English  

حروب الرحماء ` القتلة الأوائل - الجزء الثاني `

Ahmed Aboelhag 18 يوليو 2025

( تقييمي للكتاب
  )

**** "كنتُ أظنني أعرف التاريخ... حتى ألقت بي "حرب الرحماء" في هوته " عنوان حالي كقارئ خرج للتو من ملحمة مرهقة، دسمة، قوية، ومليئة بمشاهد عجيبة تخرج منها بقلبٍ مثقل ورأسٍ يغلي بأسئلة لا تنتهي.

*** "حرب الرحماء" ليست مجرد رواية تقرأها، بل نفق طويل من القلق والارتباك التاريخي، تمر فيه بين الحياد والانحياز، بين القداسة والسقوط، بين ما تعلّمته وما يُعاد تقديمه لك في شكل درامي صادم لدرجة أنني كنت أظن أني أعرف الفتنة الكبرى من أسباب و لكن الرواية لم تترك يقيني المعرفي على حاله، بل زعزعته من الجذور، وألقتني في هوة من الحيرة والتساؤل.

في نهاية آخر سطر بالرواية خرجت بالكاد حيًا... حاملاً في يديّ سؤالًا واحدًا:

من الذي بدأ أولًا؟ ومن الذي أخطأ أكثر؟

**** "حرب الرحماء" هو الجزء الثاني من سلسلة "القتلة الأوائل"، السلسلة التي تفتح صناديق التاريخ المغلقة، وتكشف الغبار المتراكم على أكثر الفصول حساسية وجدلاً في التراث الإسلامي، في امتدادٍ صادم ودرامي لرواية "رحلة الدم"، حيث لا يقين ينجو، ولا شخصية تبقى على قدسيتها بأسلوب الكاتب "إبراهيم عيسى"، صاحب المشروع الروائي الصادم الجريء في تفكيك المرويات، ومساءلة المسكوت عنه في تاريخنا الإسلامي.

*** تصنيف الرواية:

-رواية "حرب الرحماء" لا يمكن حصرها في تصنيفٍ روائيٍ تقليدي. فهي ليست رواية تاريخية خالصة، ولا مجرد عمل تخيلي تدور أحداثه في الماضي. إنها رواية جدلية بامتياز، تنتمي إلى فئة "إعادة كتابة التاريخ" من منظور روائي معاصر غير متقيد بشئ من الماضي ، في مشروع يتقصّد مساءلة المقدّس وتفكيك السائد.

- هي رواية تتكئ على وقائع حقيقية وشخصيات تاريخية، لكنها لا تلتزم حرفيًا بالروايات التقليدية، بل تعيد تشكيلها، وتملأ فراغات الصمت والأسطورة بما تراه الأقرب إلى منطق السياسة لا المنبر.

- وإن أردنا وضع تصنيف أدق لها، فسنقول إنها رواية تاريخية-فكرية-صادمة، تستدعي أدوات السرد الأدبي لتفتح ملفّات عقائدية وسياسية ظلت مغلقة قرونًا، وتقدمها بلغة معاصرة، تتجاوز حدود الخيال، دون أن تخرج من عباءة الوقائع.

**** الرحلة والحرب تحت المجهر النقدي:

- بين "رحلة الدم" "وحرب الرحماء"، لا تمر القصة كسرد زمني فحسب، بل يتغير الإيقاع، ويشتد الجدل، وتتعمق الضربات في قلب التاريخ. وكأن الجزء الثاني لا يكمل الأول فقط، بل يختبر مدى صبر القارئ وقدرته على التحمّل، ويضاعف حجم الأسئلة المعلّقة. وفيما يلي قراءة مقارنة بين العملين تحت عدسة نقدية أدبية دون التعرض التاريخي لها :


أولاً :اللغة والأسلوب: من الانسياب إلى الكثافة

- تميزت "رحلة الدم" بلغة روائية سلسة، كانت أشبه بنهر جارٍ، تتنقل بين الحوارات والمشاهد بسهولة، دون أن تُثقل القارئ بالمصطلحات أو الإحالات التاريخية المكثفة. كانت اللغة تخدم الحدث، لا تهيمن عليه.

- في "حرب الرحماء"، اختار "إبراهيم عيسى" لغة أثقل، أكثر امتلاءً ، وأكثر ميلاً إلى الخطابة والانفعال. أحيانًا تشعر أن كل جملة تريد أن تقول كل شيء دفعة واحدة، فتتزاحم المعاني داخل السطر الواحد.

اللغة هنا ليست فقط وسيلة للوصول إلى القارئ ، بل أداة ضغط على عقله ، تجبره على التوقّف والتفكير، وربما التراجع قليلًا ليعيد القراءة.

ثانياً: السرد : من المشهدية إلى المناظرة:

-"رحلة الدم" اعتمدت على بنية سردية أقرب إلى الرواية البوليسية حيث مشاهد قصيرة، تنقلات سريعة، إيقاع منتظم، حبكة ذات ملامح واضحة.

-بينما جاء "حرب الرحماء" ببنية أكثر تفكيكًا. المشاهد أطول، الحوار أعمق و أكثر دسامة ، والزمن الروائي أقل. لم يعد المهم هو "ماذا سيحدث؟" بل "لماذا حدث؟ وكيف نراه الآن؟" لذا يمكن القول بأن السرد في الجزء الثاني أقرب إلى المناظرة الفكرية الثقيلة، التي قد تربك القارئ غير المتمرّس.

ثالثاً :الحمولة الفكرية: من الصدمة الأولى إلى الغوص في الجدل

-في "رحلة الدم" كانت الصدمة الكبرى هي خلع القشرة الأولى: أن ترى الصحابة بشرًا، وتعيد النظر في ما اعتبرته مسلَّمًا. كان هذا في حد ذاته اختراقًا جريئًا.

- أما في "حرب الرحماء"، فلم يعد "إبراهيم عيسى" بحاجة إلى كسر الصور، بل بدأ في تفكيك التفاصيل حيث كيف تشكّلت الفرق؟ كيف صيغت الفتنة؟ كيف برّرت كل شخصية موقفها؟


رابعاً: الشخصيات: بين التعريف والتعميق:

- "رحلة الدم" قدّمت لنا وجوهًا لم تحظَ كثيرًا بالضوء في الروايات التقليدية مثل "محمد بن أبي بكر"، "محمد بن أبي حذيفة"، "عبد الرحمن بن عوف"، و "ابن عديس" وغيرهم.... فكان التركيز على الشخصيات "الهامشية" في الفتنة، التي تسير بين الظلال.

- في "حرب الرحماء" انتقل الضوء إلى مركز الأحداث: الإمام "علي"، "مالك الأشتر"، "عمرو بن العاص" و بالطبع "معاوية بن أبي سفيان" .

تم تعميق شخصية (علي بن أبي طالب) بشكل خاص، بصورة شديدة التناقض فهو الزاهد المحارب،الشديد في عدله المغلوب على أمره من جماعته المفروضة عليه، الإمام الذي يقتل وهو يبكي.

أما "ابن ملجم" البطل المشترك في كل الأجزاء ، فقد تطور من مجرد اسم في التاريخ إلى كيان نفسي مضطرب، مأزوم، يُكتب كأنك تراه حيًا.

خامساً :الأثر في القارئ: من التساؤل إلى الإرهاق:

-"رحلة الدم" تتركك متسائلًا، متشككًا، لكنها تظل رواية يمكن ابتلاعها رغم ما تسببه من قلق.

- "حرب الرحماء" في المقابل رواية مرهقة... تُلقي بك في مستنقع من الجدل والتوتر، وتتركك غارقًا في كمّ من الحيرة والأسى بسبب الدماء الغزيرة المهدورة ، دون يد تمتد لتنتشلك.

الخروج منها لا يكون إلا بقبول أنك لا يجب أن تفهمه كل شئ.

سادساً :المشاهد الحساسة: من نزع القداسة إلى تعرية المأساة:

في "رحلة الدم"، لجأ الكاتب إلى الإفراط في بعض المشاهد الحميمية، خصوصًا تلك المتعلقة بـ"حُبي" — المرتبطة "بعبيد الليثي" — وكذلك في الحوارات الخاصة بين "نائلة" "وعثمان بن عفان".

لم يكن الهدف من هذه المشاهد مجرد إثارة درامية، بل بدا وكأنه اختيار مستفز متعمد و به من الخبث الكثير لنزع القداسة مبكرًا وجعلهم أكثر قربًا، وربما أكثر عرضة للنقد.

-في "حرب الرحماء"، فلا حاجة لكل هذا. فمنذ السطور الأولى، نحن في قلب الصراع، والدم، والتشظي النفسي.

لم يعد الكاتب بحاجة إلى زحزحة صورة مقدسة، لأن الصورة أصلاً متشققة، دامية، تنهار أمام القارئ بفعل ما يراه ويعيشه من مشاهد القتال، والتخوين، والتردد الأخلاقي، والمآسي التي لا تترك مجالًا للتجميل أو التغليف.

* في النهاية يمكن القول أنه إذا كانت "رحلة الدم" هي لحظة كشف الصدمة، فإن "حرب الرحماء" هي التحديق الطويل في الألم.

الجزء الأول كان أشبه بكسر الباب، أما الثاني فهو الدخول إلى الغرفة المظلمة بكل ما فيها من فوضى، وتناقضات، وروائح قديمة لا تختفي.

الجزء الأول كان أشبه بفتح جلد المريض بالمشرط أما الثاني أشبه بعمل العملية الجراحية و البحث عن العطب بين أعضاء المريض.

الكاتب "إبراهيم عيسى" انتقل من نزع الصور اللامعة عن وجوه الصحابة إلى تشريح الصراع نفسه، دون تهيئة أو تمهيد.

وفيما احتاج في الجزء الأول إلى مشاهد حميمية لزعزعة القارئ، كان الجزء الثاني كافيًا بما يحمله من عنف وحيرة ليتركك دون توازن.

العملان ينتميان إلى مشروع واحد و هو ضرب الثوابت ، لكن بروحين مختلفتين:

واحدة تصفعك، والثانية تتركك تنزف ببطء.


****مميزات الرواية :

١- عمق نفسي وفكري غير مسبوق:

الرواية تقتحم النفس البشرية للشخصيات بشكل غير معتاد، خصوصًا في شخصية الإمام "علي" "وعبد الرحمن بن ملجم"و "عمرو بن العاص" .

لم يعد الصراع مجرد صراع سياسي أو ديني، بل أصبح داخليًا: بين الإيمان والخذلان، اليقين والندم.

٢- جرأة في الطرح دون الحاجة للإثارة المفتعلة:

في هذا الجزء، تخلى إبراهيم عيسى عن المشاهد الحميمية والمبالغات، لأنه ببساطة لم يعد بحاجة لها.

فالدم، والقتال، والخيانة كفيلة بنزع القداسة وإثارة الارتباك وحدها.


٣- توسيع دائرة الوعي بالتاريخ:

الرواية تعيد إحياء أسماء منسيّة في الوعي العام، مثل "مالك الأشتر"، وتضعها في بؤرة الحدث، مبرزةً دورها في لحظة تاريخية حرجة.


٤- لغة قوية، مكتنزة بالمعنى:

رغم ثقلها أحيانًا، إلا أن لغة الرواية تحمل طاقة شعرية وفكرية لافتة، وتُسجِّل مواقفًا كاملة في جملة واحدة.

و مهما كانت وعورة اللغة في بعض الأحيان إلا أنها تظل النقطة المضيئة التي تجبر القارئ على احترام العمل حتى مع الاعتراض على المحتوى الفكري به.

٥- تأثير وجداني عميق:

القارئ لا يخرج من الرواية كما دخلها. حتى لو اختلف معها، فإنها تترك داخله أسئلة لا يمكن تجاهلها، وتمنحه زاوية جديدة ينظر بها إلى الفتنة الكبرى.


**** عيوب حرب الرحماء:

١- الإرهاق المعلوماتي والسردي:

الرواية مرهقة ذهنيًا. لا تمنح القارئ لحظات كافية للتنفس.

المشاهد طويلة، والحوارات مزدحمة، والإحالات التاريخية متلاحقة، مما يسبب شعورًا بالضغط، خاصة لمن لا يملك خلفية تاريخية كافية.


٢- الجمود السردي أحيانًا:

بعض الفصول تتحول إلى مناظرات فكرية مطوّلة، تُبطئ الإيقاع، وتفقد القارئ تماسكه داخل الحكاية.


٣- تضاؤل البعد الروائي أمام الطرح الفكري:

في مواضع كثيرة، يبدو أن الكاتب مهتم أكثر بتمرير رؤيته الفكرية من بناء حبكة روائية مشوّقة، وهو ما يجعل الرواية تميل إلى الخطابة أكثر من السرد.


٤- حدة الانفعال في بعض الشخصيات:

بعض الشخصيات، خاصة في صف "عليّ"، بدت في لحظات معينة شديدة الانفعال أو التقديس، على عكس مشروع الرواية نفسه الذي يدعو للتجرد من الانحياز.

**** نظرة عامة على الرواية: بين موقعتين وسردٍ مفخخ:

- بالرغم من غزارة الأحداث وتشعبها، إلا أن الرواية يمكن تقسيمها – من حيث البناء الدرامي – إلى جزئين رئيسين، يتوزعان بين موقعتين مفصليتين: موقعة "الجمل" وموقعة "صفين".

-هذان القسمان لا يمثلان مجرد أحداث متتالية، بل يعكسان مشروع الكاتب في تفكيك الرموز، وهدم الهالة، وإعادة تشكيل الوعي الإسلامي التاريخي بمنطق صادم، يضع القارئ في مواجهة شديدة القسوة مع ما ظنه يقينًا ذات يوم.

أولاً: موقعة الجمل : مأزق تفكيك الرموز:

-في هذا القسم، بدا واضحًا أن الكاتب يسعى لتطويع الرواية لخدمة مشروعه الفكري، ولو على حساب تماسك المنطق التاريخي والنفسي. الصعوبة الكبرى التي واجهها هنا كانت اصطدامه بكبار الصحابة من العشرة المبشرين بالجنة، مما جعله يلجأ – في مواضع كثيرة – إلى توظيف مرويات ضعيفة، أو اختلاق حوارات ومواقف درامية مفتعلة، أبرزها ما يلي:

١- تصارع "الزبير" و "طلحة" على إمامة الصلاة بتحريض من "مروان بن الحكم":

- مشهد درامي يُفتعل فيه صراع لا أصل له بين "الزبير" و "طلحة" على من يتقدم الناس في صلاة العصر، وهو ما يتعارض مع طبيعة الشخصيتين وسياقهما التربوي. فالإمامة – في وجدان الصحابة – كانت تكليفًا لا تشريفًا، وكان الزهد فيها من شيمهم.

- الإشكال لا يتوقف عند حدود المغالطة التاريخية، بل يمتد إلى التهافت في المنطق الداخلي فكيف ينجح "مروان" بسهولة في إثارة فتنة بين رجلين بهذه المكانة؟ المشهد يعاني من رمزية فجّة، ودراما غير مُقنعة، تخلّ بالتوازن بين الفن والإقناع.

٢- الدخول في نوايا الصحابة ودوافعهم في سياق الجمل:

- يتبنى الكاتب تأويلًا نفسيًا يُحمّل "الزبير" و "طلحة" طموحات سلطوية، رغم أن المنطق يفترض تنافسًا لا تحالفًا بين الطامعين. أما تفسير موقف السيدة "عائشة" من "علي" بأنه حقد دفين من أيام حادثة الإفك، فهو طرح مُجحف يُسقط البراءة القرآنية الصريحة، ويحول المسألة من خلاف سياسي إلى ثأر شخصي لا أساس له.

٣- فتوى السيدة "عائشة" بقتل "ابن حنيف":

واحدة من أكثر المشاهد إثارة للجدل، إذ يُصوّر الكاتب السيدة "عائشة" وهي تأمر بقتل "ابن حنيف"، ثم تتراجع... هذه الرواية لا يمكن تبريرها لا بالعقل ولا بالنقل، فكيف تفتي السيدة "عائشة" في قتل نفس مؤمنة و من أصحاب رسولنا الكريم خاصةً مع وجود كبار الصحابة من حولها... لذا أجدها تنتمي إلى نمط "المروية المفخخة" التي تهدف لاختلاق مشروع شيطنة متدرّج.

٤- الحوار التخييلي بين "عمرو بن العاص" وابنيه:

في مشهد أقرب للدراما الرمزية، يُجسَّد "عمرو بن العاص" كرجل يختار الباطل ويدفع بأحد أبنائه لتمثيل الدين، والآخر لتمثيل الدنيا، ليبدو المشهد وكأنه معادلة أخلاقية مبتورة.

هذا التناول يُسقط تعقيد شخصية عمرو، ويقدّمه ككاريكاتير سياسي لا كفاعل تاريخي مركّب.

٥- محاولات نزع القداسة عبر استدعاء ماضٍ قديم:

يُكثر الكاتب من التذكير بأخطاء الجاهلية أو لحظات الضعف في الإسلام، مثل تكرار وصف "ابن النابغة"، أو الإشارة لهروب "حسان" من غزوة أحد. ورغم أن نزع الهالة في ذاته ليس تهمة، إلا أن الطريقة بدت مقصودة، انتقائية، ومشبعة بروح من التشفي، لا بروح نقدية عادلة.


ثانيًا: موقعة صفين :بين العقيدة والسياسة:

ينتقل القسم الثاني من تفكيك الرموز إلى صراع مركزي بين شخصيتين: "مالك الأشتر"و "عمرو بن العاص" رغم أن المواجهة التاريخية كانت بين الإمام "علي" و "معاوية"

- نجحت الرواية في تقديم معركة صفين على أنها صراع بين نموذجين:

– الأول يُجسّده "مالك الأشتر": المقاتل العقائدي الصلب، المؤمن بقضيته، الرافض للمساومة.

– الثاني يُجسّده "عمرو بن العاص": رجل السياسة والمناورة، الذي لا يرى في النصر وسيلة واحدة.

هذا التحويل لم يُفقد الرواية قيمتها، بل على العكس، جعلها أكثر درامية وإنسانية. ونجح الكاتب في رسم معالم شخصيتي الأشتر وابن العاص بدرجة من الإتقان تستدعي الاحترام، حتى لو اختلفنا مع منطقه الفكري العام.

أما النهاية، فجاءت رمزية بامتياز: مقتل "مالك" بالسم هو في الحقيقة مقتل حلم الانتصار النزيه، وانتصار للدهاء على الإيمان.

**** إجمالًا حين أغلقت آخر صفحة من "حرب الرحماء"، لم أشعر بالإنجاز بقدر ما شعرت بالإرهاق. كنت كأنني خارج من ساحة حرب لم أشارك فيها، لكنني نُزفت على أطرافها.

رواية لا تتركك كما أنت، ولا تطلب رضاك، بل تجرّك جرًّا إلى قلب المأساة وتتركك هناك، بلا عزاء.

لم أحب كل ما قرأت، ولم أكره كل ما كُتب، لكنني احترمت التجربة، واحترمت ما أثارته فيَّ من ارتباك.

"حرب الرحماء" ليست رواية للتسلية، بل اختبار لذاكرتك، لقناعاتك، وربما لإيمانك.

ولهذا، فهي عمل يستحق القراءة... فقط إن كنت مستعدًا ألا تخرج منه كما دخلت. فهي ليست رواية عن الماضي، بل مرآة حادة لكل ما لم نحسمه بعد في الحاضر

رحلة الدم (القتلة الأوائل)

Ahmed Aboelhag 18 يوليو 2025

( تقييمي للكتاب
  )

**** "رحلة في قلب الفتنة"… عنوان حال قارئ خرج للتو من رواية مُلغّمة بالفخاخ التاريخية و الألغام الفكرية. ومع ذلك، ما أجمل أن تخوض تلك الأرض المحفوفة بالخطر حين تملك بوصلة عقل، وخريطة فكر توصلك إلى بر الأمان.

**** "رحلة الدم" رواية مثيرة للجدل، كتبها كاتب لا يقلّ عنها إثارة "إبراهيم عيسى".... الذي لم أتخيّل يومًا أنني سأقرأ له، لكنني خضت التجربة — لا ببراءة المطّلع الجديد، بل بخبرة قارئ سبر أغوار تلك الحقبة من قبل، ويعرف تمامًا كم هي معقدة، مراوغة، ومليئة بالمسكوت عنه؛ حقبة تتبدّل ملامحها بتبدّل الراوي ، وتتلوّن بتغيّر زاوية الرواية.

**** حقبة "الفتنة الكبرى" — أو لنقل بصراحة: المنطقة المحرّمة في التاريخ الإسلامي كما يراها الكثيرون... هي فترة شديدة التعقيد، لا تحتمل التبسيط ولا تحتمل الصراخ؛ تحتاج إلى تفكيك هادئ ودقيق، وإعادة نظر في عناصرها وظروفها.... فهي الفتنة التي راح ضحيتها الآلاف من المسلمين، ولا يزال بحر دمائها — للأسف — يتسع للمزيد حتى يومنا هذا.

**** حين نتعامل مع ملف "الفتنة الكبرى"، نجد أنفسنا أمام ثلاث مدارس فكرية واضحة:

١- مدرسة التحريم:

يتبنّاها من يرفع شعار: "تلك فتنةٌ عصم الله منها سيوفنا، فلنعصم منها ألسنتنا".

وكأننا لا نعيش حتى اليوم تحت رماد تلك النار التي فرّقت بين الشيعة والسنّة، ولا نُحاصر بإرثها الدموي في حاضرنا.

٢-مدرسة التبسيط:

حيث يُختزل الصراع كله في كلمة "اجتهاد" و في تحميل القضية بمجملها على الشخصية الهلامية "عبد الله بن سبأ "، ويُغلَق الملف ببساطة مريحة للعقل، وإنْ كانت مخدّرة للوعي مثل كتب "راغب السرجاني" و "جهاد الترباني".

٣- مدرسة الصدام الجريء مع المسكوت عنه :

حيث لا حياد، ولا تردد في كسر التصورات المستقرة، ولا مجاملة لمرويات نُسجت بقداسة عبر قرون و على رأس تلك المدرسة بالطبع عميد الأدب العربي "طه حسين".

* في رأيي، لا يمكن الولوج إلى هذه الفترة والتحرك داخلها بسلام، إلا عبر بوابة الوعي المركّب.... فالقارئ لا يكفيه التبسيط المريح، ولا الصدام العنيف فقط؛ بل يحتاج إلى قراءة متعددة الزوايا، متحرّرة من الاصطفافات، منفتحة على كل الروايات، ومسلّحة بالشّك المنهجي والرحمة التاريخية معًا.

**** التصنيف:

-يمكن تصنيف "رحلة الدم" كرواية تاريخية فكرية، تندرج تحت فئة الرواية الجدلية التي تُعيد طرح المسلمات التاريخية في سياق درامي متماسك ،ولكن هذا الوصف لا يُعفيها من الخضوع للمجهر النقدي التأريخي.

فهي تستند إلى وقائع حقيقية، وتستحضر شخصيات محورية من التاريخ الإسلامي، مما يجعلها تقع في منطقة بين الرواية التاريخية والعمل التأريخي الصدامي.

-هو نصّ يتخذ من السرد وسيلة، لكنه في جوهره كتاب صدامي في التاريخ، يقف عند فترة خلافة "عثمان بن عفّان" رضي الله عنه، من لحظة ولايته وحتى لحظة استشهاده، دون أن يلتزم بوقار المؤرخين أو حيادهم.

**** اللغة و الأسلوب :

-كانت اللغة واحدة من أبرز المفاجآت في الرواية...فقد كنت أظن أن أسلوب "إبراهيم عيسى" سيكون قريبًا من نَفَسه الصحفي المعتاد، المباشر والصادم، وربما المائل إلى السخرية، لكنّي وجدت لغة فصيحة، قوية، ومتماسكة، تنتمي بصدق إلى جوّ الرواية وزمنها.

-ليست لغة متكلّفة أو مغرقة في التراث، لكنها في ذات الوقت لا تفرّط في فصاحتها.

- يستخدم الكاتب ألفاظًا دقيقة، وجُملًا مشغولة بعناية، تجعل القراءة ممتعة، بل وتدفعك أحيانًا لإعادة تأمل بعض العبارات من شدّة وقعها وجمالها.

-لقد وفّق إبراهيم عيسى إلى حد كبير في الموازنة بين الفصاحة والسلاسة، وهو أمر نادر في الرواية التاريخية المعاصرة.

**** الحوار :

-يستحق الحوار بجدارة أن يغرد له فقرة كاملة للإشادة و المراجعة فقد كان الحوار في الرواية يشكّل أحد أعمدتها الأساسية.

- لم يكن وسيلة لملء الفراغات أو تحريك الأحداث فحسب، بل كان أداةً لكشف الشخصيات، وتمرير الأفكار، وبناء التوتر الدرامي.

- وقد اتسمت كثير من الحوارات بطابع مسرحي مشحون، خاصة في المواجهات الكبرى بين شخصيات محورية، حيث يشعر القارئ أحيانًا أنه أمام مناظرة لا مجرد نقاش.

-غير أن بعض الحوارات بدت أقرب إلى لسان معاصر، وكأن الشخصيات التاريخية تعبّر بلغة تفكير هذا العصر، لا عصرها.

- ليبرز تساؤل مشروع:

هل كان هذا التناول أسلوبًا لتقريب الشخصيات من وعي القارئ المعاصر؟ أم وسيلة أفقدتهم سماتهم الفكرية والزمانية؟ أم محاولة لنزع قداسةٍ دينية تُحيط بهم؟

****الحبكة وتسلسل الأحداث:

-الحبكة في "رحلة الدم" تنمو بثبات، لكنها مشحونة منذ البداية بطاقة مأساوية معلَنة، وكأن الرواية تمشي على شفا بركان نعرف جميعًا أنه سينفجر.

- لا مفاجآت كبرى في المصير، فالأحداث التاريخية معروفة مسبقًا، لكنّ الإثارة تولد من طريقة التقديم، ومن إعادة رسم الشخصيات من الداخل، ومن تسليط الضوء على التفاصيل المنسيّة أو المسكوت عنها.

- يبدأ السرد من اللحظة التي تستتبّ فيها الخلافة "لعثمان بن عفّان" رضي الله عنه، ثم ينحدر تدريجيًا عبر التوترات السياسية والقبلية والدينية، حتى يصل إلى اللحظة المروّعة حيث اغتيال الخليفة في بيته.

-تميّزت الحبكة بكثافة المعلومات، وكأن الرواية تريد أن تقول كل شيء، وتكشف كل ورقة دفعة واحدة، مما أضفى على بعض الفصول طابعًا أقرب للتوثيق منه إلى البناء الدرامي.

- الرواية لا تفتقر إلى المشاهد القوية أو الحبكات الفرعية ذات الطابع الإنساني، بل على العكس، هناك لحظات بلغ فيها التوتر ذروته، خاصة مع تطوّر شخصية "عبد الرحمن بن ملجم"، واحتكاكه المتكرر بالشخصيات المركزية.

- يمكن القول إن الحبكة هنا ليست خطًّا مستقيمًا يتصاعد نحو ذروة، بل شبكة من التوترات المتداخلة، توصل جميعها إلى المصير المحتوم، حيث الدم هو الخاتمة الطبيعية لكل ذلك الاحتقان.

--ملاحظات على الحبكة:

رغم ما سبق من قوة البناء وثراء التفاصيل، فإن الرواية لم تَخلُ من مواطن ضعف، أبرزها الإطالة التي أصابت بعض الأجزاء بالترهّل... فقد توقّف خطّ الأحداث الرئيسي أحيانًا، وانشغلت الصفحات بسرد طويل لتفاصيل حربية أو لوجستية، كما حدث في واقعة حصار حصن بابليون، والتي استغرقت أكثر من مئة صفحة دون تقدّم فعلي في سير الحبكة مما أضرّ بإيقاع الرواية، وخلق لحظات من الملل، كانت في غنى عنها

-صحيح أن الرواية تستند إلى وقائع تاريخية، ولكن تَحوُّلها أحيانًا إلى ما يشبه "السرد التقريري المطوّل" جاء على حساب الشق الروائي، وأضعف من اندماج القارئ في لحظات كان من المفترض أن تكون أكثر اشتعالًا.


**** نظرة عامة على منهج الكاتب: "تفخيخ المرويات":

-منذ اللحظات الأولى في رحلة الدم، يظهر التوجّه الفكري الذي يحكم رؤية "إبراهيم عيسى"، وهو توجه لا ينفصل عن خلفيته العلمانية وجرأته المعهودة في طرح المسكوت عنه.

-اعتمد الكاتب على منهج يمكن وصفه بـ"تفخيخ المرويات"؛ أي استخدام المرويات التاريخية كأرضية، مع دسّ الشكوك والأسئلة ضمن السرد، إما بصيغة التلميح، أو من خلال شخصيات الرواية، دون أن يضع نفسه صراحةً موضع المؤرّخ أو المفتي.

-فهو لا ينسف الروايات التقليدية، لكنه يعيد تشكيلها، ويقاربها بلغة تُقرّب الشخصيات التاريخية من القارئ المعاصر، وتُخرِجهم من عباءة القداسة إلى دائرة الاجتهاد والخطأ والصراع الإنساني.

- لعل أخطر ما في هذا المنهج، أنه لا يُقدَّم في صورة صدامية فجة، بل يُغلف غالبًا بسياق درامي مشوّق، أو بعبارات تبدو للوهلة الأولى بريئة، لكنها تُلقي بحمولة فكرية ثقيلة، تتسلّل بسلاسة إلى وعي القارئ.

- هنا تكمن الحاجة الملحّة إلى قارئ منتبه، لا يقرأ بعين الانبهار، بل بعين التفكيك والتمحيص، لأن الألغام الفكرية في هذا العمل لا تنفجر بصوت عالٍ، بل تنزلق بهدوء إلى مناطق حسّاسة في الذاكرة الدينية والوجدانية.

-وقد تمثّل هذا المنهج في مواضع عدّة، من أبرزها:

١- تقديم بعض الصحابة بصفتهم أصحاب مصالح وصراعات شخصية، وليسوا رموزًا فوق التاريخ.

٢-تكرار وصف الخليفة "عثمان" بالضعف والعجز، من خلال أكثر من شخصية، مما يوحي بأنها حقيقة لا مجرد رأي.

٣- استخدام بعض الأحداث الهامشية لإعادة تفسير المواقف الكبرى، دون الإشارة إلى الخلاف حول صحتها أو تأويلها.

٤-تقليص البعد الإيماني في بعض القرارات المفصلية، مقابل تضخيم البعد السياسي أو النفسي.

**** مآخذ على أحداث الرواية و تفكيك افخاخها :

١- إرسال "عبد الرحمن بن ملجم" إلى مصر بوصية من "عمر بن الخطاب " لتعليم الناس:

تقديم "عبد الرحمن بن ملجم" في صورة العالم والداعية، وليس القاتل المتطرف الذي نعرفه تاريخيًا.

المعلومة و إن كانت شائعة في كتب التراث، لكنها تمنحه نوع من العمق والنية الصالحة قبل تحوله الدرامي، مما قد يُفهم كمحاولة لإضفاء شرعية لاحقة على سلوكه.

٢- شخصية "عبد الرحمن بن عديس" كرمز للرفض المسلح للسلطة الجديدة:

في كتب التراث "ابن عديس" شخصية هامشية... لكن الرواية جعلته رمزًا للمقاومة ضد "الاحتلال "، وده بيخدم وجهة نظر بتشوف أن الفتح الإسلامي لمصر لم يكن تحريرًا، بل غزوًا عسكريًا.

٣- تصوير "عمرو بن العاص" كسياسي انتهازي بامتياز:

- الكاتب يقدّم "عمرو بن العاص" على إنه لاعب سياسي ماكر لأقصى درجة، أشبه بشخصيات "ميكيافيلية". رغم إن فيه إشارات تاريخية لمهارته، لكن التصوير في الرواية بيضخم ده بشكل يبدو فيه تحامل غير محايد.

٤- طرح فتح مصر كاحتلال اقتصادي لا يحمل بعدًا دينيًا:

في الرواية، الفتح ليس له أي بعد تبشيري أو دعوي، بل يُقدَّم كمشروع اقتصادي سياسي هدفه التوسع والنفوذ. وهذا يتعارض تمامًا مع الخطاب الديني التقليدي عن الفتح الإسلامي.

٥- تسليط الضوء على الخلافات بين الصحابة بمنتهى الصراحة:

الرواية مش بتتجنب عرض الصراعات، بل بالعكس، بتقدمها في صورة درامية حادة، مما قد يُشعر القارئ بعدم الراحة، خاصة لو داخل القراءة بصورة مثالية عن تلك المرحلة.

٦- زواج "عاتكة" من "عمر بن الخطاب" بعد تعهدها "لعبد الله بن أبي بكر" بعدم الزواج من بعده :

- نموذج لفكرة السم في العسل فمشهد الزواج حقيقي تاريخيا و لكن العهد بعدم الزواج هو المبني على روايات غير راسخة، و يُستخدم لتصوير علاقات شخصية معقّدة بين أبناء وأرامل الصحابة.

٧- قصة "مارية القبطية" وأمر النبي ل"علي" بقتل ابن عمها:

الرواية دي ضعيفة السند في كتب التاريخ، لكن تم تقديمها في الرواية كأنها حقيقة مؤكدة، مما يعكس طرحًا قد يُسيء فهمه، ويمس صورة النبي ﷺ.

كما أنها إقحام لقصة ليس لها محل من الإعراب في موضوع الرواية.

٨- أسر "عمرو بن العاص" وخروجه بالمبارزة الفردية:

المشهد أقرب للأساطير البطولة الشعبية منه للوقائع التاريخية، ولا يوجد أي مصدر موثق يذكر هذا الحدث، مما يُضعف مصداقيته التاريخية.

٩- قراءة آية الحج بطريقتين في مشهد بين "ابن ملجم" وصحابي آخر:

المشهد بيقلل من قداسة الفهم الصحابي للنص القرآني، وبيعرضه كخاضع للتأويل المتنوع، وده توجه تأويلي معاصر أكثر منه سرد تاريخي.

١٠- أخذ "عمر بن الخطاب" نصف مال "عمرو بن العاص":

رغم وجود أصل تاريخي للواقعة، إلا أن الرواية بتعيد تقديمها بشكل يوحي بنوع من الشك أو الريبة في نوايا "عمر" وعدالته، وهو ما قد يثير استغراب بعض القرّاء.

١١- المشاهد الجنسية بين "عبيد الليثي بن أم كلاب" مع "حُبي"، "ونائلة" مع "عثمان":

المشاهد اتقدمت بشكل صريحما يجعلها تقابَل بتحفظ شديد من القراء بسبب ما تحمله من خرق للتصورات المحافظة عن تلك الشخصيات.

١٢- الخلاف بين "عثمان" "وعمار بن ياسر" وضربه:

واقعة معروفة تاريخيًا، لكن تصويرها بتفاصيل عنيفة ومهينة يضخم الصدام، ويدفع القارئ نحو رؤية "عثمان" في موقع المتّهم دائمًا.

١٣- الخلاف بين "أبي ذر الغفاري" "وعثمان" ونفيه:

رُوي عن نفي "أبي ذر" إلى "الربذة"، لكن الرواية أعادت إنتاجها بلغة توحي بالتنكيل والعقوبة القاسية، وكأنها فصل من محاكم التفتيش.

١٤- إهداء "عثمان" عقدًا من بيت المال إلى "نائلة":

- استخدام الواقعة كرمز لاستغلال المال العام، في مشهد بيظهر فيه عثمان كأنه يُفرّق الهدايا من خزينة الدولة، وهذا يخدم طرح نقدي حاد ضده.... رغم ثراء عثمان بن عفان و قابلية أن يكون هذا العقد إن صحت الواقعة تم شراؤه.

١٥- الإشارة إلى أن "عثمان" ليس من البدريين:

التلميح ده قد يمرّ عابرًا لقارئ عادي، لكنه يُفهم لدى المتمرس كتشكيك ضمني في مكانته الدينية، بما أن غزوة بدر كانت معيارًا للفضل عند الصحابة.

١٦- طلاق ذات النطاقين من "الزبير بن العوام" وضربه لها:

واقعة قد تُحدث صدمة عند البعض، كونها تمس علاقة ابنة "أبي بكر" بأحد العشرة المبشرين بالجنة. والطرح يوحي بعنف أسري لا يتماشى مع التصور الوردي للعصر.

١٧- "عبد الله بن مسعود" يرمي مفاتيح بيت المال اعتراضًا على إقراض "مروان بن الحكم":

الحدث بيدعم صورة الصحابي المعارض للسلطة الفاسدة، لكنه بيُستخدم في الرواية كدليل على أن بيت المال كان يُدار وكأنه حساب شخصي.

١٨- علاقة "عثمان" "بمروان بن الحكم" الطريد:

الرواية تركز على "مروان" كمصدر نفوذ سلبي، وتُظهره كوكيل للفساد داخل الدولة، رغم أنه لا يُذكر بهذا السوء في كل مصادر التاريخ و إن كان لا يعفي مروان من مسئوليته تجاه تلك الفتنة.

١٩-وصف السيدة عائشة لعثمان بـ"نعثل":

رغم وروده في بعض الروايات، إلا أن توظيفه في الرواية بشكل مباشر دون تعليق أو تحفظ يترك القارئ مع تصور مهين للخليفة، ويثير تساؤلات حول التزام السيدة عائشة بنهي القرآن عن التنابز بالألقاب.

كما أن الخلاف على معنى تلك الكلمة و هل هي كما جزم بها الكاتب على اسم يهودي في المدينة بالرغم من التخلص من جميع اليهود في عهد الرسول و عمر بن الخطاب رضي الله عنه أم أن لها معنى سئ آخر!!!

٢٠- "عبد الرحمن بن عوف" يريد الخلافة "لعثمان" عن هوى شخصي:

يُطرح الأمر كأنه مدفوع باعتبارات خاصة، مما يُضعف صورة عبد الرحمن كحَكم نزيه في اختيار الخليفة، ويقوّض حيادية الشورى دون دليل.

٢١- تهديد "عبد الرحمن بن عوف" بتقويم حكم "عثمان" بالسيف وهو على فراش الموت:

رغم كونه من المبشرين بالجنة، إلا أن الرواية تُصوّره هنا كأنه فقد الأمل تمامًا في إصلاح الدولة، وكأن عهد "عثمان" كان انحرافًا كاملاً عن الإسلام الأول دون دليل أيضاً.

٢٢- قول "محمد بن أبي حذيفة" ل"عثمان": "أضعت سنة نبيك كما أضعت خاتمه":

-العبارة دي مش بس اتهام مباشر لعثمان بتضييع سنّة النبي، لكنها محمّلة برمزية مؤلمة، خاصة إنها صادرة من شخص تربّى في بيته بعد استشهاد والده. المشهد بيجسّد قمة الانفجار العاطفي والسياسي، وبيعكس حالة التمرّد اللي وصلت حتى إلى أهل بيت الخليفة.

-الجزء الثاني من الجملة – "كما أضعت خاتمه" – بيحمل دلالة ثقيلة. ممكن يتفهم كمجاز عن فشل "عثمان" في حفظ إرث النبوة، أو حتى كإشارة للإهمال في صيانة الرموز المقدسة، وده يُعد تقويض ديني ورمزي للخلافة.

- تاريخيًا، فالواقعة وردت في بعض المصادر زي "الطبري" "وابن عبد الحكم"، لكن تظل غير مؤكدة، وتفتقر لإجماع بين المؤرخين، مما يجعلها محل تأويل لا يُحسم بسهولة.

٢٣- حوار "عائشة" مع "نائلة" عن حياتها الزوجية مع النبي، وذكر أنها كانت تأتزر في الحيض ويجامعها:

المشهد ده بيثير حساسية عالية لأنه بيخرج حديثًا نبويًا صحيحًا عن سياقه، ويضعه داخل حوار شخصي غير منطقي بين زوجتين؛ واحدة لنبي والأخرى لخليفة. إقحام السيدة "عائشة" في هذا النوع من الحديث الحميمي – وكأنها تحكي أسرار غرفة النوم "لنائلة" – بيخالف ما هو معروف عن حيائها ووقارها.

- الحديث في ذاته له طابع تعليمي شرعي بحت، الهدف منه توضيح حدود العلاقة أثناء الحيض، وليس حكاية تروى في جلسة نسائية. التوظيف داخل الرواية جعله يبدو وكأنه نوع من المكاشفة النسوية أو تبادل الخبرات الزوجية، وده أمر غير ملائم من الناحية الدينية ولا السياقية.

-أما على مستوى التفسير القرآني، فالآية "فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ" [البقرة: 222] فهمها العلماء بمعنى "لا تقربوهن بالجماع"، لكن إبراز الحديث خارج سياقه بيجعل القارئ يشعر بتناقض مربك، وقد يُسهم في إثارة شبهات بلا داعٍ.

-الإشكال الحقيقي هنا مش في الحديث، بل في طريقة تقديمه داخل الرواية، واللي بتفتح باب التأويلات الخاطئة، وبتخلّي لحظة تعليمية تتحول إلى أداة لاستفزاز القارئ أو كسر التوقير المرتبط بأمهات المؤمنين.

٢٤- تولية "الوليد بن عقبة" الكوفة واقتراضه من بيت المال دون رد:

المشهد يُبرز قرار الخليفة عثمان بن عفان بتولية "الوليد بن عقبة" على الكوفة، مع ذكر اتهامات له بالشرب واقتراض المال من بيت المال دون رد.

-هذه الواقعة تُستخدم في الرواية كرمز لتدهور معايير التعيين في المناصب، وتغليب الروابط العائلية على الكفاءة والنزاهة. تولية الوليد، الذي طُعن في عدالته سابقًا (حتى في عهد النبي في قصة "إن جاءكم فاسق بنبأ...")، واتهامه لاحقًا بالسكر في الصلاة، تُبرز أزمة ثقة داخل الدولة الإسلامية.

٢٦- قول "عثمان" ل"ابن مسعود": "لقد قدم عليكم دويبة سوء تأكل القيء من الطريق"

-إهانة شخصية "عبد الله بن مسعود" من الخليفة "عثمان" تُظهر عمق الخلافات بين الصحابة وتضيف بعدًا دراميًا للصراع. قد تُفهم هذه العبارة على أنها تشويه لسمعة ابن مسعود.

-لا توجد روايات موثوقة في المصادر التاريخية تؤكد هذه العبارة، مما يشير إلى احتمال أنها إضافة روائية أو تخيلية لتصعيد الصراع، ولا يُعرف عن "عثمان" أنه صدّر كلامًا مهينًا "لابن مسعود" بهذا الشكل.

٢٦-التراشق اللفظي بين الصحابة حيث مناداة "أبي السرح" بالمرتد، وسعد بـ"ابن حمنة":

- الجدل: يعكس هذا التراشق مستوى من الانحدار في لغة الخطاب بين الصحابة، مما يضعف الصورة التقليدية للإجلال والاحترام الممنوحة لهم في الوعي الإسلامي.

- الرد التاريخي: الخلافات الكلامية بين الصحابة معروفة تاريخيًا، لكنها كانت غالبًا ضمن حدود الاحترام، وهذه الألفاظ قد تكون مبالغًا فيها أو تم تصويرها بأسلوب درامي لتعميق الصراع، وليس هناك تأكيد قوي على مثل هذا الانحدار في المصادر التقليدية.

٢٧- اعتداء أنصار "محمد بن أبي حذيفة" على "سعد بن أبي وقاص" عند محاولته الصلح في مصر:

- الجدل: يُظهر هذا الحدث هشاشة الوضع الأمني وعدم الاستقرار، ورفض بعض الفئات الثائرة لفكرة الصلح مع الخصوم، مما يعكس تصدعًا داخليًا داخل المعسكر الإسلامي.

- الرد التاريخي: الأحداث الأمنية والفوضى التي واكبت الفتنة الكبرى مدونة في المصادر، لكن التفاصيل الدقيقة للاعتداءات تبقى غير مؤكدة أو تختلف الروايات فيها، مما يعني أن الرواية قد تسلط الضوء على جانب معين من الفوضى لا يمكن تأكيده بشكل قاطع.

٢٨- إعطاء "عثمان" ل"أبي حذيفة" ثلاثين ألف دينار عبر "ابن أبي السرح":

-الجدل: المبلغ الضخم وطريقة التعامل عن طريق شخصية مثيرة للجدل تثير شبهة المحاباة أو سوء إدارة بيت المال، وتعزز الانتقادات الموجهة لعثمان حول المحسوبية المالية.

-الرد التاريخي: لا توجد مصادر تاريخية موثوقة توثق هذه الصفقة بالتفصيل، وغالبًا ما تُستخدم هذه الروايات في نقد عهد "عثمان"، لكنها تبقى محل نقاش وتحتاج إلى تدقيق أكثر في المصادر الأولية.

٢٩- حلق "عبد الله بن أبي السرح" شعر ولحية "عبد الرحمن بن عديس" بعد القبض عليه:

- الجدل: المشهد يحمل طابعًا دراميًا شديد الإذلال، ويُستخدم لتصوير الانتقام الشخصي والإهانة العلنية.

- الرد التاريخي: لا توجد مصادر تاريخية موثوقة مثل الطبري أو ابن كثير أو البلاذري تذكر هذا الفعل تحديدًا. - - "عبد الرحمن بن عديس" معروف بقيادته للثورة وهروبه ثم مقتله في ظروف غامضة.

٣٠- انضمام "عمرو بن الحمق" ضد "عثمان" دون دافع مقنع

-الجدل: تُظهر الرواية انضمام "عمرو بن الحمق" للمعارضة ضد "عثمان" كنتيجة لتكفير فجائي بسبب سحر أو فتنة، بدون تقديم خلفية نفسية أو اجتماعية واضحة، مما يضعف البناء الدرامي ويجعل التصرف يبدو مصطنعًا.

-الرد التاريخي: بعض المصادر تذكر معارضة "عمرو بن الحمق" للخلافة على أساس مظالم حقيقية وتفاعلات سياسية واجتماعية معقدة، وليست فقط بسبب أسباب غيبية أو تخيلات درامية.

٣١- دفن "عثمان بن عفان" في مقابر اليهود:

-الجدل: يصور الكاتب أن "عثمان" لم يُدفن في مقابر المسلمين، بل في "حش كوكب" الذي يُعتبر جزءًا من مقابر اليهود، على يد "نعثل" ودون صلاة أو جنازة لائقة، مما يضفي طابعًا دراميًا يشير إلى منبوذيته حتى بعد مماته، وهو تصوير صادم بالنظر إلى مكانة عثمان كخليفة وثالث الخلفاء الراشدين.

-الرد التاريخي: توجد روايات تاريخية متعددة حول مكان دفن عثمان؛ بعضها يذكر دفنه في "حش كوكب" لأن الحصار منعه من الدفن بالبقيع مباشرة، وحش كوكب دخل ضمن مقابر البقيع لاحقًا. أما تصوير الدفن دون صلاة أو على يد "نعثل" فهو أقرب إلى رمزية درامية لا تدعمه مصادر تاريخية موثوقة.

٣٢-استباحة جسد عثمان بعد مقتله:

-الكاتب يصور مقتل "عثمان" بطريقة صادمة، حيث يُطعن وهو يقرأ المصحف، ثم يُجهز عليه "عمرو بن الحمق" بتسع طعنات قائلاً: "ثلاث لله وست لما في صدري". المشهد يحمل رمزية قاسية للحقد والانتقام، ويغذي صورة شيطانية لخصوم "عثمان".

-الرواية وردت في الطبري وبعض المصادر، ما جعل الكاتب يوظف المشهد دراميًا بشكل فج، مما يضخم من فظاعة القتل ويحول خصوم "عثمان" إلى وحوش، دون تفسير نفسي لتحولهم أو سياق إنساني للمشهد.

٣٣- الاختفاء الغامض لبني أمية أثناء حصار "عثمان"، ونجاة "مروان بن الحكم" وحده:

-الجدل: تُوظَّف الواقعة لإبراز غياب بني أمية عن الدفاع عن "عثمان"، وكأنهم تخلوا عنه في لحظة حاسمة، فيما يظهر "مروان بن الحكم" وحده بشكل استثنائي ثم يختفي. الطرح يُلمّح إلى خذلان داخلي متعمد أو ترتيب خفي للسلطة بعد السقوط.

- تاريخيًا: المصادر التاريخية لا تسجل موقفًا موحدًا لبني أمية في الحصار، بل تذكر مواقف فردية متفرقة.

٣٤- ترك جثمان "عثمان بن عفان" في بيته ثلاثة أيام دون دفن:

- الجدل: يُصور المشهد كدليل على بلوغ الفوضى ذروتها، حيث يُترك جسد الخليفة دون دفن، مع غياب أي تدخل من الصحابة الكبار، ما يلمّح إلى تخلي جماعي أو تقاعس مقصود.

- تاريخيًا: ورد في بعض المصادر أن الجثمان تأخر دفنه بسبب الحصار والفوضى، لكن مدة الثلاثة أيام والتخلي الكامل غير مثبتين بشكل قاطع.

- ملاحظة نقدية: يوظف الكاتب الحادثة لخلق مشهد صادم يُجسد عزلة عثمان التامة، ويُحمّل الجميع مسؤولية معنوية عن نهايته المأساوية.

٣٥- معركة ذات الصواري لصرف الأنظار عن الفتنة الكبرى:

- الجدل: الكاتب يُصر على أن معركة "ذات الصواري" كانت محاولة لتشتيت انتباه المسلمين عن الفتنة الداخلية، مع التركيز على أن الهدف كان صرف الانتباه بدلًا من الهدف العسكري الحقيقي.

كما يشير إلى حنق البعض بسبب نقص الغنائم، وكأن الغنائم كانت الدافع الأساسي للخروج للمعركة.

- تاريخيًا: في الواقع، كان هناك تهديد رومي حقيقي في البحر المتوسط، بدليل وجود أسطول قوامه نحو ألف سفينة. لذا المعركة كانت جزءًا من الصراع العسكري المستمر، وليست فقط تحايلًا على الفتنة.

غياب الغنائم يُفهم في سياق الصراعات البحرية المختلفة وليس دلالة على فشل سياسي أو دافع سلبي.

٣٦- زواج "محمد بن أبي بكر" من "عاتكة بنت زيد"، طليقة "الزبير بن العوام":

-الجدل: الكاتب أشار إلى أن الزواج تمّ في فترة قريبة قبل انتهاء عدة "عاتكة"، ما يوحي بإشكال شرعي، خصوصًا أنه ذُكر أنه تم خطبتها أثناء العدة، وهو مما نهى عنه الشرع.

كما تضمّنت الرواية تلميحات صريحة عن العلاقة الحميمية بين الزوجين بشكل لغوي مستفز وغير لائق بسياق الحديث عن صحابة رسول الله.

- تاريخيًا: الزواج وارد في بعض المصادر، لكن لا توجد تفاصيل دقيقة عن توقيت الخطبة أو ما يشير إلى وجود مخالفة شرعية واضحة.

الطريقة التي صيغت بها الواقعة تخدم البُعد الدرامي وتستفز مشاعر القارئ، وتلقي بظلال من التهوين على مكانة شخصيات تاريخية لها وزنها.

في الوقت نفسه، إذا ثبتت الواقعة بزواج مشروع بعد انتهاء العدة، فلا إشكال فيها شرعًا.

**** إجمالًا نحن أمام رواية صادمة تتناول مرحلة حرجة من التاريخ الإسلامي، صِيغَت بلغة فصيحة مدهشة، وحوارات نابضة بالحياة، لعلها من أجمل ما في العمل... أما السرد، فقد تذبذب بين لحظات من الذروة المشوقة وأخرى من التباطؤ الممل، وكأن الكاتب يتنقّل بين دفعات الإلهام وتفاصيل التوثيق.

ورغم ما في الرواية من تكسير واضح للتابوهات، فإنها مليئة بالمعلومات، وتسلّط الضوء على زوايا مهملة من التاريخ، زاوية جريئة، لا يمكن إنكار أهمية النظر منها—لكن بحذر.

-هو عمل "مفخخ" فكريًا، يتسلل إلى مناطق حساسة في الوعي والذاكرة، ويقدّم محتواه بأسلوب ممتع لكنه يتطلب قارئًا ناقدًا، لا يبتلع كل ما يُقدَّم له دون فحص وتمحيص.

-"رحلة الدم" كانت بالفعل رحلة شاقة، دسمة، ومستفزة فكريًا… لكنها أيضًا، وبلا شك، لا تخلو من المتعة.

رحلة الدم

Ahmed Aboelhag 18 يوليو 2025

( تقييمي للكتاب
  )

نظرية الفستق

Ahmed Aboelhag 28 سبتمبر 2024

( تقييمي للكتاب
  )

القرآن نسخة شخصية

Ahmed Aboelhag 09 مايو 2024

( تقييمي للكتاب
  )

أنتيخريستوس

Ahmed Aboelhag 11 يونيو 2023

( تقييمي للكتاب
  )

**** "انتيخريستوس" للكاتب "أحمد خالد مصطفى " أول أعماله و التى اقتحم بها (عالم الماورائيات) من أوسع أبوابه و كانت من أوائل ما قرأت فى هذا المجال قبل أن أصبح عاشقاً لهذا النوع من الكتابات.

* بدايةً عندما أقوم بتقييم عمل أدبي ما يكون بناءاً على مقارنة مع من على شاكلته.. و لكن هذا الكاتب مختلف فهو متفَرِّد فى هذا المجال لا يباريه أحد من الكُتَّاب العرب.. بالطبع سبقه من الأجانب الكثير مثل المبدع "دان براون" و "وليام كار".

*** قراء هذا النوع من الكتب يجب عليهم تنحية كل أفكارهم و معتقداتهم جانباً و الغوص فى أفكار الكاتب حتى النهاية؛ مع الاستعداد لتغيير أفكارك بما يتوافق مع مدى قناعتك بما قدمه الكاتب من استدلالات على ما قاله و ليس العكس

و قبل قراءة هذا الكتاب يجب أن تكون مؤمناً بنظرية المؤامرة و وجود جهات خفية تحكم العالم فى الخفاء و إلا فلا تحاول قراءة هذا الكتاب؛ و ليس معنى هذا أن كل ما ورد بالكتاب صحيح بل هناك مزج بين الحقيقة و الخيال.

**** التصنيف :

- أرادها الكاتب رواية و لكنها لا تخضع لمعايير الرواية الأدبية من حبكة و حوار و نهاية و لكن الكاتب فضَّلَ تصنيفها كرواية للهروب من المُسَائلَة التاريخية للوقائع المذكورة

- لذا أصنفها ككتاب يَنظُر للتاريخ و وقائعه من جهة جديدة.. جهة المؤامرة على غِرار "أحجار على رقعة الشطرنج" و أعمال "دان براون" عامةً و قام الكاتب بسردها بطريقة أدبية بديعة شيقة سلسة روائية



**** السرد و اللغة :

- لغة سلِسة و أفكار مُتَرابطة وبالرغم من تَشَعُّب الحكايات و القصص و طول الفترة الزمنية التى طالتها تلك القصص إلا أن الكاتب تَمكَّنَ من الإمساك بزمام الأمور و التحكم فى أفكاره و نسجها بطريقة شيطانية ماكرة لجعلها تخدم نظرية المؤامرة

- أسلوب سردي احترافي مُشَوِّق فى ظاهِره الغموض و لكن مع التمعن و الغوص فى أعماق الكتاب تجده مبسطاً جداً فهو عبارة عن ثلاثة عشر حكاية و قصة تُحكَى على لسان بطل الأحداث "بوبي فرانك" أو أحد الشياطين السبعة.

- استعان الكاتب بأدوات الغموض اللازمة و أهمها أوراق الايلوميناتي "أوراق النظام العالمي الجديد "و استخدم هنا ثلاثة و سبعين (٧٣) ورقة مقسمة حسب القصة الموردة.

-ربط الكاتب الماضي بالمستقبل برحلة عبر الزمن للمرور على أهم الأحداث التى غيَّرَت مسار الأمم فبدأ بالنمرود و انتهى بعصر الإنترنت.

- أفضل ما فى السرد هو إجلاء الغموض و الدهشة التى تكتنف القصة فى آخرها عند شرح مصادر أفكاره.

**** الشخصيات :

١- "بوبي فرانك" الفتى التائب الذى وصل إلى المرتبة الحادية و العشرين في الدرجات الماسونية و تم تصفيته في حادثة حقيقية و استخدمها الكاتب كبداية نارية لرواية صادمة.

٢-الشياطين السبعة :قام الكاتب بحرفية بنثرهم بين دَفَّتي الكتاب لزيادة جرعة التشويق و هم كالآتي :

أ- لوسيفر : إبليس ظهر كمعلم للنمرود.

ب- سيربنت :شيطان الإغواء و التضليل.

ج- بافوميت :شيطان السحر و ظهر فى أجزاء سحر هاروت و ماروت و فرسان الهيكل.

د- دراكولا : الوحيد من الإنس!! و لا أفهم سر وضعه مع الشياطين إلا أنه اضطرار لتكملة العدد.

ه-ماستيم :شيطان اليهود و ظهر فى أجزاء ظهور إسرائيل.

و- سباي :شيطانة الإنترنت و التكنولوجيا و اشْتُقَّ منها لفظة "spy" أي تجسس و هى الجساسة.

ز- أنتيخريستوس :المسيخ الدجال الذى يتم التمهيد لظهوره من قِبَل الماسونية و المنظمات الخفية الأخرى فى آخر الزمان.

****** نظرة عامة على الكتاب :

- البداية قوية صادمة بل لِنَقُل مرعبة حيث تتوافر بها كل مقومات الرعب من انتظار للقتل و وجود الشياطين و الغموض الذي يكتنف لعبة "الايلوميناتي".. تلك الأوراق التى كنت متشوقاً لرؤيتها أثناء قراءة الرواية و بحثت عنها كثيراً

- راقتني نصيحة الكاتب بقراءة الكتاب على ثلاث عشرة مرة فهى تحوي ثلاث عشرة قصة مختلفة فى نسيجها الخاص و لكنها مرتبطة ببعضها البعض حيث تصل بنا إلى من يحكم العالم!

- بالطبع ليس كل ما يُقَال صحيح و لكنه اجتهاد و سأذكر ملاحظاتي على كل فصل على حِدة كما سيلي ذكره:

أولاً : أمير النور يوم خلق النور :

- قصة خيالية أسطورية إلى حدٍ كبير عن حياة النمرود و مقابلته بلوسيفر و زواجه من "سميراميس" مع مزجها بحقيقة لقائه مع "إبراهيم" عليه السلام و نهايته المعروفة بالبعوضة.

- ملاحظات :

١- مُعضلة الكتاب و كتابات "أحمد خالد مصطفى " عموماً هى صعوبة البدايات فاللغة بَدَت جافة؛ و السرد مُمل إلى حدٍ كبير.

٢- جعل "النمرود" ابناً "لكوش" الفارسي ليس عليه دليل بل هناك من يزعم أن "كوش" هو ذو القرنين فكيف يكون أباً للنمرود.. الأدلة التى استعان بها واهية ما جعل القصة أسطورية.

٣- "سميراميس" هى تمثال الحرية و هى من بَنَت حدائق بابل المعلقة.

٤- "كاوي" الحداد هو من قتَل "النمرود" و يوجد تمثاله في إيران و الكهف الذى هلك فيه النمرود.

ثانيا : اهبطي يا أنانا :

- على نفس النمط السابق قصة جديدة عن ظهور السحر فى "بابل" مع مزجها بقصة "هاروت و ماروت" و تعليمهم الناس السحر و محاولة السحرة إغوائهما بأنانا أو فينوس _افروديت _الزهرة _اللات عند العرب.

- ملاحظات :

١-رغم منطقية تكذيب قصة ادعاء مجادلة الملائكة لله _سبحانه وتعالى_ و ظهور الملكين "هاروت و ماروت" على أثرها إلا أن هذا ليس بدليل على قصته المزعومة.

٢-لم يُظهر الكاتب من أين استقى نظرية أن افروديت أو فينوس هى اللات عند العرب.

ثالثا :تسعة أعطيناهم النور :

- قصة من أهم الحكايات فهى تتحدث عن نواة الماسونية و نشأة "فرسان الهيكل" ممزوجة بقصة سليمان عليه السلام.

القصة اكثر نصجا و اقوي سردا من سابقاتها و كانت على لسان بافوميت شيطان السحر

- هى قصة نشأة فرسان الهيكل على يد تسعة فرسان وفدوا إلى فلسطين بهدف حماية الحجاج المسيحيين، لكن هدفهم الحقيقى كان غير هذا كان يريدون العثور على كتب السحر الأسود، والتى دفنها السحرة قديماً تحت الحرم القدسي.... حتى صاروا أقوى و أغنى منظمة ثم انهيارها بإعدام معظمهم و هروب البقية إلى "اسكتلندا" و صعودهم مرة أخرى باسم الماسونية و مشتقاتها.

رابعا :أفخر انواع السموم :

- أطول الرحلات الزمنية و التى تعدت الألف وخمسمائة عام عبر الثلاث أديان السماوية؛ و كانت على لسان "سيربنت" شيطان الإغواء.. تتحدث عن بث سموم التحريف العقائدية فى الديانات السماوية فتم تحريف اليهودية بالتلمود الملعون و الإنجيل تم تحريفه على يد "بولس" شاؤل سابقاً ثم يتحدث عن عصر الفتن فى الإسلام.

- ملاحظات :

١- بالرغم من جرأة الكاتب المعهودة إلا أنه مر على عه الفتنة الكبرى فى عهد "عثمان بن عفان" و "علي بن أبى طالب" بخوف و تأني فلم يستفض فيها و اكتفى مثل الكثيرين بالإشارة إلى أن السبب الوحيد هو عبد الله بن سبأ "ابن السوداء "و لكن الفتنة أعمق من هذا بكثير و لا زلنا نعاني منها حتى الآن و لا أعلم أكان هذا عن خوفٍ منه أو عدم اطلاع على المصادر الكافية.

٢-دفاعه الغير المبرر عن "يزيد بن معاوية" و نفيه لقتله الحسين و هو من قَتل آل البيت و ليس الحسين فقط بل و حدثت فى عهده مذبحة الصحابة بالمدينة.

٣-استعانة الكاتب لنصوص مقززة من التلمود أو من التحريف الذى ظهر فى إنجيل بولس لم أستسغها و كنت أُفضِّل عدم وجودها.

خامسا فارس من عليين :

- قصة مبسطة و موجزة عن تاريخ جماعة الحشاشين.. تلك الجماعة الانتحارية المنبثقة عن الشيعة.

- استخدم الكاتب السرد على لسان أحد المخدوعين من أعضاء الجماعة.

سادسا : اقرأ يا دراكولا :

- قصة الصراع بين "الدولة العثمانية" ممثلة فى "محمد الفاتح" ضد "والاكيا" ممثلة فى "دراكولا".

- حاول الكاتب إقحامها بسلسلة الماسونية و المؤامرة بزعم أن "دراكولا" كان عضو فى جماعة منبثقة من فرسان الهيكل "التنين " التى تحولت فيما بعد إلى الماسونية.

سابعا : ويرو _ كوموكو :

- هى أهم و أدق قصة و تحتاج لكثير من التركيز و التمعن لأنها تحكي عن نشأة الولايات المتحدة الأمريكية بأيدي ماسونية.

- طريقة السرد عبقرية و مبتكَرة حيث نشأة الولايات المتحدة على جثث الهنود الحمر برواية الهنود الحمر "و هى الصادقة "و رواية الاوروبيين الاستعماريين "و هى الكاذبة.".

-معلومات قَيمة و مجهود يُحسَب للكاتب عن الثورة الأمريكية و استقلالها عن بريطانيا و وضع الدستور الأمريكي بتوقيع ١٩ عضو ماسوني من أصل ٤٠ عضواً.

- تضمنت الحكاية بعض الإشارات لوجود الماسونية و سيطرتها على الميديا كأوراق الايلوميناتي و فيلم علاء الدين و غيرهم.

ثامنا :فيلم أخرجه الشيطان:

- يتحدث هنا الكاتب بشكل سينمائي على لسان "سيربنت" عن موضوع شائك و لا يقل أهمية عن نشأة الولايات المتحدة و هو سيطرة اليهود على أوروبا كما يلي :

١- بريطانيا :التخلص من الملك تشارلز و إعلان الجمهورية ثم استبدال العائلة الملكية بأخرى يهودية من أصل هولندي على يد "ويليام بن مناسح بن إسرائيل" ثم إغراق بريطانيا فى الديون و على أثرها إنشاء البنك البريطاني.

٢-فرنسا : إعدام الملك "لويس" و زوجته "ماري انطوانيت" باسم الثورة الفرنسية بخيانة "دورليان" كملك مستقبلي و "ميرابو" كخطيب مُفوَّه ثم قتلهما بعد أن أديا دورهما و على أثر الثورة تمت السيطرة اقتصادياً بنفس النمط السابق.

٣- روتشيلد أغنى أغنياء الأرض و قصة صعوده من ألمانيا إلى السيطرة على العالم مع عائلته من خلال البنك الدولي.

- ملاحظات :

عند الإشارة إلى المحفل الماسوني فى الغابة البوهيمية كتب الكاتب طقس مسرحي به من الكفر و الإلحاد من أهل الخسة ما يُنَفر القارئ من قراءته بل و الخوف منه و هو ما لم أكن أراه ضرورياً.

تاسعاً: يا حكماء صهيون :

- هى ليست بحكاية بل محاضرة مُسربة "لتيودور هرتزل" بإحدى المحافل الماسونية و التى على أثرها تم فضح بروتوكولات حكماء صهيون فى روسيا ثم انتشرت فى العالم كله.

- تحدث الكاتب عن دور اليهود فى الثورة الروسية و تحويلها من قيصرية إلى شيوعية.

عاشراً :اليهود و الدولة العثمانية :

- حكاية مهمة على لسان "ماستيم" شيطان اليهود عن سيطرتهم على مفاصل الدولة العثمانية فى عهد "سليمان القانوني" بفضل "روكسلانا" ثم فى عهد ابنه "سليم" عن طريق "راشيل".

- نشأة (يهود الدونمة) و تمركزهم فى "سالونيكا" على يد محمد أفندي أو ساباتاي و تحكمهم فى الدولة العثمانية.

- التخلص من (عبد الحميد الثاني) بعد رفضه لإعطاء فلسطين لليهود عن طريق جماعة الاتحاد و الترقي على يد أتاتورك.

- ملاحظات :

لم يعجبني محاولة غسل يد العثمانيين مما حدث من اليهود بزعم تعرض سليمان القانوني للسحر من روكسلانا و هو غير منطقي بالطبع.

إحدى عشراً :دماء على أرض الميعاد :

- نشأة الصهيونية من رحم البروتستانتية التى حكمت أمريكا؛ كما تحدث عن نشأة الكيان الإسرائيلي بدايةً من تهجير اليهود من العالم مرورا باتفاقية سايكس _بيكو و وعد بلفور و دور الخونة العرب مثل الشريف حسين فى هذا و انتهاءًا بنشأة الأمم المتحدة و الجامعة العربية لتمرير القرارات التى تخدم الكيان الإسرائيلي حتى آلت اليه الأحوال إلى ما وصلنا إليه الآن.

- جزء صادم و لكنه هام جداً لتذكرة المسلمين و العرب بما وصلنا إليه.

اثني عشراً :ألم يئن الأوان يا سيدي :

- على لسان "سباي" يتحدث عن حروب الجيل الرابع و الخامس للسيطرة على العالم حالياً من خلال التكنولوجيا و النت و الموبايل و هو ما حدث فعلاً و هى جزء من المؤامرة الماسونية للتمهيد لخروج المسيخ الدجال.

ثلاثة عشراً:سيدنا و ابن سيدنا:

- القصص المتداولة عن المسيخ الدجال سواء التى وردت فى الحديث النبوي "حديث الجساسة "أو فى الأساطير مثل الملاح التائه.

- ملاحظات :

١- المسيخ الدجال حقيقة مؤكدة لا ينكرها عاقل و لكن من قال أنه وُلِدَ أيام موسى عليه السلام!! .. هناك بعض الأقاويل التى تُرجع ولادته إلى قبل ذلك بل و منها من قال أنه "قابيل" نفسه.

٢- صعب أن أصدق أن المسيخ الدجال مازال مقيداً حالياً فى جزيرة باليمن بل كان مقيدا في زمن رسولنا الكريم فقط.

٣- نظرية أن المسيخ هو السامري صحيحة و تؤكد ظهوره شخصيات أخرى فى أزمنة أخرى لا يتسع المجال ذكرها.

٤- ربط الكاتب بين الشيطانة سباي أي تجسس و بين الجساسة ربطاً مشوقاً و ذكياً.

***** إجمالاً الرواية دسمة و صادمة فى الكثير من الحقائق و قد يكون بها بعض المبالغات و لاسيما أول قصتين ثلاثة و لكنها تبقى رواية و ليست كتاب تاريخي؛ بها من المتعة و التشويق الكثير...

*كان أول عمل للكاتب المغرد وحيداً فى مجال كتاباته أنصح بقراءته بتمعن و يفضل وضع الأوراق التى يطلبها الكاتب من أوراق "الايلوميناتي" نصب عينيك عند القراءة.

رواية وادي الذئاب المنسية (ارض زيكولا)

Ahmed Aboelhag 06 مايو 2023

( تقييمي للكتاب
  )

**** "وادي الذئاب المنسية" للعبقري متخصص الفنتازيا العربية الأول "عمرو عبد الحميد" الجزء الثالث من سلسلة "أرض زيكولا"؛ كما أنها ختام إبداعات الكاتب الذى بالطبع قرأت كل رواياته و عوالمه التى صنعها.

***وَضَح استغلال الكاتب لارتباط القُرَّاء _و أنا منهم _ بعالم "زيكولا" فجعله مُدخل لصنع عالَم جديد و إلصاقه بالسلسلة عن طريق (سرداب فوريك) و إن قام بضخ دماء جديدة من ذئاب و مَلْديين و شاهِد و من خلال بطل زيكولا "خالد "؛ و لكني أخشى على الكاتب أن يحبس نفسه مع "خالد حسني" فى عالم "زيكولا" و لا يستطيع الخروج منه و بالرغم من أنه خرج من هذا العالم قبل ذلك فى "جارتين" و "فتاة الياقة الزرقاء" الا أن الكاتب سرعان ما عاد للأمان "comfort zone" و عاد طواعيةً إلى "عالم زيكولا".

**** اللغة :

- وَضح نُضْج مستوى الكتابة عند الكاتب و استخدامه للغة عربية فصحى جيدة جداً و سلِسة و صحيحة؛ على عكس ما سبق فى "زيكولا" و "اماريتا" حيث خَلْطَ الفصحى بالعامية.

****السرد :

- استخدم الكاتب أسلوب السرد "غير الخطي" حيث رسم خطِّين زمانيين لعالمين مختلفين بمجهود كبير يُحْسب للكاتب حتى أصبحت الرواية عبارة عن أربع لوحات فنية مختلفة تماماً داخل إطار واحد و هو بطل الأحداث "خالد حسني".

- أصعب ما فى هذا السرد هو التحكم فى خيوط شخصيات تلك العوالم و إيصالهم بسلام إلى نقطة تماس و هو ما نجح فيه الكاتب بامتياز.

- أسلوب السرد على لسان الشخصيات أسلوب ممتاز و سلس و يكشف للقارئ جوانب مختلفة من الأحداث.

- قام الكاتب بوضع بعض التفاصيل الصغيرة داخل الرواية مثل اختفاء جَمَل من جِمال الهجَّانة فى الماضى و الذى اتضح فى النهاية أن "خالد" هو من أخذه ما يزيد من السرد تشويقاً و من الحبكة جمالاً و من الأحداث روعةً.

****الشخصيات :

- بدايةً استدعى الكاتب شخصيات "زيكولا" المحبَّبة للقُرَّاء و استعان بهم فى رسم الأحداث و منهم من أكملها للنهاية مثل "خالد" و "تميم" و منها من كان ضيف شرف مثل "أسيل " و "منى"..... حتى "يامن" الذى مات فى الجزء الثاني استعان الكاتب باسمه كابنٍ لخالد ما جعلنا نرتبط بالطفل و نتعاطف مع مرضه و بالرغم من أهميته فى بناء الأحداث و دَفْعها لكنه كان جامداً لم يتحدث طول الرواية إلا بجملة واحدة.

- وجود شخصيات "زيكولا" وَفَّر على الكاتب عَناء رسْم الجوانب النفسية و الشخصية لهم ما أدى إلى تفرُّغه للشخصيات الجديدة و أهمهم :

١- نوح :

أسوأ ما فى الرواية فقد أراد الكاتب إظهاره بالشخص المحِب الذى يضحي بنفسه لإنقاذ محبوبته "ناي" و لكن الكاتب جعله_ دون قصد_ شخصية أنانية قاتل لأبيه و قاتل أحد الجنود و سارق جثة "ناي" من أهلها و نَبَّاش قبور و مستعد أن يضحي بالعالم كله "و ليس بأبيه فقط" فى سبيل نفسه؛ و لذا كانت نقطة ضعف الرواية للأسف و كنت أتمنى أن يحصل على ما يستحق فى النهاية.

٢-مروة :

نجح الكاتب إلى حدٍ كبير فى رسم دورها و خلق الدافع الخاص بنزولها السرداب من أجل بحثها العلمي و إن كان دافع ليس بكافٍ لفتاة كَيّ تنزل فى السرداب بل و تسرق الذئب الذى كان سبباً فى الخراب.

٣-ناي :

الفتاة الملدية البريئة التى بالرغم من ظلم الناس لها إلا أنها كان لها الفضل الأول فى إنقاذهم من خلال إبلاغهم برؤاها التى جاءت لها من خلال الشاهد.

اكتسبَت تعاطف الجميع و احترامهم و فى رأيي أن الكاتب قد أوجد تلك الشخصية لتكون المَخْرَج له من كل معضلة يقع فيها سواء بجعلها بؤرة الأحداث بقتلها أو بإيقاظها أو الرؤى و غير ذلك... و عندما أدت غرضها قام بالتخلص منها بإنهاء وجودها.

****الحبكة :

كانت ممتازة فى معظم الأحداث مثل بداية اكتشاف الذئب عن طريق صورة الجد و معه موسى الديب و لكن ظهر بعض العَوار فى الحبكة و خاصةً فى البدايات و فى خَلْق الدوافع للأحداث مثل :

١- دافع سرقة الذئب من القبر لم يكن مقنعاً؛ و حتى لما تمَّت السرقة كان من الممكن أن يقوم بدفن الذئب فوراً دون العودة إلى البيت وإن كان الكاتب قد لعب على وتر الفضول الذى يتمتع به خالد.

٢-فكرة نزول السرداب لوضع الذئب على الطريق فقط غير منطقي و يضرب الحبكة فى مقتل؛ حيث كان يمكن وضع تركه عند الطاحونة خصوصاً أنه سبق وأن قام الذئب بتجميع هيكله و هو فى منزل "خالد" عند رؤيته للبدر.

٣- سبب مرض الطفل "يامن" الذى كان محور الأحداث التالية كان غريباً لأنه لم يكن من أخَذ الذئب من مكانه بل والده.... كما أن والده لم يقتل الذئب أو يدفنه مع "موسى" فكان الأجدر أن يكون المريض هو "موسى الديب" أو من قام بدفن الذئب و لكن اضطر الكاتب الاختراع هذا المرض الغامض لخلق دافع لبدء الأحداث.

٤- نبْش القبور المستمر "لنوح" و سرقة الجثث التى تعدت العشرين لمجرد تعلم خياطة القلب كان مقززاً و كان من الممكن استبدالها بأغنام أو ماشية... حتى و إن تخطينا تلك النقطة بدعوى أنه كان يطبق ما قرأه فى كتاب خياطة القلب و لكن من أين استقى طريقة فتح العظام و خياطتها!! و هل من المعقول أن يتدرب وحده على هذا دون حتى الاستعانة بكتاب.

٥-موقف دفن الجندي السوداني مع الذئاب فى الوادي و تغطيته بالقار لم يكن مقنعاً إذ أنه عاش بعد حرب الذئاب بثلاث سنوات فكيف تم الدفن مع الذئاب التى من المفترض أنها مطلية بالقار قبل ثلاثة سنوات؟! ؛ كما أنه لا يوجد سبب لدفنه معهم فهو ليس ملدي.

* خلاصة الكلام الحبكة فى مجملها ممتازة و القصة مليئة بالتويستات المفاجئة و التى برع الكاتب فى نسجها أكثر من سابقتها "زيكولا و اماريتا "ما جعل الأحداث مشوقة.

****الأحداث :

- بالرغم من قوة الأحداث الا أن هناك بعض الملاحظات :

١- وضح تأثر الكاتب بأغنية الجليد والنار "لجورج مارتن" و استعانته ببعض خلجاته مثل دخول عقول الذئاب عن طريق الملديين كالوارغ... ظهور البشر الأوائل فى قصتنا كالرجال الأوائل... هجوم الموتى على البشر و عمل معركة كبري كالليلة الطويلة و هجوم الوايت ووكرز و لكن للانصاف قام بوضع بصمة عربية مصرية على تلك الأحداث.

٢-وضح تأثر الكاتب بمجاله الطبي "الجراحة "فى إسهابه عن كيفية خياطة القلب و العظام و تشريح الجثث و لعل هذا هو السبب فى ترك العنان لقلمه في هذا الجزء.

٣-بعض التفاصيل و الألغاز التى قام بوضعها فى وسط الأحداث لم يقم بتفسيرها مثل سبب حمل "موسى الديب" لذئب "صامون" على كتفه طول الوقت و سر جنونه... سبب نزول "موسى الديب" للمقابر يومين كل شهر... سبب اعتياد "نوح" سرقة الجثث و التعلم فيها بالرغم من سهولة التعلم فى الماشية و الأغنام و هو ما أشار له الكاتب نفسه فى حوار الطبيب مع "نوح"..

٤-بعض الأحداث لم يكن لها داعى إلا زيادة الصفحات مثل أخْذ السُّم من "ناي" و قتلها بالرمح فى القلب ليضطر "نوح" أن يدخل فى دوامة لا تقل عن مائة صفحة لحل تلك المعضلة ما أثر على شخصية "نوح" ؛فى حين أن "ناي" لو ماتت بالسم كان ليأخذها و ينتظر الشاهد دون الحاجة لنبش القبور و انتهاك حرمة الموتى.

٥-كنت أتمنى مقابلة "خالد" "لأسيل" أو خروجه عن طريق "أرض زيكولا" و مقابلة أصدقاء الأمس و هو ما كان فى استطاعة الكاتب.

****النهاية :

- كانت مُرْضية بل و قام الكاتب بذكاء بتعديل نهاية "اماريتا" التى لم تكن مُرضية بتاتاً حيث جعل "أسيل " تتزوج من تميم.

- بالنسبة لروايتنا النهاية سعيدة للجميع عدا "ناي" للأسف؛ حيث ضحى بها الكاتب..... و لكن يعيبه تلك النهاية أنها جاءت سريعة فقد ظهر من اللاشئ عقد "مروة" و الذى استخدمه خالد للعودة إلى زمنه الطبيعي و كنت أتمنى أن يبذل الكاتب مجهود أكبر فى صياغة النهاية على أن تكون على نفس الشاكلة.

**** إجمالاً لا يسعني إلا أن أقول أنني انتهيت من رواية بل لنقُل خرجت من عالم ارتبطنا به صاغَه الكاتب بحرفية؛ به من التشويق و الأحداث الكثير.. صار الكاتب بحقٍ أفضل من كتَب فى الفنتازيا العربية و خلق العوالم المختلفة و الذى مهما يكن عليها من ملاحظات إلا أنها ستظل أفضل عوالم صُنِعَت فى الكتابة العربية... ننتظر المزيد مما فى جعبة الكاتب.

على هامش السيرة

Ahmed Aboelhag 01 مايو 2023

( تقييمي للكتاب
  )

**** "على هامش السيرة" للأديب "طه حسين" و مرة رابعة نُبحِر بسفينته الأدبية عبر بحور التاريخ العربي و هذه المرة قام الرُبَّان _و مَن غيرُه عميد أدبها الذى يقود !!! _بالتوجه بنا صَوب قريش و تحديداً بني عبد مناف و بشكلٍ أدق بيت النبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

**** حقيقةً أضحت كتابات "طه حسين" بالنسبة لي الملاذ الآمن فى القراءة؛ بل و لْنقُل "روشتة علاج" عند شعوري بنقص حاد باللغة العربية (نتيجة انخفاض مستوى الكتابة حالياً)؛ فإذا كنت تبحث عن البلاغة فعليك بكتب عميدها "طه حسين" ؛ و إذا كنت تحتاج إلى لغة عربية قوية رصينة بليغة غير متكلفة و لا متشددة فعليك بالعميد "طه حسين"؛ أما إذا كنت تبحث عن منهج جديد فى استقراء التاريخ العربى و الإسلامي متحرراً من كل قيد تاريخي و بكل حيادية و موضوعية فعليك بعميد أدبها طه حسين.

**** قوة "طه حسين" تتجلى فى قدرته على أن يتحدث فى التاريخ الذى هو _بطبيعته _ يعتمد على تتابع الأحداث دون سرد أي أحداث؛ فمثلاً فى الفصل الأول "حفر زمزم " مُلَخَّصه هاتف جاء فى المنام لعبد المطلب بحفر بئر زمزم لكن العميد ذكرها فى ستة صفحات كاملة من المتعة اللغوية البلاغية دون أي ملل.

**** التصنيف :

- الكتاب هو أقرب لرواية و التأملات الفلسفية منه إلى التاريخ و سرد السيرة... اعتمد فى سرده على الحوارات المُطوَّلة المتبادلة بين شخصيات عديدة مَزج فيها الأديب الواقع بالخيال... مُزيناً حواراته تلك بالمحسنات البلاغية من الإطناب و استخدام الترادُفَات فى الجُمَل .

**** ملاحظات على الكتاب :

١-الكاتب كان صريحاً منذُ البداية عندما قال فى مقدمته "أنه لم يكتب كتاباً يُراد به العلم أو التأريخ إنما هى صورة ظهرت له فأثبتها"؛ فالكتاب_ عكس ما سبق قراءته "لطه حسين" _لا يعتمد على استنباط الحقائق و استبعاد ما يدخل فى دائرة الشك الديكارتي؛ و لكنه أخذ من الروايات الضعيفة و التى قد تصل للأسطورية؛ و ترك لخياله العنان لِيُحَوِّلها إلى تُحْفة أدبية بحتة حتى ولو لم تكن حقيقية.

٢-التباين الكبير فى عدد صفحات الفصول؛ فمنها ما لا يزيد عن بضع صفحات و منها ما يصل قرابة المائة مثل "الفيلسوف الحائر" و "صريع الحسد ".

٣- الاعتماد على الحوار الأدبي و الذى كان يمس القلوب قبل العقول؛ و لكن كثرة الإسْهاب فى هذا الحوار خاصةً إذا كان تخيلياً كان يصل بالقارئ إلى مرحلة الملل فى بعض الفصول مثل "الفيلسوف الحائر" و "صاحب الحان" .

٤- أفضل ما فى هذه القصص أنك تبدأ على شاطئ النبوة وتجد نفسك فجأة دون أن تدري قد تعمقت فى بحر السيرة النبوية الشريفة بأحداثها و غزواتها و صحابتها.

**** ينقسم الكتاب إلى ثلاثة كتيبات منفصلين و لذا لزم التقييم لكل كتيب على حدة.

************ نظرة عامة على الكتاب :

* أولاً الكتاب الأول : عالم ما قبل النبوة :

- مجموعة رحلات عبر الزَّمَكان تم غزْلَها فى ثلاث قصص لثلاثة ثقافات و حضارات مختلفة و لكن بعبقرية العميد اللغوية و البلاغية المعهودة رسم بها ثلاثة خطوط تقابلوا جميعاً فى نقطة مكانية و هى مكة و زمانية و هى وقت ولادة رسولنا الكريم.

١- الخط الأول و هى البيئة العربية القرشية حيث التمهيد لظهور الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال حياة الشخصيات التى شَكّلَتْه عليه الصلاة والسلام مثل "عبد المطلب" و ابنه "عبد الله" مروراً بقصة الفدو و زواجه من "آمنة بنت وهب" و حاضنته "أم أيمن" و مرضعته "حليمة السعدية".

٢- الخط الثانى و هى البيئة اليمنية الحِمْيَرية حيث "تُبَّع" و نشره اليهودية باليمن و مروراً بأولاده نهايةً "بذي نواس" صاحب واقعة "أصحاب الأخدود" لأهالي نجران و هو الأمر الذى أدَّى لدخول جيوش الحبشة بقيادة "أرناط" و معه "أبرهة" و هو الخط الذى انتهى بعام الفيل في مكة.

٣-الخط الثالث و هى البيئة اليونانية حيث "كيمون" فى فصل "البشير" الذى اعتنق النصرانية فى ملحمة صوفية رائعة؛ و قام بنشرها مع صديقه "صالح" فى "نجران" ما أدى إلى قصة أصحاب الأخدود و التى انتهت بالتبعية إلى ما سبق ذكره من عام الفيل في مكة.

- القصص مُصَاغة بأسلوب حكواتي مشوق و رصين و بليغ؛ يبدأ العميد سرده بطريقة الغموض فى البداية ثم يبدأ فى إنارة طريق الحكاية حتى تتضح جلياً فى النهاية.

- بعض القصص ظَهَرَت أشبه بالأسطورية و غير مُدعَّمة بمصادر و أهمهم قصة "تُبَّع" و تحكيمه للنار فى مبدأ اعتناق قومه النصرانية؛ و قصة هجرة أم ايمن (بركة )و ظهور مَن أعطاها شربة ماء من الملائكة و الله أعلم .

* ثانياً الكتاب الثانى : انتظار اليقين :

- هذا الكتاب يضم أعجب ما قرأت حيث يروي قصص بعض الرُهْبان و القساوسة و هروبهم من وَثَنية العجم إلى بلاد العرب و انتظار البعثة المحمدية مثل "كلكراتيس" و "بحيري" و "نسطور" و غيرهم بالإضافة إلى نفر قليل من آل قريش من معتنقي الإبراهيمية مثل "ورقة بن نوفل" و "زيد بن عمرو".

- يُؤْخَذ على هذا الجزء الآتي :

١-الإطالة لدرجة الملل و هو ما لم أعهده من "طه حسين".

٢-ضعف الروايات المذكورة فى الكتاب و التى قد تكون أقرب للأسطورية مثل نمو شجرة لتُظِل رسولنا الكريم و اختفاؤها بعد مغادرته بدقائق.

٣-بالرغم من أن "طه حسين" هو أفضل من طَبَّقَ المذهب الديكارتي "الشك "للوصول إلى أصدق ما قيل فى التاريخ لكنه هنا لم يتحقق من تلك الروايات بل صرّحَ بنفسه أنه لم يقِف عند تلك القصص و مدى ضعفها طالما لم تقترب من شخص رسولنا الكريم.

- ينقسم هذا الجزء إلى خمس قصص و هم كالآتي :

١- الفيلسوف الحائر : أكثر من سبعين صفحة فى حوار تخيلي ممل لا طائل منه بين الفيلسوف الحائر و صديقه لا تملك إلا أن تتخطاه _آسفاً _لتصل إلى المبتغى و هى شخصية "زيد بن عمرو".

٢-راعي الغنم :أجمل الحكايات و هى قصة زواج السيدة "خديجة" من رسولنا الكريم مُصاغة على لسان مَولاها "ميسرة" صياغة أدبية بديعة.

٣- حديث باخوم : قصة إعادة بناء الكعبة على لسان ما يُروى أنه من بناها (باخوم ) الذى أعيد ذكره فى قصة "صاحب الحان".

٤-صاحب الحان :قصة الفتى الرومي الذى كان يبحث عن اليقين و هى أقرب للأسطورية و مليئة بالمبالغات الخالية من المنطق.

٥-نادي الشياطين : حديث تخيلي لطيف بين إبليس و وأتباعه حال نزول الوحي على رسولنا الكريم.

* ثالثاً الكتاب الثالث : عهد النبوة :

- مجموعة من السير و القصص لشخصيات كان لها دور فى السيرة النبوية سواء بالدعم أو الإيذاء.

- تنوعت فصولها من حيث عدد الصفحات و مدى التشويق بها بالإضافة إلى عدم جدوى وجود بعض الفصول.

*صريع الحسد :

- من أفضل الفصول صياغةً و هى قصة حياة أبي جهل الذى تحَوَّلَ بسبب الحسد من "عمرو بن هشام" زينة شباب قريش عقلاً و جاهاً إلى أبي جهل الذى اُحتِزَّت رأسُه فى بدر.

- قصة بديعة يجذبك فيها الكاتب دون أن تدري لطريقه و تجد نفسك فجأة وسط السيرة النبوية بأحداثها من إسلام عمر بن الخطاب و حمزة و بلال إلى الهجرة انتهاءًا ببدر.

- ربط الأحداث جميعاً بشخصية " (لا أعلم ماهيتها و حقيقتها) "و هى "نسطور الرومي" الذى كان ثاني اثنين مع "ورقة بن نوفل" و آمن بالرسالة و كان شاهداً على صريع الحسد "أبو جهل "و استشهاد ابنه عكرمة.

* باقي القصص هى مقتطفات من الرحلة النبوية برواية شهودها العيان منها البديع مثل قصة سيد الشهداء "حمزة بن عبدالمطلب"؛ و الجديد مثل قصة وحشي"نزيل حِمْص " و نهايته؛ و الضعيف مثل الفصل الأخير الذى لم يكن له داعى.

**** إجمالاً الكتاب كرواية ممتازة و كتاريخ فيه الكثير من الرد؛ لغة رصينة تحفظ للغتنا هيبتها و مُشوقة فى الغالبية العظمى من فصولها؛ كانت رحلة ممتعة من عميد الأدب العربي لا يعيبها إلا النزول فى آخر صفحاتها.

عرض المزيد