English  

كتب نزعات أكبر الدينية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

نزعات أكبر الدينيَّة (معلومة)


علاقته مع المُسلمين

تولى أكبر العرش في سنة 963هـ الموافقة لسنة 1556م وهو في الرابعة عشرة من عمره، وظل يحكم الهند خمسين عامًا، وعلى هذا يُقسم المؤرخون نزعات أكبر الدينية وعلاقته بالدين الإسلامي والمسلمين إلى مرحلتين متميزتين ومتناقضتين، ويضيف آخرون مرحلة ثالثة.

المرحلة الأولى

استمرت "المرحلة الأولى" مدة عشرين عامًا، أي حتى عام 982هـ الموافق لعام 1574م، فبدأ حكمه راسخ العقيدة الإسلامية كأحسن ما يكون عليه المسلم المخلص، يحافظ على أصول الدين، ويؤدي الصلوات في المسجد وفي أوقاتها، ويقوم أحيانًا مقام المؤذن فيدعو الناس إلى الصلاة. واتصف سلوكه في هذه المرحلة بالتقشف في الحياة والمغالاة في العقائد، وكان متأثرًا بالبيئة المحيطة به وبتقاليد عصره، ومتأثرًا بالمتصوفة في عصره فكان يغلو في تعظيم المشايخ، واعتقاد مكانهم من الله، وشفاعتهم للناس، وكان يزور الأضرحة والمشاهد، ويشد الرحال لزيارة قبور الصالحين من المشايخ المعروفين، وكان يعاقب الناس على مخالفة عقائد الجمهور، وقلة التدين، وضعف الاعتقاد، وكان يقدم النذور إلى ضرائح الأولياء والصالحين، ويشتغل بالأذكار والأوراد في شغف واستغراق، ويصاحب العلماء والصالحين، ويحضر مجالس السماع الصوفية. وقد نقل عبد القادر البَدَايُوني في كتابه «منتخب التواريخ» عدة تصريحات عن تدين أكبر في هذه المرحلة ومغالاته في العقيدة والدين، منها: أنه تجشم عناء السفر مشيًا على الأقدام إلى آچمير شكرًا لله على ولادة سليم، وعرج على دلهي أثناء عودته، وزار قبور الأولياء والصالحين، وكان يتبرك بالشيخ «سليم بن بهاء الدين الجشتي » وازداد محبة له بعدما بشره بثلاثة أولاد، فتحققت بشارته بعد أن كان محرومًا، ولذلك سمى ابنه سليم باسمه على غير عادة المغول في تسمية أبنائهم، وبنى مدينة في المكان الذي كان يقيم فيه هذا الشيخ، بالقرب من أغرة، وجعلها عاصمة له مبالغة في تكريمه وسماها فاتح پور سكري. وكان قبل ذلك قد بعث عقيلته جودا باي قبل الولادة حتى تكون موضع عناية الشيخ واهتمامه، وتسعد بدعائه. ووُلد ابنه مراد كذلك في بيت الشيخ سليم. وكان يرحل في كل سنة راجلًا إلى آچمير لزيارة قبر معين الدين الجشتي ويطوف به عدة مرات، ثم يجلس في حضرته وقتًا طويلًا. وكان يشتغل باستغراق في ذكر «ياهو» «ويا هادي» في مصلاه، ولا يبدأ عملًا أو قولًا إلا بدأه بقوله: «يا هادي، يا معين» ويذكر أن لهاتين الكلمتين أثر السحر في نفسه، كما كانتا تثيران حماس أتباعه، فكان جنود جيشه مسلمين وهندوس إذا سمعوه يدعو بهذا الدعاء يرددونه وراءه في صوت جهوري، ثم ينقضون على العدو دون خوف. وكان يطلب في كل ليلة جمعة وهو في مصلاه، الأشراف والمشايخ والعلماء، ويُحضر حلقة من العلماء، ويُباحثهم في المسائل والأحكام. كان قبل خروجه للحرب يتوجه إلى قبور الأولياء والصالحين للدعاء عندها. وتعرض مرة لمحاولة اغتيال في دلهي إلا أنه نجى منها فكان يعد نجاته من كرامة أولياء دلهي. ولما أصبح ولي عهده سليم في سن يبدأ فيها القراءة وأول ما يقرأ الطفل يكون «بسم الله الرحمن الرحيم» وهي عادة تسمى باحتفال التسمية في الهند، طلب من المحدث الشهير «ميركلان الهروي» أن يُشرف بهذه المناسبة فحضر وأقرأ سليم التسمية بحضور أكبر مع جمع من أعضاء الدولة. وحينما بدأ ولي العهد يشدو في القراءة والكتابة، أمره أن يذهب إلى بيت الشيخ «عبد النبي أحمد الكنكوهي» ويدرس عليه الحديث، وكان هو أيضًا يقصد بيته ويحضر درسه، وكان يبالغ في إجلاله، فقام مرتين بوضع نعليه عند احتذاء الشيخ لهما. وكان كذلك مهتمًا بأمر المساجد، فعين سبعة أئمة لأيام الأسبوع السبعة فيتناوبون على الإمامة في الأيام المعينة لهم، ويذكر عنه أيضًا أنه كان يكنس المسجد. وكان يبعث في كل عام عددًا كبيرًا من الحجاج إلى الحرمين في مكة والمدينة على نفقة الدولة، ويبعث مع أمير الحجاج الهدايا والتحف إلى والي مكة المكرمة، ويبعض النقود والغلال لأهل الحرمين، وكان يُشيع الحجاج عند توديع قوافلهم محرمًا كإحرام الحج، مقصرًا للشعر، ملبيًا، حاسر الرأس، حافي القدمين. ولما قدم «شاه أبو تراب» إلى الهند بحجر قيل أن عليه أثر لقدم الرسول ووصل قرب مدينة أغرة خرج أكبر مع حشد عظيم من العلماء والمشايخ لاستقبال الشيخ أبي تراب، وإجلال لمقام الرسول. ومن الشواهد على تدينه وتعبده ما جاء في كتاب «مآثر العلماء» لمؤرخ الدولة المغولية «مير عبد الرزاق خافي خان» المعروف بصمصام الدولة شاه نوازخان (1111هـ - 1171هـ) يقول فيه: «كان الملك أكبر يبذل جهودًا كبيرة في تنفيذ الأحكام الشرعية، والتأكيد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان يؤذن بنفسه، ويؤم الناس في الصلاة، حتى أنه كان يكنس المسجد، احتسابًا وطلبًا لمرضاة الله.»

المرحلة الثانية

هكذا بدأ أكبر المرحلة الأولى من حياته الدينية، ولكنه انقلب فجأة إلى رجل مغاير في "المرحلة الثانية" وذلك بعد أن إعلانه للدين الإلٰهي في سنة 987هـ الموافقة لسنة 1579م، فاعتزم على اتباع سياسة معادية للدين الإسلامي، وقد رأى المسلمون من رعيته أن السلطان يريد القضاء على دينهم، بل إن معارضيه من المسلمين وخاصة من مسلمي الهند لم ينظروا إلى الدين الجديد باعتباره أنه دين أولًا -وهكذا سماه أكبر- بل تم اعتباره من قبلهم مروقًا وإلحادً وكفرًا. ومن أشهر من انتقد سياسته هذه المؤرخ المعاصر له عبد القادر البدايوني، الذي اعتبر الدين الإلٰهي كفرًا وإلحادًا، واعتبر أكبر مرتدًا عن الدين الإسلامي، وأحصى المؤرخون المسلمون ما خرج فيه أكبر عن الإسلام في نقاط كثيرة، منها: أنه أباح السجود للسلطان، والإسلام يمنع السجود إلا لله، دعا إلى عبادة أو تقديس الشمس والنار، وسمح بوضع الخنازير في قصره، واعتبر النظر إليها كل صباح عملًا يستحق التقدير، والإسلام يحرم أكل لحم الخنزير، وحرم أكل لحم البقر والثوم والبصل، وهذه أشياء أحلها الإسلام، كما حرم تربية اللحى، وقد كانت الشعار المميز للمسلمين في الهند في ذلك الحين لأن الهندوسيين كانوا يحلقوا لحاهم، وكان هو وحاشيته يستهزؤون بها، وحلل الخمر وأباح بيعها، وأباح لرعيته أن يتعاملوا بالربا، وأباح للناس بالمقامرة، وأسقط غسل الجنابة. أما بالنسبة لموقفه من المسلمين فقد راح يضهدهم، فأجبر الأولاد الذين يحملون اسم محمد على تغيير أسمائهم، ومنع المسلمين من الزواج من بنات العم والعمة والخال والخالة، وكذلك منعهم من الختان، وأصدر أمرًا بمنع تعليم اللغة العربية، وكذلك أوجب على خاصته أن يرتدوا الملابس الحريرية أثناء الصلوات، وألغى بعض أركان الإسلام، وحظر على الناس أن يصوموا شهر رمضان، ومنع الناس من أداء الحج، وبلغ به الأمر في عام 1004هـ الموافق لعام 1595م أن كان يعاقب كل من يتجرأ على ذكره بأشد أنواع العقوبة، وتعطلت أعياد المسلمين في عصره وانقطع الاحتفال بها، وتحولت المساجد في عصره إلى مرابط للخيول وإلى معابد هندوسية. وحرم إنشاءها وترميمها. وأصدر في سنة 989هـ أمرًا يمنع فيه الزكاة، وراح يسخر ويزدري المعتقدات الإسلامية، فأنكر المعجزات، وقام بازدراء الدين الإسلامي وإهانته، ووصم تراث المسلمين كله بالحُدوث، واعتبره مجموعة من السفاهات، وأن واضعيه ومؤسسيه أعراب فقراء من جزيرة العرب كانوا مفسدين في الأرض وقطاع طرق. وكان يسخر من حادثة الإسراء والمعراج، ومن الوحي، وكذلك يذكر المؤرخون أنه كان يهين ويعترض على النبوة المحمدية، وكان ينفر من أسماء النبي ويكرهها، وكانت الأسماء مثل أحمد ومحمد ومصطفى ثقيلة على سمعه، وغير أسماء خاصة أصحابه إلى أسماء أخرى، وبالإضافة إلى منع الحج والصوم والزكاة، فقد أسقط الصلاة، بالإضافة إلى الاستهزاء بأركان الإسلام وفرائضه، وذكر البدايوني أن أحدهم قد ألف عدة رسائل عن العبادات الإسلامية في أسلوب تهكمي ساخر، وإيراد اعتراضات عليه، وقد نالت هذه الرسائل إعجاب السلطان، وأصبحت واسطة له لدى السلطان في التقرب منه. يقول عبد القادر البدايوني المعاصر لأكبر بخصوص عدائه للإسلام: «إن الإسلام بهذا قد هدمت أركانه وأنقض بنيانه، ولم يمض غير خمس أو ست سنوات حتى انقلب كل شيء رأسًا على عقب ولم يبق في نفس أكبر أثر ضئيل من دينه القديم القويم الإسلام، بل لقد أبدى مظاهر العداء الشديد للدين الذي آمن به في شبابه والذي آمن به أسلافه من قبل.»

ولم تكن التغييرات التي أحدثها أكبر مقصورة على الدين وحده بل أحدث تغييرات تؤذي شعور المسلم، لأنها ذات صلة وثيقة بالتشريع أو النظام الإسلام، فقد تزوج من بنات أمراء الهندوس ليرتبط وإياهم برابطة ولاء النسب، وسمح لهن بالاحتفاظ بأديانهن وبالقيام بشعائر هذه الأديان داخل قصره، وهذا الأمر محرم في الإسلام فلا يجوز الزواج من غير المسلمة إلا في استثناء واحد وهو الزواج من نساء أهل الكتاب، كما استبدل التقويم الهجري بتقويم جديد أسماه التقوم الإلهي، يبتدئ بسنة جلوسه على العرش، وجعل شعار أتباعه "الله أكبر" يقصد بذلك أنه الله. هزت هذه الحركة المجتمع الإسلامي في الهند هزة عنيفة، وأثار هذا التحول ضجة بالغة المدى في دولته، غير أن كل من عارضها كان نصيبه النفي والاضطهاد والتشريد، ومع هذا فقد لقيت الحركة تأييدًا من بعض العلماء المسلمين الذين كانوا يبتغون الوسيلة والقربى إلى السلطان، وخاف بعضهم من اضطهاد الملك ورجاله، ولم يتحرجوا من تأييده، ويذكر المؤرخون أنه لولا تأييد هذا النفر من العلماء لما استطاع أكبر أن يقيم دعائم دينه الجديد، يقول أحمد السرهندي: «ومما لا مجال فيه للشك أن كل ما وقع من المداهنة والتخاذل في الأحكام الشرعية في هذا الزمان، وما ظهر من الفساد والوهم في نشر الدعوة الإلهية وإبقاء مآثرها في هذا العصر، إنما يرجع سببه إلى علماء السوء الذي هم لصوص الدين وشر من تحت أديم السماء، أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.» ومع هذا فإن المسلمين في الهند لم يخضعوا لأمر أكبر، حيث ظهر علماء آخرون تمسكوا بدينهم وعارضوا الدين الإلٰهي معارضة عنيفة، فأعلنوا معاداته وهاجموا آراءهم، وأبدوا استنكارهم لهذه الأوضاع قدر مستطاعهم، وكان على رأسهم «أحمد السرهندي»، الذي قام بحركة تجديدية مضادة، تعتبر رد فعل لما قام به أكبر، إلا أن آثار دعوته هذه لم تظهر إلا بعد موت أكبر في عهد ابنه جهانكير. ومنهم «إبراهيم المحدث الأكبرآبادي» الذي ذهب ذات مرة إلى عبادت خانه بناء على دعوة أكبر، فلم يسجد له، ولم يأت بالتحيات التقليدية للملك باعتبار أنها مخالفة للشريعة الإسلامية، ثم خطب عنده بجرأة ولم يتهيب من شوكة أكبر الملكية. ومنهم «شهباز كنبوه » الذي كان من كبار الأمراء في بلاط أكبر، الذي كان ذا جرأة على السلطان، ولا يبالي برضاه أو سخطه فيما يخص الأمور الشرعية في الإسلام، فلم يقصر اللحية، ولم يشرب الخمر، ولم يرغب في الدين الإلٰهي قط. ومنهم «عبد القادر الأجي» لم يكن يوافق السلطان في مخالفة الشريعة، ومنهم «عبد القادر اللاهوري» الذي يذكر المؤرخون أن أكبر كان ساخطًا عليه لشدة تمسكه بالشريعة الإسلامية، فأمره أن يسافر إلى مكة المكرمة. وكان من بين العلماء الذين ردوا عليه «بدر الدين بن سليم الجشتي» الذي كان محترمًا عند السلطان في شبابه، ولكن لما رأى تحول أكبر قطع جميع علاقاته معه، واعتكف في منزله، إلا أنه تم التضييق عليه، فلم ير مفرًا إلا أن يهاجر إلى مكة المكرمة وتوفي فيها. ويذكر المؤرخون أنه بالإضافة إلى ما سبق فقد شتت أكبر معارضين آخرين ونفى بعضهم وقتل البعض الآخر، فكان بين من قتل رئيس القضاة «عبد الله الأنصاري السلطانبوري»، و«عبد النبي الكنكهوني». وعمل أكبر على اضطهاد العلماء والفقهاء خاصة أهل السنة والجماعة، فعطلت الحكومة رواتب العلماء والفقهاء، وصادرت أراضيهم واقطاعاتهم، وعزل أكبر جميع القضاة المسلمين وبلدهم بمن كانوا يدينون بدينه، وقتل كثيرًا من العلماء خفية لعدم موافقتهم في معتقداته. بالإضافة إلى العلماء، فقد ظهرت ثورات متعددة في بعض أقاليم الدولة كردة فعل لإعلان أكبر لدينه الجديد، فظهرت ثورة في البنغال وجونفور في عام 987هـ الموافق لعام 1579م بسبب نفور علماء الدين المحافظين من نزعات أكبر الدينية، وأفتى قاضي جونفور «محمد يزدي» بوجوب حرب السلطان لما استحدثه من بدع تزعزع بناء الإسلام في الهند، وبلغت هذه الثورة درجة كبيرة من العنف إلا أن أكبر استطاع القضاء عليها. وقامت ثورة بقيادة «ميرزا محمد حكيم» حاكم كابل أخ أكبر في سنة 989هـ المُوافقة لِسنة 1581م بهدف مناهضة أكبر حيث اعتبروه ملحدًا يجب القضاء على تياره الإلحادي إلا أن هذه الثورة لم تنجح وتم لأكبر القضاء عليها.

المرحلة الثالثة

يضيف بعض المؤرخين مثل عبدُ العزيز سُليمان نوَّار مرحلة ثالثة إضافة إلى المراحل السابقة، تمتد من سنة 1009هـ/1601م إلى سنة 1014هـ/1605م، حيث اعتبر أن هذه الفترة كانت مليئة بالقلق النفسي والأزمات العاطفية، حيث فقد فيها أكبر ابنيه وأمه، وأعز أصدقائه أبا الفضل بن مبارك الناكوري، وخلالها ثار ابنه سليم، وغادر عاصمته فاتح پور سكري، أدت إلى إعادته إلى الدين الإسلامي، فتوفي وهو يحاول أن ينطق باسم الله. وقد سجل ابنه جهانكير في كتاب «تُزك جهانكيري» أحوال أكبر عند وفاته، فذكر ما يدل على أنه عندما شعر بأنه على خطأ وضلال عند دنو أجله، فجدد إيمانه بتلفظه بكلمة التوحيد، ولما فارق الحياة كان محاطًا بمجموعة من القراء الذي كانوا يقرؤون سورة يس، ويدعون له.

علاقته مع الهندوس

كان أكبر يرى أن سياسة أسلافه في الحكم تجاه الهندوس يشوبها الخطأ حيث أنها كانت قائمة في أغلب الأوقات على العداء والحرب، ورأى أنه من الواجب أن ترتكز دولته على أساس قوي من حب رعاياه ورضاهم، بصرف النظر عن عقائدهم ومذاهبهم، وأن عليه البدء في عهد جديد يتقرب فيه منهم لنفخ روح جديدة في الدولة، ولهذا بدأ يعمل على كسب حب الهندوس بوجه عام والراجپوت بشكل خاص، فقد كان الراجپوت يكونون الطبقة الحربية في المجتمع الهندي، وكانوا سلالة القادة العسكريين في الهند، ولم يكن في استطاعة الأسرة الحاكمة أن تستغني عن تأييدهم، واتخذ لتحقيق هذا الهدف وسائل كثيرة، منها: "المصاهرة" حيث بدأ أكبر يعقد أحلافًا تعتمد على الزواج وصلات النسب، وكان «بيهار مال كاشهورها » أول راجا يقدم ابنته زوجة لأكبر وذلك في عام 969هـ الموافق لعام 1562م، وقد ضمن هذا الزواج تأييد هذه الأسرة الراجپوتية القوية، وكان يمثل فجر عهد جديد في تاريخ السياسة الهندية. وفي عام 978هـ الموافق لعام 1570 تزوج أكبر أميرتين من جسلمير وبيكانر. وفي سنة 922هـ الموافقة لسنة 1584م زوَّج ولي عهده الأمير نور الدين سليم من ابنة «راجا بهگونت داس ». ومنها "التعيين في مناصب الدولة" فراح يعمل على تشجيع رعاياه الهندوس وتقدير خدماتهم، وخاصة الراجپوت فقربهم منه وفتح لهم أبواب بلاطه، وعينهم بالمناصب الرفيعة في الدولة مدنية وعسكرية على السواء، ووضع فيهم ثقته الكاملة، وأتاح لهم الترقي، فتولى عدد من الراجات مناصب القيادة في جيشه، كما شكل الهندوس نصف عدده. ومنها "التسامح الديني" وكان هو أهم المبادئ التي قامت عليها سياسة أكبر، فأتاح لهم حرية العقيدة والرأي، وشجع على إحياء عاداتهم وأعرافهم، واختلط بهم وشايعهم في تقاليدهم وعاداتهم. كذلك رفع الجزية التي كانت تُفرض عليهم، والرسوم التي كانوا يلزمون بها عند الحجيج إلى مقدساتهم، وساوى في معاملته بين المسلمين والهندوس من رعاياه، بل يذكر المؤرخون أنه كان أكثر محاباة للهندوس، وأنه كان شديد الوطأة مع المسلمين متسامحًا معهم. ومنها "الاصلاحات الاجتماعية" فكان شديد العناية برفاهية رعاياه من الهندوس، فبذل جهده لكي يرفع عنهم ما نزل بهم ضيم، وعمل كذلك على القضاء على المفاسد والعيوب التي كانت تشوب مجتمعهم، فمنع زواج الأطفال، وحارب ممارسة عادة الستي، وشجع زواج الأرامل، ودعا لمحاربة التمييز بين الطبقات، وعمل على نشر التعليم بين الجميع دون استثناء، فكان الهندوس يدرسون مع المسلمين جنبًا إلى جنب دون أي تفرقة. جنى أكبر نتيجة هذه السياسة عددًا من الفوائد، منها أنه استطاع أن يضمن ولاء الراجپوت وتأييدهم، وانتهى خطرهم الذي كان يهدد الدولة، وتحول الهندوس وأمرائهم الراجپوتيون من أعداء للدولة إلى خدّام لها وحُماة لأراضيها. وكانوا أعوانًا له كذلك في القضاء على الفلول الأفغاني المتبقي في الهند. وكان من الحكمة أن يعمل السلطان على الاستفادة من جهود الراجپوت، فقد كانوا عنصرًا حربيًا مميزًا.

علاقته مع النصارى

كان عدد النصارى في الهند خِلال عهد أكبر يصلُ إلى حوالي مائة وخمسين ألفًا من النساطرة الذين اعتنقوا هذا المذهب على يد كهنةٍ سُريان، وتوزَّعوا في المُدن والقُرى المُتناثرة على سواحل الملبار بِخاصَّة، وشكَّلوا طبقةً خاصَّةً مُنعزلةً انطوت على نفسها بِهدف المُحافظة على بقائهم وسط مُحيطٍ بشريٍّ مُوزَّع بين المُسلمين والهندوس. واعترفت البراءات البابويَّة مُنذُ سنة 898هـ المُوافقة لِسنة 1493م لِلپُرتُغاليين بِحق الولاية على المُحيط الهندي وعلى بِحار الصين، وخوَّلتهم حق إنشاء مُطرانيَّات وأُسقُفيَّات، وتعيين أساقفة، والتبشير بِالإنجيل، ولم يكن لِأحد من رجال الدين أن يأتي إلى هذه الديار والمناطق إلَّا بِإذنٍ خاصٍ من ملك الپُرتُغال وبعد أن يُعرِّج على لشبونة وگووه. وأنشأ الپُرتُغاليُّون في گووه مركزًا لِرئيس أساقفة، وكاتدرائيَّة ودير لِلرُهبان الفرنسيسكان، ومعهد لاهوتي لِإعداد الكهنة لِعمل الكِرازة والتبشير بين الهندوس، كما سمحوا لِعددٍ كبيرٍ من المُرسلين، من كُل الدُول الأوروپيَّة، بِالمجيء إلى الأقطار الآسيويَّة والهنديَّة بِخاصَّة، وبذلوا لهم كُل عونٍ وحماية في سبيل تسهيل مُهمَّتهم لِحمل الوثنيين على اعتناق المسيحيَّة. وقام الآباء اليسُوعيُّون بِمجهودٍ كبيرٍ لِلتبشير بِالإنجيل ونشر المسيحيَّة، أمثال الأب فرنسيس اكسافييه النبراني، والأب فالغنياني، الذي شهدت حركة التبشير على يديه نقلةً نوعيَّة في استقطاب الطبقات الدُنيا والمنبوذين، أمثال صيَّادي السمك، وُصُولًا إلى طبقة المُلُوك والأسياد وعلية القوم.

وبِوصفه سُلطانًا مُنفتحًا على الديانات الأُخرى، أراد أكبر أن يطَّلع على فلسفة الدين المسيحي، فأرسل مبعوثًا إلى گووه في سنة 987هـ المُوافقة لِسنة 1579م يطلُب إرسال رُهبانٍ لِشرح الديانة المسيحيَّة، وإطلاعه على الأُسس الفلسفيَّة لِهذه الديانة. استجابت السُلُطات الدينيَّة لِطلب السُلطان في جوٍّ مُفعمٍ بِالسُرُور والطمع في حمل سُلطان المُسلمين في الهند على اعتناق المسيحيَّة. ففي سنة 988هـ المُوافقة لِسنة 1580م، أُرسلت من گووه بعثة، بِرئاسة الأب رودولف أكواڤيڤا والأب مونسرات، فاستقبلهما أكبر بِكُلِّ ترحابٍ واحترام وسمح لهُما بِأن يبنيا كنيسةً في مدينة أغرة، وأظهر إعجابه الشديد بِصُورة المسيح والعذراء، ووضع ابنه سليم تحت رعايتهما لِيُجرِّب أثر المسيحيَّة في عقليَّة طفلٍ صغيرٍ غير مُتعصِّب، لكنَّ التجربة فشلت، إذ لم يُؤثِّر أي شيء في إيمان الابن بِدينه، ومع هذا فإنَّ الآباء لم يلبثوا أن شعروا بِخيبة أملٍ كبيرةٍ لِأنَّ السُلطان لم يكن غنيمةً سهلة، وبعد أن مكثت البعثة ثلاث سنواتٍ في بلاط السُلطان عادت من دون أن تستطيع تحقيق أهدافها. وأُرسلت من گووه بعثتان أُخرتان ولكنها لم تكن أكثر نجاحًا من الأولى، فقد سمح السُلطان لِأعضاء الإرساليَّة الثالثة أن يبنوا كنائس في لاهور وأغرة وأن يقوموا بِالتبشير إن استطاعوا، كما حصلوا على امتيازاتٍ تجاريَّةٍ، وبِذلك أضحت الإرساليَّات التبشيريَّة، إلى حدٍ ما، مُؤسسة دائمة في الدولة المغوليَّة. وأصدر السُلطان أكبر في سنة 1009هـ المُوافقة لِسنة 1600م أمرًا يُجيزُ لِلمُرسلين التبشير بِالإنجيل، كما ترك لِرعاياه الحُريَّة باعتناق المسيحيَّة. وفي سنة 1101هـ المُوافقة لِسنة 1602م أُسِّست أوَّل كنيسة مسيحيَّة في أغرة، ثُمَّ رُخِّص بعدها لِبعض الآباء اليسوعيين بِإنشاء إرساليَّات تبشيريَّة في البلاد الخاضعة لِحُكمه. الواضح أنَّ هدف أكبر، من وراء استدعاء البعثات التبشيريَّة والاحترام العميق الذي أضفاه على النصارى لم يكن دينيًّا بحتًا، والواقع أنَّهُ كان غطاءً لِهدفٍ سياسيٍّ، فقد رغب في كسب ودّ وصداقة الپُرتُغاليين في گووه لِأنَّهم كانوا يملكون مدفعيَّةً ضخمة، ويطمع في مُساعدتهم ضدَّ قلعة عسير الثائرة وضدَّ ابنه سليم الذي خرج عليه، والحقيقة أنَّ أكبر كان دائمًا رجُل سياسة ورجُل دولة أكثر منهُ رجل دين، وتكمن وراء تصرُّفاته دوافع سياسيَّة.

علاقته مع الجاينيين

عقد أكبر جلسات نقاشٍ عديدةٍ مع كهنة الجاينيَّة بين الحين والآخر، وقد تأثَّر ببعض تعاليمهم. كان أوَّل لقاءٍ لِأكبر مع أحد هؤلاء الكهنة عندما شاهد موكبًا احتفاليًّا لِمريدةٍ جاينيَّة تُدعى «چمپة»، بعد أن أكملت صيامها الذي دام ستَّة أشهر، ويُقال أنَّهُ تأثَّر بِقُوَّة إيمانها وتفانيها، فدعا مُرشدُها الگُرو «أشاريا هيراڤيجايا سوري» إلى مدينة فاتح پور، فقبل الأخير دعوته وغادر الگُجرات مُتوجهًا إلى البلاط السُلطاني في المدينة سالِفة الذِكر. تأثَّر أكبر بِعلم المُرشد المذكور وبِصفاته وشخصيَّته، وقيل أنَّ من شدَّة تأثُّره عزف عن أكل اللحم وأصبح نباتيًّا كما أتباع هذه الديانة. كما أصدر عدَّة فرمانات صبَّت في صالح الجاينيين ومُعتقداتهم، كتحريم ذبح الحيوانات في بعض الأيَّام التي يُوافق فيها احتفالاتهم الدينيَّة، كأيَّام الاتحاد (پاريوشانا) ويوم الاحتفال بِمولد مهاويرا (ماهاڤير جايانتي). كذلك، أعفى أكبر أماكن الحج الجاينيَّة، كبلدة «پاليتانة» الگُجراتيَّة من الجزية.

الآراء والمواقف حوله

اختلف المؤرخون والعلماء في تقدير أكبر بعد ابتداعه للدين الإلهي، فأعجب فيه قسم رأوا فيه بشير نهضة أو حركة إحياء هندية كبرى، ونظروا إليه كحاكم مصلح منشئ لإمبراطورية قوية، وأن الدين الذي دعا إليه لم يكن هدفًا في ذاته، وإنما كان وسيلة لهدف أكبر، وهو التوحيد بين طوائف الشعب، والوصول إلى إزالة ما بين الناس من فوارق، ودعم الإنسان لأخيه الإنسان، ليبلغ بذلك قيام التجانس التام في مجتمع بلاده، ولتكوين هند قوية موحدة، فقد كانت السياسة هي دينه، ووحدة أهل الهند تحت سلطانه هي عقيدته. ويرى قسم آخر أن أعمال أكبر لا تتنافى مع الإسلام في شيء، وقصارى أمرها أمور تنظيمية فرعية لا تمس حقيقة الإسلام في شيء، ولا يمكن تكفيره بها، وأن أعماله هذه تدل على وسع أفق أكبر الديني، وأن تاريخه تعرض لعملية تزييف ممنهج من قبل مبغضيه، بقصد تشويه صورته. في الطرف المقابل كان لبعض العلماء والمؤرخين المسلمين موقف مضاد لأكبر، وخاصة من مسلمي الهند -معاصرين وغير معاصرين- وهؤلاء لا ينظرون إلى الدين الجديد باعتباره دين أولًا، ويحكمون على أكبر باعتباره ملكًا مسلمًا دعا إلى دين جديد معظم ما فيه لا يقره الإسلام، فاعتبروه مروقًا وإلحادًا وكفرًا. ويرى قسم آخر أن أكبر مر بثلاثة فترات من الناحية الدينية، فكان في المرحلة الأولى مسلمًا سنيًا، وفي المرحلة الثانية أعلن الدين الإلهي، وفي المرحلة الثالثة رجع إلى الإسلام. ويجلعها آخرون فترتين فقط.

المصدر: wikipedia.org