اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بدأ أبو نواس بمجالسةِ أهلِ العِلم جنباً إلى جنب مع عملِه في البصرة، وكان ممّن تردّدَ على مجالسِهم الراويةُ عمرو بن العلاء، والذي تعلّم منه اللُّغةَ، وضروبَ العلمِ، ومن ثمّ بدأ بمخالطةِ المُجّان في ذلك العصرِ، مثل: والبةَ بن الحباب، وخلف الأحمر، ومطيع بن إياس، فسار على نهجِهم في التهتُّك، والمُجونِ، كما أنّه درسَ عنهم التُّراثَ العربيَّ، والفارسيَّ، وقِيلَ إنّه درسَ في البصرة القرآنَ، والحديثَ، وإنّه قضى ما يقاربُ السنةَ في الصحراءِ يتعلّمُ من البدوِ قواعدَ اللُّغة الصحيحةِ،
أمّا عن معرفةِ أبي نواس للوالبة بن الحباب، فقد كانت عندما مرَّ الوالبةُ بمحلِّ العطارةِ الذي كان يعملُ فيه أبو نوّاس في البصرة، وعندما رآه ظهرَت ملامحُ الفِطنة، والذكاء في وجهِه، وعندها سأل عن اسمِه، وتعرَّف إليه، واصطحبَه معه إلى الكوفةِ، ومنها إلى بغدادَ، وقد فرِحَ أبو نوّاس بصحبَة الوالبة ابنِ الحباب؛ لِما علِمَ عنه من شُهرةٍ في نَظمِ الشِّعر، وقال إنّ أحلامه، وما تصبو إليه نفسُه قد بدأ يتحقَّقُ.
عندما وصلَ أبو نوّاس إلى بغدادَ، بدأ يختلِطُ بالبرامكة، وبآلِ الربيع، وبدأَ بمَدحِ هارون الرشيد، إلّا أنّه لم يلبَث إلّا أن زجّ به الرشيدُ في السجن؛ لأنّه هجا قريش، وكان خلالَ إقامتِه مع هارون الرشيد قد تعلَّق ببعضٍ من جواري القصرِ الجميلات اللواتي كانت له معهنَّ قصصٌ كثيرةٌ، وأشهرها مع جاريةٍ اسمُها جنان، كما كانت له طرائفُ عدّة مع الخليفةِ الرشيدِ نفسِه، ومع زوجتِه، وابنهما الأمين، وعلى الرغم من ذلك، إلّا أنّ الشاعر لم يُحقِّق نجاحاً كبيراً في بلاطِ هارون الرشيد، حيث إنّه بعد أن سجنَه انتقلَ إلى مصرَ، ولازمَ واليها الخصيبَ، ومدحَه، على الرغم من أنّه لم يلبث عندَه فترةً طويلةً؛ إذ هجرَه، وهجاه أيضاً، وعادَ إلى بغدادَ التي كان يشتاقُ إلى مجالسِها، وحياةِ المجونِ فيها.
وفي عهدِ الأمينِ بنِ هارون الرشيد رجعَ أبو نوّاس إليه؛ ليلازمَه، وينظمَ الشِّعرَ له، إلّا أنّ هذه العلاقةَ لم تدُم طويلاً؛ حيثُ سجنَه الأمينُ فترةً من الزمنِ؛ بسببِ خلافٍ شَبّ بينَه وبينَ المأمونِ، ومن الجدير بالذكر أنّ شِعر أبي نوّاس عُرِف بألفاظِه الجديدةِ، والتي كانت تُظهِر روحَ الدُّعابةِ، والطرافةِ، علاوةً على الرقّةِ، والجمالِ، وكان في شِعرِه يُظهِرُ المجونَ، كما كان يُظهِر ما كانت عليه حالُ بيئتِه من استهتارٍ في فعلِ المعاصي، ويمكنُ القولُ إنّ شعرَه بيَّن النظرةَ الساخرةَ له، وعكسَ حياتَه التي أمضاها يسعى خلفَ المتعةِ.