انتهت المحاكمة وبدأت العقوبة سريعًا، عرّوا نصفه العلوي ثم جلدوه بالسوط الثلاثي، المسيح مستسلمٌ يعلم أنها مشيئة الرب أبيه، ويجب أن تتم مشيئته، ثبتوه على الصليب الخشبي بالمسامير، وتركوه يمشي حاملًا إياه، وقع بحمله، فجسمه الواني عجز عن إتمام المسير، فجعلوا سمعان يساعده.
قالت المملكة الرومانية إن جريمته هي الثورة عليها، أما الطوائف اليهودية فترى أن تهمته هي التجديف، وقد وجب رجْمُه، اختلفت الآراء والغاية واحدة محددة من قبل...
كان المسيح صامدًا، لا يظهر آلامه، منعَتْه الكبرياءُ، الجنود حوله من كل اتجاه شامتون، يتغامزون، يتعمدون إذلاله وإهانته.
- هل هذا هو مخلصكم؟! فليأتِ من يُخلِّصه من بين أيدينا هاهاها!
هرب أغلب الحوارين وأنكره الباقون...
"فقرة من قصة دموع المسيح"
جئت لأتلو في محرابك آخر أمنياتي، آخر ما أتمنى هو رؤية ابتسامتك الناعمة، أخر شيء أطلبه وأنا راكع أن تسامحيني، آخر شيء أريد سماعه هو جدالك البريء، المتفاني في عشق الحب والحياة، أعلم أني كسرتك بعنادي، آلمتك بافتتاني بذاتي، خنقتك بحريتي المطلقة وجدالي اللا نهائي، الآن أفترش أحزاني التنهيدة تلو التنهيدة، تعلمت كثيرًا من أخطائي، وحاولت كثيرًا أن أصلح عيوبي، ولا أعرف -حتى- ما الجدوى الآن، لا أجد الاعتذار الكافي لأقنعك، الاعتذار الذي يليق بكِ، حتى لو تقبلين أن أضع قلبي بين يديك قربانًا، فتسحقيه
"من قصة اعتذار.. المجموعة القصصية دموع المسيح"
دائمًا أنا عاصٍ في عيون الناس، إلا الشيخ نور الدين، حتى زوجتي الصورية أميرة ترى أن سبيلي إلى الصوفية ضلال، اتبعني زوج أختها مراقبًا، وعلم بحالي وشاهد تحليقي في ساحة الذكر بعينيه الحادتين اللتين لم تُبصرا سوى الظنون المنافية للحقيقة، قالت لي ذات مرة وهي منهمكة في سلق دجاجة الغداء:
- لا تعرف قدماك إلا سبل الضلال، كنت سكّيرًا وأصبحت درويشًا، الهذيان دينك والتجرؤ على الله صلاتك.
أصبحت تلك الكلمات هي أورادها التي تسمم بها بدني في الصباح والمساء، وهي تطبخ أو تكنس أو تغير ملاءة السرير بل أحيانًا وهي في الحمام، لكن هذا ليس تجرؤًا ومن يملك الجرأة؟
- إن الله هو الزمان والمكان يتخللنا يحتوينا ونحتوي بعضًا منه، وهو كلٌّ، والكل مطلقٌ، والبعض منه كلٌّ، ونحن آلهة تخطئ وتتغير وتتبدل، آلهة من رمال، أما هو فإلهُ النور العظيم، الثابت الراسخ المطلق الكمال، لا يعرفه الخطأ، وكلُّ فِعلِه صواب، فلا ندَّ له ولا مثيل نقيس عليه.
تساقطت الحمامات الملتهبة في كل مكان، ارتطمت بالجدران، وعلى أسطح البيوت وعلى قباب المساجد والزوايا، في أروقة الحارات والشوارع والميادين، كأنهن كن مليون حمامة وأنا أتساقط مثلهن من فوق السطح تلتهمني النيران وما زلتُ أسقط والسماء تبتعد، تبتعد إلى ما لا نهاية وأنا أسقط بلا توقف ولا أبلغ قاعًا ولا قرارًا حتى أصبحت أتوسل الارتطام العظيم لأستريح من الألم والهلع، من ينجدني غيرك يا قدوس؟ أمد إليك يدي، مد إليّ يدك!
انتهت جلستنا وذهب كلٌّ منهم يقصد مسكنه وعدت أروم غرفتي، رأيتها تتأرجح أمامي كمركب تتلاعب بها الأمواج، تارة قريبة تقف على مسافة ذراع مني وتارة تبتعد حتى تبتلعها السماء، مرت نسمة باردة سريعة تكاد تكون ريحًا، حملت بين ثناياها تراتيل الفجر الآتية تباعًا من القباب المضيئة المترامية، قلت: ما هذا الخيال الجميل؟ ماذا يحدث لو أني صعدت فوق السور؟ سور السطح، لا مشكلة مطلقًا، رفعت قدم ووضعتها عليه، وكان أعلى من قامتي أو أسفل ركبتي، رأسي يترنح ولا أستطيع تثبيته جيدًا فوق رقبتي، نظرت إلى عربة الفول بحمارها الواقف في الحارة فإذ بهما يقتربان ويبتعدان، "يكفي هذا يا صالح، من يُرِد الصعود لا ينظرْ إلى الأسفل"، نظرت إلى السماء فإذ بها مضمار والغيوم خيول جامحة، دفعت السور بيدي بقوة لأتحرر من جاذبية الأرض الثقيلة، فصعدت بالقدم الثانية، تمايل السور تحتي كحبل مرتخٍ لكني فردت ذراعيّ فتوازنت واستقر بي الحال، تحركتُ فاردًا ذراعيّ أتمايل مع التراتيل البعيدة وسباق السماء، مشيت مستقيمًا أو مقوسًا على حافة دائرة، دائرة كبيرة كحلقةٍ والقباب في المنتصف كرؤوس معممة بوشاح أخضر والمآذن أذرع ترتفع إلى أعلى بالدعاء، الرؤوس الخضراء والأذرع تتمايل كالعبّاد في حلقات الذكر.
"الله حيّ، الله، الله حيّ، الله"
القباب تدور في أفلاك حول مركز من نور كالشموس في دورانها حول مركز المجرة، نور في القلب شديد.
"الله حيّ"
الحروف نور، النسيم الذي تسلل من فتحتي أنفي لرئتي نور. "حيّ، الله حيّ"
لِمَ لا أنضم إليهم، الذكر نبع يفيض وهنيئًا لمن اغترف الغرفة بروحه وفؤاده.
"الله حيّ، الله، الله حيّ، الله"
مددت رجلي وملت بقلبي قبل جسدي وإذ بقبضة من حديد تسحبني من ثوبي فهويت، مددت ذراعيّ إلى السماء، هل من مُنجٍ؟
"حيّ!"
عاد الأب الكادح يحمل كومة حطب، باع معظمه في السوق، يقوم بجهد عظيم طوال النهار من أجل قروش قليلة، ينتظر أطفاله الطعام، خمس بنات وطفل صغير جاء بعد طول انتظار، وزوجة مكدودة ممصوصة الوجه تتزين بالصبر والرضا، ورغم ضيق العيش، فإن أطفالهما لم يبيتوا ليلةً جَوعَى. ليس بالكوخ الدافئ من طعام سوى الخبز والملح، وضع جوال البطاطس في حجرها وتوسل إليها أن تذبح دجاجة لتفرح الأطفال، تهللت وجوه الصغار وقاموا يسحبونها من أطراف جلبابها، يتوسلون إليها أن توافق، جفف الحطاب عرقه ورقد على الأرض ليصبح ميدانًا متعرجًا لينًا يصلح للعب الأطفال، يحدث نفسه قائلًا: "كَم البنات حنونات رقيقات كأرنبات بيض يلعبن في المروج، أما الولد فيحب صنع السيوف من أعواد الحطب فيبارزني ولا يزال يثخنني بطعناته حتى أكتم أنفاسي وأغمض عيني فيصيح فرحًا بالنصر ويرفع سيفه الخشبي إلى السماء كأنما يقول لها: أنت التالية.
ميريت هي أول قنديل يحمل قبس يسوع يضئ ديرنا، فتاة طيبة خلقت من نور السماء كالملائكة، إذا نظرت إليها ترى نور الصبح إذ يشرق في صباحات الربيع، فإذا شعرت بأن الفراشات تطير حولك فلا تتعجب، وإذا شممت عبير الزهور فلا تسأل من أين يأتي، فقط استوعب بقلبك الطاهر وعقلك المستسلم لقدرة الرب تلك المعجزات.
كشفت الجميلة عن وجهها، ليضاء الصباح بشمسين. عينان من العسل المصفى عكستا ضوء الشمس القادم من النافذة، فازدادت الكهرمانتان تألقًا وبريقًا، حاول الكحل مجتهدًا أن يحيط توهجهما ويكبح جماحهما فازدادتا جمالًا على جمالهما، نظرت إلي وسرحت في وجهي كمن تنظر إلى مدى بعيد، لها ابتسامة تهزم الوحشة وتأجج اللهفة وتذيب الفؤاد، أشعر أنها تائهة في مدائن وجهي تبحث عن مأوًى لها.
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل