اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هذه العلاقة اتخذت أشكالاً مختلفة في كل المجتمعات طيلة القسم الأكبر من التاريخ البشري، ولكنها فشلت في الإيفاء برغبات الاعتراف لكلا الطبقتين. فالعبد لم يكن معترفاً به كانسان ولم يُعترف بالسيد من قبل أقرانه بل من العبيد "ناقصي الإنسانية" أساساً. هذا التناقض هو ما ولد مراحل جديدة من التاريخ مثل الثورة الفرنسية والثورة الأميركية التي ولدت مبادئ السيادة وسيادة القانون وأُستبدل الاعتراف غير المتساوي باعتراف شامل ومتبادل تعترف به الدولة بضمانها الحقوق، وفقاً لهيغل. تفسير هيغل لمغزى الديمقراطية الليبرالية يخالف تفسير الآباء المؤسسون للولايات المتحدة والفلاسفة الإنجليز، حيث آمن توماس جيفرسن وجيمس ماديسن بأن الحقوق وسائل للمحافظة على المنزلة الاجتماعية أو فلك شخصي يسمح للرجال باثراء أنفسهم وإرضاء رغباتهم، فالاعتراف عند الأنجلو ساكسون ارتبط بالمصلحة الشخصية على عكس هيغل الذي اعتبر الحقوق غايات بحد ذاتها، لأن الرفاهيات المادية لا توفر الرضا الكامل للانسان قدر الاعتراف بكرامته. يقول فوكوياما بأن هذه الرغبة بالاعتراف هي حلقة الوصل بين الليبرالية الاقتصادية والليبرالية السياسية. فكلما ازدادت معدلات التعليم والكوزموبوليتانية بين الأفراد، يزداد احترامهم لذاتهم ويطالبون بمزيد من السلطة والاعتراف بشكل لا يحدث بين الفقراء والمجتمعات المتخلفة ثقافياً. هذا الاحترام المتولد للذات يدفع الناس لاختيار أو تفضيل أشكال الحكم الديمقراطية في نهاية المطاف. باستيعاب مفهوم الرغبة بالاعتراف، يقول فوكوياما أنه بالإمكان إعادة تفسير الكثير من الظواهر مثل الدين والقومية والعمل والسياسة الدولية والحرب. شغلت هذه الظواهر وتقاطعها مع الصراع من اجل الاعتراف أجزاء كبيرة من الكتاب.
تاريخياً، تم تقديم هذه الظواهر أو مجمل العادات والقواعد الأخلاقية للشعوب كعوائق أمام بناء مؤسسات ديمقراطية تعمل لأن المتدين المطالب بالاعتراف بآلهته وأخلاقياته يطالب باعتراف يستند على تمايز اعتباطي غير عقلاني. ولكن الواقع أكثر تعقيداً، لأن نجاح الليبرالية الاقتصادية والسياسية تطلب أشكالاً لا عقلانية من الاعتراف كذلك. الديمقراطية الناجحة تحتاج إلى فخر واعتزاز غير عقلاني من المواطنين بمؤسساتهم الديمقراطية، وتنمية ما وصفه ألكسيس دو توكفيل بفن التجمع القائم غالباً على مجموعات صغيرة ترتكز على الدين وجوانب قومية. لا يوجد تعارض بين القومية والليبرالية من حيث المبدأ، بدلالة أنهما كانا حليفان في المقاومة وتحقيق الوحدة الألمانية والإيطالية خلال القرن العشرين، وخلال النضال البولندي والبلطيقي للاعتراف القومي من الاتحاد السوفييتي. فالاستقلال والسيادة والتحرر مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاعتزاز القومي شريطة ألا يتحول الانتماء الإثني القاعدة الوحيدة للمواطنة والحقوق المتولدة عنها. فالشعور القوي بالانتماء القومي شرط ضروري وأساسي قبل كل ديمقراطية مستمرة وناجحة. الدين في المقابل، هو بحد ذاته لا يتعارض مع الديمقراطية الليبرالية ولكنه بالتأكيد سيكون عائقاً عندما يتوقف عن البقاء متسامحاً. المسيحية مهدت الطريق أمام الثورة الفرنسية ولكنها لم تنشئ مجتمعاً حراً بحد ذاتها، فعلمنة المسيحية إلى حد كبير كان نتيجة الاصلاح البروتسانتي الذي تجاوز الحاجة إلى رجال الدين وجعل مسألة فهم الإنجيل شخصية وقائمة على ضمير الفرد. الإسلام الأصولي واليهودية الأرثوذكسية أديان شمولية تريد التحكم بكافة مظاهر الحياة العامة والخاصة، قد لا تعارض الديمقراطية الانتخابية على الطريقة الإيرانية، ولكن اعترافهم بالحقوق المرتبطة بالليبرالية مثل حرية الفكر والدين قد تكون تحدياتٍ بالغة الصعوبة.
ولكن أحد الأخطاء الشائعة، يقول فرانسيس، هي الاعتقاد بأن العوامل الثقافية تشكل شروطاً كافية لاقامة أو عرقلة الديمقراطية الليبرالية. الديمقراطيات لا تتسلل من الباب الخلفي دون قرار سياسي صريح يؤسسها. فالمجال السياسي حر ومستقل عن ذلك الثقافي، والديمقراطية الليبرالية لا تظهر دون سياسيين عقلانيين قادرين على تشكيل الشعوب بخلق لغة خير وشر خاصة بها، وتحويل ميولها إلى مؤسسات مستدامة. إذن عوامل نجاح الديمقراطية سياسية بالدرجة الأولى، فقد توفرت جميع الشروط الثقافية المسبقة التي حددها ماكس فايبر للديمقراطية في ألمانيا النازية، ولكن المبالغة في تأكيد الذات والغضب الذي كان السمة الأبرز في الاشتراكية القومية طغى على الرغبات العقلانية بالاعتراف المتبادل والمعاملة بالمثل. أبرز الدول التي خالفت الشروط الثقافية المفترضة للديمقراطية الليبرالية هي الهند والدول الكاثوليكية مثل إسبانيا والبرتغال والبرازيل وكثير من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. حجة تعذر إقامة ديمقراطية لأن بلداً ما يفتقر إلى تقليد ديمقراطي مسبق ليست منطقية يقول فوكوياما. فلو كان هذا الشرط ضرورياً بالفعل، لما تمكن أي بلد من أن يصبح ديمقراطياً لأن معظم بلدان العالم عرفت تقاليداً تسلطية في مرحلة ما من تاريخها. هذه الدولة الليبرالية العقلانية لن تنجح دون تعلق غير عقلاني من قبل المواطنين بأوطانهم، التجمعات القومية والدينية ليست قيماً ليبرالية ولكن نجاح الليبرالية يتطلب تجاوزها لبعض مبادئها الخاصة وذلك بتحديث سياسي ومؤسسي يحتفظ بحق الشعوب في الاعتزاز القومي والإيمان الديني في إطار حقوقي واتفاقات دستورية.
بما أن الرأسمالية قوة ديناميكية تستبدل العلاقات الاجتماعية التقليدية بأخرى تستند على العمالية الاقتصادية، تعمل على نحو فعال في مجتمع بحراك اجتماعي عال ومهن مفتوحة أمام الكفاءات بدلا عن الامتيازات، تميل الرأسمالية نحو طبقة متوسطة قوية. بقدرة الديمقراطية الليبرالية على احتواء هذه العوامل، يمكن اعتبارها نقطة النهاية للتطور السياسي، لأنها النظام الحكومي الوحيد الذي يتمتع بالشرعية على المدى الطويل أمام المحكومين. أشكال الحكومات الأخرى سواء الأنظمة الديكتاتورية العسكرية، الملكيات المطلقة، والشمولية الشيوعية، لم تكن قادرة على حشد إجماع بشرعيتها المستدامة ولا تتمتع بالرضا الاحتياطي للشعوب خلال الأزمات. عانت من عيوب خطيرة وغير عقلانية أدت وستؤدي إلى انهيارها عكس الديمقراطية الليبرالية الخالية من ذات التناقضات من حيث المبادئ والأساسيات. لا يعني ذلك انتهاء المظالم وأشكال عدم المساواة في أي بلد، ولكنها مشاكل متعلقة بقصور تطبيق مبدأي الحرية والمساواة وليس في المبدأين الرئيسين اللذان تقوم عليهما الديمقراطية الحديثة. نحن في نهاية التاريخ يقول فرانسيس، ليس باعتباره توقفا للأحداث، بل لعدم وجود نظام في المستقبل لما بعد الديمقراطية الحديثة والرأسمالية.