English  
  التفت عمر إلى ماري , فرآها تحدّق في أكوام الدمار و الخراب ذاهلة , لا يبدو عليها أنها سمعت شيئاً مما قاله , كان بين جفنيها دموعٌ حاولت الاحتفاظ بها فلم تستطع , فتركتها تسيل على خدّيها , جلست على حجر مجاور , كشجرة فتيّة قطعتها من جذعها فأسُ حطّاب ... - قاسٍ و مؤلم ما أرى! لم أرَ مثل هذا المنظر في باريس أيام الحرب الكبرى , هذا لا يُحتمل . سكتت ماري لحظات , ثم انخرطت في بكاء و نشيج , و أضافت كأنّما تكلّم نفسها : - أكان من الضرورة أن أكون هنا في هذه الأيام ؟ لماذا ساقني القدر سوقاً إلى هذه المدينة الجميلة المنكوبة ؟ لماذا قسا عليَّ طالعي فحوّل أحلامي إلى كوابيس ؟ جئت أعاين روائع العمران و البناء و الحضارة, فاستقبلتني صور الدمار الوحشي الهمجي . أيحمل الإنسان في داخله كلَّ هذه القسوة و الوحشية ؟ أيمكن للقيم و المبادئ أن تتشوه إلى هذه الدرجة البغيضة ؟  
حرائق الشام
  لم تدم تلك النظرة إلّا خلسةً من وقت لا تتجاوز الزمن اللازم لفتح الجفنين و إطباقهما , و لا تتعدّى أجزاء الثانية التي تحتاجها الشفتان لتقولا كلمة ( أحبّك ) , و لا تزيد عن الوقت الذي يستغرقه القلب العاشق كي ينبض نبضةً واحدة بحضرة المحبوب ! لكن تلك النظرة تركت في قلب عليّ إحساساً , و أيّ إحساس ! و استمرت تغذّي روحه و أعصابه و تمنحه القوة و العزم كي يقوم بواجبه على أكمل وجه و أبهاه .  
حرائق الشام
  لحسن الحظ توقف القصف من جديد , لكن بقيت الحرائق العظيمة التي حوّلت ليلَ الشّام إلى نهار قاس ٍ . التفتت ماري جهة الجامع الأموي فرأت مآذنَه العظيمة كأنّما تحترق هي الأخرى بفعل انعكاس أضواء النيران عليها . فيما ظهرت القبّة العظيمة ( قبّة النسر ) كرأس طائرٍ أسطوريٍّ عملاق يهمّ بالنّهوض ... - كأنّما طائرُ الفينيق يخرجُ من تحت الرّماد !! في قرارة نفسها , كانت حزينةً بائسةً ... - ليتني لم أرَ هذه المناظر !!! ردّدت بأسى  
حرائق الشام
  - قال بهدوء : المشكلة عند من يسأل هذا السؤال أنه يتجاهل ( عن طيب نية , أو عمداً و عن سوء نية ) حقائق الأمور و الوقائع على الأرض . يفترض من يسأل هذا السؤال أنّ أمور المنطقة ( أقصد غزة و عموم فلسطين ) كانت هادئة هانئة , تعيش في أمن و وئام , تنام على أحلام السعادة و تصحو على أناشيد السلام , حتى جاء صباح 7 اكتوبر فبدّل تلك الحال إلى حال أسوأ ! و ليس الأمر كذلك كما يعرف من لديه أدنى معرفة بتاريخ المنطقة . لم تكن الحال في فلسطين هادئة ليل 6 أكتوبر , ثم فاجأها زلزال 7 أكتوبر فبعثر أوراقها و أطاح بسلمها و أدخلها في عين العاصفة . إنّ لما جرى صباح 7 اكتوبر جذوراً تمتد لمئة عام سابقة , و إن القنبلة التي انفجرت صباح 7 اكتوبر قد أُشعل فتيلها منذ العام 1948 و ما قبل , كما أُشعِل فتيلُ قنابل أخرى تنتظر دورها كي تنفجر .  
طوفان القلوب
  كل تلك الصور كانت تتوالى في ذهني فأكاد لا أصدق أنها كانت واقعاً عشناه . ما الذي جرى ؟ و كيف ؟ من هؤلاء الذين استطاعوا أن يقتحموا حدودنا ( بأبسط المعدات و الآليات ) و أن يدخلوا إلى عمق أراضينا , و يحتجزوا عدداً من مواطنينا ثم يعودوا بكلّ تلك السهولة , و نصير عندهم رهائن ( أو ضيوفاً كما كانوا يقولون ) ؟ و ما هو حجم هذه العملية ؟ و السؤال الأهم : ماذا بعد ذلك ؟ ماذا يراد لنا ؟ و ماذا سيفعل بنا ؟ لم أجد جواباً لتلك الأسئلة كلّها , و أضناني البحث عن الجواب , و كأني غفوت أخيراً لبعض الوقت .  
طوفان القلوب
  خرج الشيخ إلى المصلى , و نظر منه إلى مدينة دمشق التي كانت تلوح في الأسفل فرأى منظراً عجباً , و جمالاً دونه أيّ جمال , فما هو إلا أن شرح الله صدره لذلك المكان , فتوضأ و صلّى ركعتين , و وضع حجراً هناك جهة القبلة و قال : هذا موقع مبارك , و هنا يكون مسجدنا إن شاء الله .  
أرض الصالحين
  كان يوماً خالصاً للفرح و البشرى و السّرور لم يكن مثله في تاريخ عائلة بني قدامة , و صارت صالحة رمزاً لاستمرار الحياة و الثقة بالله و الأمل بالمستقبل . و من يوم ولادتها سيكون لصالحة شأن عظيم و مكان راسخ في قلوب كلّ القداميين . صارت صالحة عنوان حياتهم المقبلة , حياةٍ صعبة التكاليف , تبدأ من صِغرٍ , لكنّها مبشّرةٌ بنمو و كِبَر و عظَمة و اشتداد !  
أرض الصالحين
  و دخل أبو عمر و إخوانه القدس حامدين الله , شاكرين له نصره العظيم , فطافوا بشوارع البلدة التي كان دخولها حلماً راود كلّاً منهم من أيام صباه الأولى , و لعلّه ذكر وصيّة الشيخ أحمد و هو على فراش الموت : (فإن دخلت القدس , فاذكرني هناك يا بني . سلّم لي على أحجار القدس و بيوتها و طرقاتها , و ادخل المسجد و ساهم بتنظيفه من رجس الفرنجة , فقد جعلوه ( قاتلهم الله ) زريبة خنازير !! مرّغ خديّك على ثراه , و قل : هذا قضاء عهد أحمد بن قدامة و وفاء نذره , فوالله لقد نذرتُ لئن دخلتُ الأقصى يوماً لأكنسنّ ترابه بوجهي ! ) .  
أرض الصالحين
  - قُضي الأمر يا حبيبي , و كلّ قضاء الله خير . قالت ميسون بطمأنينة : فقط أرجو من الله ( و هذا ماكنت أدعوه كلّ ليلة بعد استيقاظي من ذلك الحلم المتكرّر ) أن يبقينا الله معاً ( أنت و أنا و البنات ) أن ننجو معاً أو تكون الأخرى , المهم أن نبقى معاً , لا أريد لحادثة أن تفرّقنا عن بعضنا , ستكون الحياة صعبة جداً على أيّ فرد منّا يبقى وحيداً !  
الفلك المشحون
  على كلّ حال , ذكرياتي مع أمي رحمها الله لا تؤلمني , أو فلأقل بتعبيرٍ أدقّ : تؤلمني فقط بقدر ما تجعل روحي تتألق . بحمد الله لم تشتكِ من أوجاع شديدة في الأشهر الأخيرة من عمرها , رغم الألم الذي تسببه مثل هذه الأمراض عادة. كانت صابرة , حامدة لله , دائمة الإبتسام . كنت أشعر دائماً أنّها كانت تريد أن تخفف عني من حيث أريد أنا أن أخفف عنها .  
الفلك المشحون
عرض المزيد