اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
للتعافي ممّا بدا عددًا لا نهاية له من الهزائم، شرع هرقل بخطة إعادة إعمارٍ للجيش، وموّل الخطة عبر تغريم من اتّهمهم بالفساد ورفع الضرائب وتقليل قيمة القطع النقدية بزيادة ما تتضمنه من معدن لدفع أجور المزيد من الجنود والقروض الإلزامية. وضع بطريرك القسطنطينية، سيرجيوس، أموال الكنيسة بين يدي الدولة، الأمر الذي كان تضحية مفاجئة ولكنها كانت مطلوبة. بات هرقل الآن يهدف إلى القضاء على أحد خصومه الخطيرين، الإمبراطورية الساسانية. كان الفرس قد غزوا مساحاتٍ واسعة من الأراضي في الأناضول وبلاد الرافدين والمشرق وشمال أفريقيا، إلا أنهم لم يكونوا قد أحكموا قبضتهم عليها بعد. قرّر هرقل عقد مفاوضات سلامٍ مع الآفار والسلافيين عبر دفع مبلغٍ ضخم من الخراج لهم ممّا يمكّنه من نقل جيوشه بحرية من أوروبا إلى آسيا من أجل شنّ هجماتٍ مضادّة ضد الفرس. وفي حين كان خصومه الشرقيون ما يزالون خارج خلقدون، بدأ هرقل حملته العسكرية في ربيع عام 622. أبحر بجيشه المؤسَّس حديثًا عبر الساحل الأيوني ورست سفنه في إسوس، ذات الموقع الذي هزم فيه الإسكندر المقدوني الفرس هزيمة ساحقة قبل 1000 عام. في إسوس، أشرف هرقل على تدريباتٍ مكثّفة لرجاله. وقاد جيشه شمالًا في خريف ذلك العام وواجه قوةً فارسية في مرتفعات كبادوكيا. بالرغم من عدم امتلاكه للخبرة العسكرية في قيادة جيشٍ في الميدان، دحر الإمبراطور البيزنطي على نحو حاسم قوات الجنرال الفارسي الخبير شهربراز، رافعًا من معنويات جيشه ومستعيدًا مساحات ضخمة من الأراضي.
في أوائل عام 623، قاد هرقل قواته عبر أرمينيا وما يُسمّى في يومنا هذا أذربيجان. بتنقّله تجاه أرمينيا، أرغم هذا الفرس على التنقل من موقعهم في آسيا الصغرى واللحاق بالجيش مثل «كلبٍ مقيد بسلاسل». مرة أخرى حقق الجيش البيزنطي نجاحًا ونصرًا كاسحين ضد الجنرال الفارسي شهربراز. أرغمت أحداثٌ في العاصمة هرقل وجيشه على العودة إلى القسطنطينية، إذ كان آفار خان يهدد بعملٍ ضد المدينة. أرغِم هرقل على زيادة الخراج المدفوع للآفار، وحتى على المضي إلى حد إرسال رهائن إلى الخان لضمان الدفع. عزز هذا مجددًا من حامية الجيش، ما أتاح له الدخول من جديد في حربٍ مع الجيش الفارسي في آذار 623، إذ كان الملك الفارسي كسرى الثاني قد أصبح أكثر شراسة، ورافضًا للهدنة. في طريقه إلى بلاد فارس، نهب الجيش البيزنطي وسرق على نطاق واسع، واشتمل ذلك على تدمير القصر الفارسي في غانزاك. بحرقه لمدنٍ عديدة لخصومه، اتّخذ هرقل قرارًا محفوفًا بالمخاطر وقاد قواته في عمق أراضي الإمبراطورية الساسانية إلى طيسفون العاصمة الفارسية. غير أن شهربراز بدأ بقطع خطوط الإمداد عن هرقل، مرغمًا الأخير على الانسحاب إلى الشاطئ الغربي لبحر قزوين. هناك، وضعت زوجته الثانية وابنة أخيه مولودًا بسلامة، على الرغم من أن الكثيرين نظروا للزواج على أنه كان زواجًا محرّمًا.
في عام 624، قاد هرقل حملةً أخرى باتجاه بحيرة وان. غير أنه لم يحقق النصر الذي سعى إليه حتى السنة التالية. بقيادته لجيشه عبر جبل آرارات عبر نهر آرسيناس لما يقارب 200 ميل (320 كم) للاستيلاء على مدينتي ميافارقين وآمد، واجه هرقل في النهاية جيشًا فارسيًّا شمال مدينة أضنة بعد عبوره 70 ميل (113 كم) عبر بلاد الرافدين. في البداية، سارت المعركة على ما يرام بالنسبة للفرس، إذ سحقوا مقدمة الجيش البيزنطي. إلا أن هرقل أخذ بعدئذ زمام المبادرة بشنّه هجومًا بدا انتحاريًا عبر نهر الفرات، مغيّرًا بذلك مسار المعركة. حتى شهربراز لم ينكر شجاعة الإمبراطور:
انظروا إلى إمبراطوركم، هو لا يخشى هذه السهام والرماح أكثر مما يخشى سندان مطرقة. شهربراز