الفصل الثاني: الهوية كما تُرى في المرآة
هل سألت نفسك يومًا من أنت؟ لا على مستوى الاسم أو المهنة أو العمر، بل في العمق… في تلك المنطقة الهادئة التي لا يصلها أحد، ولا تكتبها السير الذاتية، ولا تشرحها صورة في بطاقة الهوية.
أنت لا تُعرّف فقط بما يعرفه الناس، بل بما يشعر به قلبك حين يسكن، وبما تفعله حين لا يراك أحد، وبما تخبئه في نيتك حين تسأل الله: اجعلني كما تحب، لا كما يظن الناس.
الهوية ليست ما تقوله عن نفسك، بل ما تقوله روحك في كل موقف، في كل قرار، في كل اختيار بين أن تردّ بحدة، أو أن تصمت لله.
عندما تنظر في المرآة، قد ترى وجهًا مرّ عليه الزمن، لكنك لن ترى فيه موقفًا أكرمت فيه أحدًا، أو دعاءً خرج من صدرك في لحظة ضعف، أو ندمًا جعلك تتوب — لأن هذه الأشياء لا تُرى، لكنها تصنعك.
أحيانًا تشعر أنك تائه، كأنك أضعت شيئًا منك في زحمة الأيام، فتسأل نفسك: هل ما زلت أنا؟ وتدرك أن “أنا” ليست ثابتة، بل تتشكّل، مثل النهر الذي يغيّر مجراه… لكنه لا يفقد عذوبته.
الهوية مرنة لكنها لا تُختَزل. تتكوّن من مزيجٍ دقيق: نواياك، تجاربك، مخاوفك، دعواتك، صبرك، وكل تلك اللحظات الصغيرة التي لم يصفّق لك فيها أحد… لكنها بنَتْك.
قد يشير الناس إليك بشيءٍ واحد: بإنجاز، بصفة، أو بحدث، لكن الله يشير إليك بما لا يُرى: "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [غافر: 19] لأنه يعلم من أنت حين تخطئ وتستحي، ويعلم ما في قلبك من صدقٍ لم تُترجمه بعد.
الهوية الحقيقية لا تُشكّلها المؤثرات، بل تُنحت فيك عندما تختار أن تكون نقيًّا رغم إمكان التزييف، أن تقول الحقّ رغم المغريات، أن تسامح رغم الجرح.
وحين تُفكر: “من أنا الآن؟” لا تقلق إن لم تعرف، لأن المعرفة لا تُكتب، بل تُكتشف، وأنت في كل يومٍ تتعرّف على نفسك من جديد، تجدد النية، تصحّح الطريق، وتزداد قربًا من الصورة التي أراد الله أن تكون عليها.
فتذكر دائمًا، أن هويتك ليست شيئًا ثابتًا فوق الورق، بل هي دعاءٌ يُقال في الخفاء، ونورٌ يظهر في التصرف قبل القول، وأن المرآة التي يراك الله من خلالها… تعكس حقيقتك كما لم ترها في نفسك من قبل.
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل