English  
  إن الأدعية المأثورة التي كان يدعو بها نبينا صلى الله عليه وسلم ويعلمها أصحابه قد جمعت الخير كله لاشتمالها على جوامع الخير وفواتحه وخواتمه، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:(كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء ويدع ما بين ذلك).(ابو داود١٤٨٢ ،أحمد٢٥١٥١،ابن حبان٨٦٧ وصححه الألباني) وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:(يا عائشة عليك بجوامع الدعاء).(جامع العلوم والحكم لابن رجب ٢/٥٣٣) و في رواية (عليك بالكوامل…)(أحمد ٢٥٠١٩، ابن ماجه ٣٨٤٦، ابن حبان ٨٦٩، الحاكم ١٩١٤ وصححه الألباني) ولفظه عند البخاري قال صلى الله عليه وسلم:(يا عائشة عليك بجمل الدعاء وجوامعه…)(البخاري في الأدب المفرد ٦٣٩ وصححه الألباني) وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم فواتح الخير وجوامعه أو جوامع الخير وفواتحه…)(أحمد ٣٨٧٧، السلسلة الصحيحة ١٤٨٣) و الأحاديث في هذا المعنى كثيرة منها ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(بعثت بجوامع الكلم).(البخاري ٢٩٧٧، مسلم ٥٢٣) قال الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله:(جوامع الكلم فيما بلغنا : أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد و الأمرين ونحو ذلك).(جامع العلوم والحكم ١/٥٣). فالواجب على المسلم أن يعرف عظم قدر هذه الأدعية النبوية ورفيع مكانتها وأن فيها مجامع الخير وأبواب السعادة ومفاتح الفلاح في الدنيا و الآخرة، والعجب أن ترى بعض الناس يترك ويدع هذا الخير الذي اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ويقبل على ادعية اخرى لغيره ممن لا تؤمن غائلتهم من المتكلفين في الدين ما ليس منه!! و لهذا يقول الخطابي(أولى ما يدعى به و يستعمل منه ما صحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عنه بالأسانيد الصحيحة، فإن الغلط يعرض كثيرا في الأدعية التي يختارها الناس لاختلاف معارفهم وتباين مذاهبهم في الإعتقاد والانتحال، وباب الدعاء مطية مظنة للخطر، وما تحت قدم الداعي دحض، فليحذر فيه الزلل، وليسلك منه الجدد، الذي يؤمن معه العثار، وما التوفيق إلا بالله عز وجل).(شأن الدعاء للخطابي ص٢). و هذه الأدعية النبوية وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها كاملة وجامعة للخير كله، فينبغي الدعاء بها كما جاءت لا يزيد فيها وينقص منها ولا يعيبها بألفاظ أخرى، بل يتقيد بالفاظها كما جاءت، لأنها معصومة وسالمة من الخطأ و الزلل ولأنها وحي الله وتنزيل منه، وكان الصحابة رضي الله عنهم في غاية الحرص على ضبط الأدعية النبوية فعن ابن عباس رضي الله عنه:(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول : اللهم …)(مسلم ٥٩٠) ومن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا دعاء الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن).(البخاري ١١٦٢). وكان صلى الله عليه وسلم يصحح و يصوب من يخطئ منهم ولو في لفظ من ألفاظ الذكر والدعاء، كما في الصحيحين من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت مت على الفطرة، فاجعلهم آخر ما تقول)، فقلت: استذكرهن "وبرسولك الذي أرسلت ", قال صلى الله عليه وسلم:(لا، وبنبيك الذي أرسلت).(البخاري ٨٣٤، مسلم ٢٧٠٥). قال الحافظ في الفتح(وأولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من قال رسول الله بدل النبي: أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس ، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به).(فتح الباري لابن حجر ١١/١١٢). ثم إن الانسان قد يختار لنفسه دعاء يرى أن فيه السعادة و يخفى عليه ما قد يتضمنه من شر وخطر، و تأمل هذه القصة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد خفت و صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(هل كنت تدعو بشيئ أو تسأله إياه؟) قال: نعم كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(سبحان الله، لا تطيقه أو لا تستطيعه)، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قال:فدعا الله له فشفاه. (مسلم ٢٦٨٨). و عن سعد ابن ابي وقاص قال: سمعَني أبي وأَنا أقولُ اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الجنَّةَ ونعيمَها وبَهْجتَها وَكَذا وَكَذا وأعوذُ بِكَ منَ النَّارِ وسلاسلِها وأغلالِها وَكَذا وَكَذا فقالَ: يا بُنَيَّ إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ:(سيَكونُ قومٌ يعتدونَ في الدُّعاءِ فإيَّاكَ أن تَكونَ منهُم إنَّكَ إن أُعطيتَ الجنَّةَ أُعطيتَها وما فيها منَ الخيرِ وإن أُعِذتَ منَ النَّارِ أُعِذتَ منها وما فيها منَ الشَّرِّ).(صححه الألباني في صحيح أبي داود ١٤٨٠). و هذا كله مما يبين لنا مكانة الأدعية النبوية وأهمية العناية بألفاظها المأثورة لكمالها ورفعتها وعصمتها وسلامتها ووفائها بتحقيق أهم المطالب وأجل الغايات.  
الأربعينية في جوامع الأدعية النبوية
  عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ لِأَصْحَابِهِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِى دِينِنَا وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» [رواه الترمذي (٣٨٤١)، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١٢٦٨)] من موقع الشيخ فركوس حفظه الله.  
الأربعينية في جوامع الأدعية النبوية
عرض المزيد