من رحمة النبيّ مُحمد -عليه الصلاة والسلام- بأمته وإشفاقه عليهم؛ وصاياهُ لهم في حياته، وخاصةً تلك الوصايا التي كانت في الأيام الأخيرة من حياته، ومن وصاياه ما يأتي:
الإحسان إلى الأنصار، والتجاوز عن سيّئاتِهِم، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (إن الأنصارَ قد قضَوا الذي عليهم وبقيَ الذي عليكُم، فأحسنُوا إلى محسنِهم، وتجاوزوا عن مسيئهِم)، وكانت هذه الوصية قبل موته بأيام؛ مما يدُلّ على حُبّه لهم.
الوصية بالصلاة، لقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: (كان آخر ُكلامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: الصلاةَ الصلاةَ، اتقوا اللهَ فيما ملكت أيمانُكم)، وهذا يدُلّ على أهميتها، وأهميّة الالتزام بها، وبقي النبي -عليه الصلاة والسلام- يوصي بها حتى خرجت روحه، كما حثّ على أداء حق المال بزكاته، وأداء حُقوق ملك اليمين، والإحسان إليهم.
إخراج يهود الحِجاز ونجران من جزيرة العرب، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (أخرِجُوا يهودَ الحِجازِ و أهلَ نَجْرَانَ من جزيرةِ العربِ، واعلَمُوا أنَّ شَرَّ الناسِ الذين اتَّخذُوا قُبورَ أنْبيائِهمْ مَساجِدَ)، كما أوصى بإكرام الوفود.
التحذير من بناء المساجد على القُبور، فقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (ألَا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ وصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، ألَا فلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إنِّي أنْهَاكُمْ عن ذلكَ)، وكانت هذه الوصية في مرضه الذي مات فيه، خوفاً من تعظيم قبره بعد موته.
إغلاق جميع النوافذ في المسجد النبويّ، باستثناء نافذة أبي بكرٍ -رضي الله عنه-، وذلك بعد صُعوده إلى المنبر إِثْر مرضه الذي مات فيه، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ في هذا المَسْجِدِ، غيرَ خَوْخَةِ أبِي بَكْرٍ).
النهي عن قراءة القُرآن في الرُكوع والسُجود، والإكثار من الدُعاء في السجود، وأخبر أنه لم يبقَ من مُبشّرات النبوّة بعده إلا الرؤيا الصالحة، فقال -صلى الله عليه وسلّم-: (كَشَفَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ السِّتَارَةَ والنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: أيُّها النَّاسُ، إنَّه لَمْ يَبْقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا المُسْلِمُ، أوْ تُرَى له، ألَا وإنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا، أوْ سَاجِدًا، فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ عزَّ وجلَّ، وأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ).
الوصية ببعض أُمور الدين والقُرآن الكريم، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (اللَّهَ اللَّهَ فيما ملَكت أيمانُكم، ألبِسوا ظُهورَهم، وأشبِعوا بطونَهم، وألينوا لَهمُ القولَ)، وجاء في الحديث الشريف: (سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أبِي أوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عنْهما: هلْ كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أوْصَى؟ فَقالَ: لَا، فَقُلتُ: كيفَ كُتِبَ علَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أوْ أُمِرُوا بالوَصِيَّةِ؟ قالَ: أوْصَى بكِتَابِ اللَّهِ).
إحسان الظن بالله -تعالى- عند الموت، لقول جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: (سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يقولُ: لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهو يُحْسِنُ الظَّنَّ باللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).
تلقين كلمة التوحيد لمن يُنازع ويحتضر؛ فقد قال النبي: (لقِّنوا مَوْتاكم قَولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ).
الوصية بالنساء، والإحسان إليهنّ، وحُسن صُحبتِهِنّ، ومُعاشِرَتِهِنّ بِالمعروف، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ، فإنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ).
أهميّة العمل بوصايا النبي
إنّ لوصايا النبي -عليه الصلاة والسلام- بشكلٍ عام، وقبل وفاته بشكلٍ خاص، الكثير من الدلالات؛ كحرصه على أُمّته، والشفقة والرحمة بهم، وأعظم ما يتقرّب به المُسلم لربّه: طاعةُ نبيّه، واجتناب نواهيه، والعمل بوصاياه، لقول الله -تعالى-: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)؛ أيْ بأيِّ شيءٍ أمركم به فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه؛ لأنه لا يأمُركم إلا بالخير، ولا ينهاكم إلا عن الشر، ولا عُذرَ لأحدٍ في مُخالفة الرسول وأقواله؛ لما في ذلك من مُخالفة الشرع وأوامر الله -تعالى-، فاتّباع النبيّ -صلى الله عليه وسلم- سبيلٌ للنجاة والسعادة، ومُخالفته طريقٌ للشقاء والعذاب، قال الله -تعالى-: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وصايا النبي في حجّة الوداع
أوصى النبي -عليه الصلاة والسلام- في حِجّة الوداع بالعديد من الوصايا، منها ما يأتي:
التمسّك بِكتاب الله -تعالى- وسُنّة نبيّه -عليه الصلاة والسلام-: فقد قال النبيّ: (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ به، كِتَابُ اللهِ)، وجاء في الحديث قول النبيّ: (فإنَّما أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُما كِتَابُ اللهِ فيه الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا به، فَحَثَّ علَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ)، كما أنّ الأمر بالتمسُّك بالسُّنة والأخذ بها جاء في كتاب الله، فهي الوحي الثاني.
حُرمة الدماء والأموال والأعراض: فيحرُم الاعتداء عليهما؛ لأنه حَقٌ لله -تعالى- وحده، وأخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- عن ذلك بقوله: (فإن دماءَكم، وأموالَكم، وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحُرْمَةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا)، فلا تستقيم أُمّةٌ إلا بحفظ هذه االضرورات مُضافاً إليها حفظ العقل والدين.
العدل: فقد شَرَع الإسلام كُلّ ما يضمن الكمال في التّعايش بين الناس؛ كتحريم أكل الأمول بالباطل؛ بالسرقة، والربا وغيرهما، وتحريم الظُلم بِكُلِ أنواعه وصوره، وتحريم قتل النفس التي حرّم الله -تعالى- إلا بالحق، وكذلك الظُلم في الحُكُم، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (أَلَا إنَّ المسلمَ أَخُو المسلمِ، فليس يَحِلُّ لمسلمٍ من أَخِيهِ شيءٌ إلا ما أَحَلَّ من نفسِه، أَلَا وإنَّ كلَّ رِبًا في الجاهليةِ موضوعٌ، لكم رؤوسُ أموالِكم لا تَظْلِمونَ ولا تُظْلَمُونَ، غيرَ رِبَا العباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ؛ فإنه موضوعٌ كُلُّه، وإنَّ كلَّ دمٍ كان في الجاهليةِ موضوعٌ، وأولُ دَمٍ أَضَعُ من دمِ الجاهليةِ دمُ الحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ).
المُساواة بين البشر: فقد بيّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أن جميع البشر مُتساويين، وجعل النبي أُمور الجاهليّة؛ من التفاخُر، والعصبيّة، والقبليّة تحت قدمه، فيذوبُ بذلك التفاخُر بناءً على اللُغة والنسب والعرق وغير ذلك، لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (يا أيُّها النَّاسُ ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لِعَربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لعَجميٍّ على عربِيٍّ، ولا لِأحمرَ على أسودَ، ولا لِأسودَ على أحمرَ، إلاَّ بالتَّقوى).
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل