام الباطل فالزم، ولا تلتفت.  
رواية ووهبنا له يحيى
  أعاد السؤال: «ما الأفضل أن تكون»، فقلت: «أكون أنا، لا أريد أن أكون مَنكم»، فقال: «ونحن لا نُريدك أن تكون منّا، فنحنُ لم نجاهر بذنب، ولم نكذب في قول، ولم نخن عهدًا ولا ميثاقًا، ولم نتجرأ على الله بأفعالنا ومعاصينا».. بكيت من نفسي، فنظر إليَّ، وقد لانت أنيابه بعد شدةٍ وقسوة: «أتبكي خوفًا أم تبكي على نفسك»، ثم أكمل عندما وجدني صامتًا: انظر حولك سترى أين أنت، فرفعت رأسي فوجدتني في دائرة ويدور حولنا آلاف الذئاب، ولا زالت تعوي بكلامٍ غيرُ مفهوم.. ثم عاد الحديث فقال: «هذه قدمك التي حملتك في السير نحو المعاصي: والآن تخلّت عنك، وتلك يدك التي لمست بها الحرام لم تعُد تستجيب لك، وهذه عينك، وهذا لسانك، وتلك أُذنك.. كل جوارحك يا يحيىَ لم تعُد ملكًا لك، فأخبرني الآن ما فائدة أن ترضيها في الدنيا، وتفضحك في الآخرة... يا يحيىَ.. لا تنسَ، فحياتك لسبب، وعودتك لأجل هدف وقضية، ثم سمعت الذئاب تعوي مرةً أُخرى، ولكني فهمتها هذه المرة.. كانت تقول: لقد نجا يحيىَ..  
رواية ووهبنا له يحيى
عرض المزيد