وصف برنارد هيكل من معهد أولين بجامعة هارفارد للدراسات الاستراتيجية مذكرات همفر بأنها تزوير مضاد للوهابية، ورجّح فبركتها من قِبل أيوب صبري باشا، وهو كاتب عثماني خدم في الحجاز واليمن، وكتب عن الدولة السعودية، وتوفي سنة ١٨٩٠م.
وفي بداية انتشار الدعوة، ذكر أيوب صبري علاقة محمد بن عبد الوهاب بالجاسوس همفر، إلا أن هذه الدعوى أُبطلت لعدم وجود دليل على همفر في قواعد البيانات أو البحوث والمكتبات والكتب القديمة أو النادرة، ولعدم توافق أحداث المذكرات مع المصادر المعاصرة؛ إذ تزعم أن همفر التقى محمد بن عبد الوهاب في البصرة سنة ١٧١٢م، مع أنه كان حينها في التاسعة أو العاشرة، ولم يغادر نجد قبل سنة ١٧٢٢م إلا للحج، كما أن عبارة «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» لم تظهر إلا بعد ذلك بنحو قرن، وكانت نجد خالية من الوجود البريطاني في منتصف القرن الثامن عشر.
وذكر الأشعري تلميذ البوطي ماهر الهندي مفتخراً أن بريطانيا كانت تستعين بالأشاعرة لمواجهة الفكر السلفي، مما يعارض فرضية أنها أرادت دعم السلفيين أو صنعت دعوتهم. فهم يحتجون بأحد حججهم بأن دعوة محمد عبد الوهاب باطلة بحجة أن بريطانياً التي أتفقت معه لنشر عقيدته وبنفس الوقت يفتخرون أن بريطانيا تنشر عقيدتهم ألا ينظرون لبطلان عقيدتهم أمامهم
الخلاف في تقديم العقل والنقل
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الأصل في التلقي هو الوحي من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بفهم سلف الأمة، ويرون أن العقل الصريح لا يمكن أن يتعارض مع النقل الصحيح، بل يتكاملان؛ فإن وقع في الظن تعارض بين العقل والنقل، قدّموا النص الشرعي لأن الوحي معصوم والعقل غير معصوم، ويحتمل الخطأ والهوى والقصور.
أما الأشاعرة، فعلى الرغم من زعمهم التمسك بالكتاب والسنة، إلا أنهم في حقيقة الأمر يجعلون العقل حاكمًا على النص، فإذا توهموا تعارض النص مع ما يسمونه "العقل القطعي"، قدّموا العقل وأولوا النص أو فوضوه، كما قرره أئمتهم كالغزالي في تهافت الفلاسفة، والجويني في الإرشاد، والرازي في كتبه الكلامية، وعبّروا عن ذلك بقاعدة: "إذا تعارض العقل والنقل، قدّمنا العقل، ووجب تأويل النقل أو تفويضه".
الردّ على حجج الأشاعرة:
يقول الأشاعرة: العقل هو الذي دلّ على صدق النبي ﷺ، فهو أصل في إثبات النبوة والنقل، فلا يجوز أن يُنقض الأصل بالفرع.
الرد: نعم، العقل دَلّ على صدق الرسول ﷺ من حيث عموم الدلالة على المعجزة والنبوة، لكنه ليس حاكمًا على كل ما جاء به النبي ﷺ، بل وظيفته تنتهي عند التصديق. فكما أن الشاهد يثبت صدق المتكلم، لا يصير حاكمًا على كل ما يقوله، فكذلك العقل مع الوحي. بل إثبات العقل للنبوة يستلزم التسليم المطلق للوحي، لا معارضته. وإذا عارضه، فقد نقض ما أثبته، وهذا تناقض.
الحجة الثانية: قولهم إن حديث الآحاد لا يُؤخذ به في .العقيدة
هذا القول مخالف لمنهج السلف، مبني على أصول المتكلمين والفلاسفة لا على الكتاب والسنة؛ فقد أرسل النبي ﷺ الآحاد لتبليغ العقيدة، كما في إرساله معاذًا إلى اليمن وحده وأمره أن يدعوهم إلى التوحيد. وقد عمل الصحابة والتابعون وأئمة السلف بأحاديث الآحاد الصحيحة في إثبات العقائد كحديث النزول، والشفاعة، وعذاب القبر، ووزن الأعمال، وغيرها، مما يدل على أن خبر الواحد حجة في العقيدة كحجيته في الأحكام، وأن التفريق بينهما محدث لا أصل له.
الحجّة الثالثة: زعموا أن النقل ظني والعقل قطعي، فيُقدَّم العقل عند التعارض.
وهذا باطل من وجهين: أولًا، ليس كل نقل ظنيًّا، بل كثير من نصوص الصفات واليوم الآخر قطعية الثبوت والدلالة، فلا يُردّ الوحي بمزاعم الظنية. ثانيًا، ما يزعمونه عقلًا قطعيًّا غالبًا ما هو نظريات كلامية وفلسفية ظنية، مبنية على مقدمات مضطربة. فالعقل محدود، يخطئ ويختلف الناس فيه، بخلاف الوحي المعصوم، فإذا وقع تعارض فالوهم من جهة العقل لا النقل.
وقد أمر الله بالرد إلى الوحي لا إلى العقول، فقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، ولم يقل إلى العقل ولا فتوى لعالم، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] أي لا خيار لهم بعد حكم الله ورسوله. فدلّ على أن التسليم للوحي هو الواجب، لا تقديم العقل عليه، كما يفعل الأشاعرة.
أقوال أصحاب المذاهب الأربعة
قال الإمام الشافعي: حُكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة، وأخذ في الكلام. [ابن عبد البر، جامع بيان العلم، (٩٤١/٢)]
وقال الإمام أحمد: لا يفلح صاحب كلام. [الإبانة الكبرى لإبن بطة (٥٤٠/٢)]
وقال الإمام مالك: لعن الله عمراً [ابن عبيد] فإنّه ابتدع هذه البدع من الكلام ولو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلّموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدلّ على الباطل. [ذم الكلام وأهله للهروي ( ٧٢/٥)]
وقال أبو حنيفة: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
وقال: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه".
وفى رواية: "حرام على مَن لم يعرف دليلي أن يفتى بكلامي". [صفة صلاة النبي للألباني (ص ٤٦ - ٥٧)]
إجماع السلف
عمر بن الخطاب: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة_ اللالكائي_(١٣٨/١)]
علي بن أبي طالب: "لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله يمسح على ظاهر خفيه. [المرداوي، التحبير،(٣٥٠٥/٧)]
قال سفيان الثوري: تعلموا هذه الآثار، فمن قال برأيه فقل: رأيي مثل رأيك. [الحلية (٣٦٤/٢)]
قال الأوزاعي: عليك بآثار مَنْ سَلف، وإن رَفَضَك النَّاس، وإياك وآراء الرِّجال، وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنتَ على طريقٍ مستقيم. [السير للفرازي (٦٨٣/٢)].
وعن حماد بن زيد. قال: سمعت أيوب وقيل له: ما لك لا تنظر في هذا - يعنى: الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار: ألا تجتر! فقال: أكره مضغ الباطل. [الحلية (تهذيبه) (٤٣٣/١)].
عن عمر عبد العزيز: أنه كتب إلى الناس: إنه لا رأي لأحد مع سُنَّة رسول الله ﷺ. [الشريعة للآجري (٦٢)].
قال الشافعي: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد. [إعلام الموقعين لإبن القيم (٢٦٣/٢)].
قال ابن عبد البر: ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله أو صح عن رسول صلى الله عليه وسلم أو أجمعت عليه الأمة وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله نحوه يسلم له ولا يناظر فيه. [جامع بيان لابن عبد البر (٩٤٣/٢)]
قال الغزالي (الأشعري): قلت تعلم الجدل والكلام مذموم كتعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه...وإلى تحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف. [قواعد العقائد (٨٣)]
أرشح أفضل كتاب في باب تقديم العقل على النقل "شرح العقيدة الواسطية" لابن تيمية
عرض المزيد
رسالة إلى "Abo.hosam. Aa2004"
رسالة إلى "Abo.hosam. Aa2004"
إرسال طلب للتواصل مع "Abo.hosam. Aa2004"
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل