حفلت حياة السلف الكرام -رحمهم الله- بقصصٍ عظيمةٍ ومواقف جليلةٍ، تنمّ عن تمكّن تقوى الله تعالى في نفوسهم وتحلّيهم بها، ومن هذه المواقف ما يأتي:
- خبيب بن عدي: بعث النبي -عليه الصّلاة والسّلام- خبيب وجماعةً من الصحابة رضي الله عنهم؛ ليُعلّموا قوماً ويفقهوهم بالدين، فغدر بهم القوم، وقتلوا الصحابة وأسروا خبيب رضي الله عنه، وباعوه في مكّة المكرّمة بعد معركة بدر، فلبث عندهم مدةَ من الزمن قبل أن يتفقوا على قتله، فطلب من إحدى بنات بني الحارث موساً؛ ليستحد بها، فأعارته، فدخل طفلها الصغير على خبيب، فلمّا شاهدت ابنها وقد أجلسه خبيب على فخذه وبيده الموس، خافت خوفاً شديداً، فقال لها خبيب: (أتخشين أنّ أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك)، وقد روت هذه المرأة فيما بعد، أنّها رأت خبيباً -رضي الله عنه- يأكل العنب، وهو مكبّلٌ بالحديد، ولم يكن في كلّ مكّة يومها عنبٌ، فلما خرجوا به إلى الحرم؛ ليقتلوه، طلب منهم أن يصلي ركعتين، فتركوه فصلّى ركعتين، ثمّ قال: (والله لولا أن تحسبوا أنّ ما بي جزعٌ لزدت، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً)، فقالوا له: أتحب أنّ محمداً مكانك؟ فقال: (والله ما أحب أنّي في أهلي وولدي، وأنّ محمداً شيك بشوكة)، ثمّ أنشد أبيات من الشعر قبل أن يقتلوه رحمه الله، قال فيها:
- ولست أبالي حين أقتل مسلماً
- على أي جنب كان في الله مصرعي
- وذلك في ذات الإله وإن يشأ
- يبارك على أوصال شلوٍ ممزع
- سعيد بن عامر بن حذيم: استعمل عمر بن الخطاب سعيدً بن عامر -رضي الله عنهما- على حمص، ولمّا زار عمر حمص، سأل أهلها: كيف تجدون عاملكم؟ فشكوا إلى عمر بن الخطاب، وذكروا له أربع خصالٍ لسعيد بن عامر، الأولى؛ أنّه لا يخرج إليهم حتى يتعالى النهار، والثانية؛ أنّه لا يجيب أحداً في الليل، والثالثة؛ أنّ له يوماً في الشهر لا يخرج إليهم، والرابعة؛ تأخذه موته من حين إلى آخر، فجمع بينهم عمر بن الخطاب، وسأل سعيد بن عامر عن ذلك، فأجابهم سعيد؛ بأنّه يتأخر في الخروج عليهم؛ لأنّ أهله لا خادم عندهم، فكان يعجن عجينهم، ويخبز لهم، ثمّ يتوضأ ويخرج إلى الناس، وأما عدم إجابته لأحدٍ في الليل؛ فكان يجعل النهار للناس والليل لله عزّ وجلّ، وأمّا بالنسبة لليوم الذي لا يخرج فيه؛ فأجابهم بأن ليس له خادمٌ يغسل ثيابه، وليس عنده ثيابٌ يبدّلها، فكان يغسل ثيابه وينتظر حتى تجفّ، ثمّ يلبسها ويخرج إلى الناس في آخر النهار، وأمّا الغنظة بين الأيام؛ فأجاب بأنّ سبب ذلك؛ أنّه عندما كان مشركاً في مكّة، شهد مقتل الصحابي خبيب بن عدي رضي الله عنه، فكلّما تذكر حال خبيب، وأنّه لم ينصره، ظنّ أنّ الله تعالى لن يغفر له ذلك الذنب أبداً فتصيبه الغنظة.
المصدر: mawdoo3.com