اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إذا كان هناك من فيلسوف مشاغب في مصرنا الحبيبة الآن، فهو في اعتقادي أن هذا لا ينطبق جملة ولا تفصيلاً علي الأستاذ الدكتور "يوسف محمد أحمد زيدان" كما زعمت الأستاذة مي عبد الرحمن (في مقالها يوسف زيدان الفيلسوف المشاغب)، اللهم إلا إذا كان يُقصد بالفيلسوف المشاغب هو ذلك الرجل الذي يمشي عكس التيار، ويلفت إليه الأنظار بوساطة الاستفزازات، مع رغبته الجامحة في تطبيق مقولة: خالف تعرف، والذي يجد من خلالها سعادة بالغة في تحدي الجميع تقريباً.
إن الفيلسوف المشاغب في نظري هو ذلك المفكر الذي يتمتع بمواهب لا تنكر وبطاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض علي الجميع أن يكون أحد الأسماء الهامة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بسقط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية والأدبية والسياسية التي يضعها تكون بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون (سواء من تلاميذه، أو من مشاهديه) مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية في الفكر العربي المعاصر، وأن يكون ليس مجرد فيلسوف يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، ولكنه لا بد أن يكون إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته، وبين الإنسان والفيلسوف تتجلي المشاغبة الفلسفية لهذا الرجل المتعدد الأوجه سواء كمترجم، أو محقق، أو ناقد، أو سياسي، أو أكاديمي، أو أديب .. الخ.
علاوة علي أن الفيلسوف المشاغب في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخري منها : أن يكون مغامراً لا يحدّه خوف، ومناضلاً لا تتعبه خيبة، ومقاوماً لا تكسِره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمّل ما يكفي من معاناة أزهرت في ما بعد كتباً لم تكن في الحسبان؛ بحيث يكون سلاحُه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متّقد انتهج النقد سبيلاً، والتجديد أسلوباً، والكشف عن المنسي هدفاً، وألا يكون لديه القدرة في التواصل البنّاء مع المتلقّين من حوله، وألا يرضي بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يُسنّ قلمه ويُنهض بنفسه في حراك لا يهدأ سفراً، وبحثاً، وإنتاجاً، وأن يكون له حركةٌ هادرةٌ لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة علي الدورانٌ في المعنى، والاستنطاق المستدامٌ الذي لا يعرف السكون، وأن يكون هو جيشٌ من الفعلة هو، وأن يكون مبدعاً في أكثر من مجال؛ وكأنه مركز أبحاث، أو خلية نحل لها استراتيجية خاصة بكل يوم، تنجزها وتنتقل إلى أخرى متّجهة نحو حقل أبعد.