اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عقد تيمورلنك العزم على العودة إلى سمرقند، بعد أن حاول أن يُبدد النقمة التي أثارها في نُفُوس المُسلمين إثر الضربة التي أنزلها بِالعُثمانيين، وذلك بِإنزال ضرباتٍ قاسيةٍ بِالمواقع الصليبيَّة. وفي الواقع كانت الضربة قاسيةً جدًا لِلدولة العُثمانيَّة، وإحدى أكبر الكوارث التي أخَّرت نُمُو هذه الدولة وفُتُوحاتها نصف قرن، كما أطالت عُمر الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة والقرون الوسطى 50 سنة، بِالإضافة إلى أنها أخَّرت وحدة الأناضول 70 سنة، ولم يتمكَّن السُلطان سليم الأوَّل من ضم بعض الأراضي التي كانت على عهد بايزيد أراضٍ عُثمانيَّة إلَّا بعد 115 سنة من معركة أنقرة. وحمل تيمورلنك معهُ السُلطان بايزيد وعاملهُ بِكُل إجلالٍ واحترامٍ على الرُغم من الرسائل المُهينة التي تبادلاها في المُدَّة الأخيرة، وأمر بِفك أغلاله وأجلسهُ إلى جانبه، وأكَّد لهُ بِأنهُ سيُبقي على حياته، فأصدر تعليماته بِأن تُنصب ثلاث خيامٍ فخمة لِحاشيته، لكن عندما حاول بايزيد الهرب ثلاث مرَّاتٍ وضُبط، احتُجز في غُرفةٍ ذات نوافذ مسدودة بِالحواجز تُسمَّى «تختروان» يجُرُّها حصانان، ولِكون بعض مُؤرخي التُرك أطلق على التختروان لفظ قفص، تُرجم هذا اللفظ إلى أغلب اللُغات الأوروپيَّة وقيل أنَّ بايزيد احتُجز في قفصٍ كما الوُحوش الكاسرة. قال ابن عربشاه - الذي كان يكن العداء والكراهيَّة لِتيمور، أنَّ الأخير جعل يُحضر بايزيد كُل يومٍ بين يديه، ويُلاطفه ويترقق إليه، ويسخر منه ويضحك عليه، وقد أحضره إلى مأدبة الانتصار التي أقامها حيثُ تعرَّض إلى مزيدٍ من الإذلال، فـ«نَظَرَ ابنُ عُثمَانَ فَإِذَا السُقَاةُ جَوَارِيَه، وَعَامَّتُهُم حَرَمُهُ وَسَرَارِيَه، فاسوَدَّت الدُنيَا فِي عَينَيه، واستَحلَى مَرَارَةَ سَكَرَات حَينُه، وَتَصَدَّعَ قَلبُه، وَتَضَرَّمَ لُبُّه، وَتَزَايَدَ كَمَدُه، وَتَفَتَّتَ كَبِدُه، وَتَصَاعَدَت زَفَرَاتُه، وَتَضَاعَفَت حَسَرَاتُه، ونَكَّى جُرحُه، وَغُدَّ قُرحُه، ونَثَرَ عَلَى جُرحَ مُصَابه مِن قَصَّاب الأَسَى مِلحُه». وبِخلاف ما أورده ابن عربشاه، فإنَّ شرف الدين عليّ اليزدي مُؤرِّخ البلاط التيموري قال بأنَّ بايزيد عُومل كما يستحق أن يُعامل أي ملكٍ عظيم لِجهة تقديم الاحترام له وتكريمه، ويقول مُؤرخون مُعاصرون أنَّ السرد التاريخي لِيزدي عمَّا حصل، رُغم تضمُّنه مُغالطات ومُبالغات عدَّة، إلَّا أنَّهُ يُمكن الاستئناس به عند الحديث عن مُعاملة تيمورلنك لِبايزيد، فعلى الرُغم من بطش تيمور وإراقته دماءً غزيرة في غزواته، إلَّا أنَّهُ لم يعمد يومًا إلى إذلال أيٍّ من أعدائه عندما أصبحوا في قبضته، وكان أقصى ما يفعله معهم هو إعادة تنصيبهم وُكلاء عنه على ممالكهم شرط خُضُوعهم الكامل لِسيطرته، وهذا ما يبدو أنَّهُ قرَّر فعله مع بايزيد لولا أن تُوفي.
وفي الحقيقة فإنَّ بايزيد لم يتقبَّل هزيمته القاسية على يد تيمورلنك، فتحطَّم نفسيًّا ومرض مرضًا شديدًا وهو ما يزال في آق شهر قُرب قونية، وبلغ من درجة مرضه أنَّهُ فقد المقدرة على الوُقوف على قدميه، فصرف تيمورلنك النظر عن اصطحاب أسيره إلى آسيا الوُسطى، ودعا لهُ أفضل الأطباء لِمُعالجته، وأرسل من يسهر على رعايته ومُواساته، لكنَّ هذه الرعاية لم تُجدِ شيئًا لِبث القوى الحيويَّة في السُلطان العُثماني، فمات يوم 14 شعبان 805هـ المُوافق فيه 9 آذار (مارس) 1403م، ولهُ من العُمر 43 سنة، ودامت سلطنته مُدَّة 13 سنة وشهرًا و8 أيَّام. وقيل أنَّ وفاة بايزيد جاءت نتيجةً لِمزيجٍ من التهابٍ حادٍ في الشُعب الهوائيَّة والنقرس، فيما أشارت مصادر أُخرى إلى أنهُ كان مُصابًا بِحُمَّى شديدة قبل وفاته. بِالمُقابل، قالت مصادر بيزنطيَّة أنَّ بايزيد سُمم في الأسر ومات جرَّاء التسمُّم، فيما قالت مصادر أُخرى أنه انتحر بسُمٍّ كان يُخفيه في خاتمه. يقول يزدي أنَّ عينا تيمورلنك اغرورقتا بِالدُمُوع عندما بلغهُ أنَّ بايزيد فارق الحياة وهو أسير، إذ أنَّهُ كان بِصدد إعادة العرش العُثماني إليه، فأمر بِدفنه في تُربة السيِّد محمود الحيراني الرومي، وهو أحد العُلماء المُسلمين المُتصوفين، ثُمَّ أطلق سراح الشاهزاده موسى الذي أُسر مع والده في معركة أنقرة، وصرَّح لهُ بِنقل جُثمان والده بِكُل احتفالٍ إلى مدينة بورصة، فأُجريت لهُ مراسم جنائزيَّة سُلطانيَّة وحُمل إلى بورصة حيثُ دُفن بِجوار الجامع الكبير بِالمدرسة التي بناها، وذلك بِموجب وصيَّته.