اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يصدر الدكتور بلتاجي في دراساته عن خطة عقلية تهدف إلى تجلية حقائق الفقه الإسلامي في مسيرته الطويلة، منذ عصر الرسالة حتى وقتنا الحاضر، بناها على إدراك واضح للتحديات الحضارية التي يواجهها الفقه الإسلامي في عصرنا الحاضر، حيث تتصارع المذاهب والعقائد والديانات والحضارات، وهو ما يفرض على دارس الفقه الإسلامي والمتخصص فيه مواجهة فكرية ملائمة لجوانب هذا الصراع في وقت تحاول فيه قوى عالمية عاتية، وأخرى محلية خافته ولكنها مثابرة تحاول تهوين صلة المسلمين بتراثهم الفقهي، بالتقليل من شأنه، والسخرية منه، والزعم بعدم صلاحيته لمواكبة الفكر الحضاري الحديث وتطوراته.
من ثم عني في مؤلفاته بإثبات ثراء الفقه الإسلامي في مجالاته المتعددة، التي تحكم الحياة الإسلامية كلها، وخصوبته وإمكانات العطاء المتجددة فيه، وصلاحيته لمواجهة كافة مشكلات الحياة المعاصرة، باجتهادات أصيلة، تقوم على المصادر الأصلية من القرآن والسنة الصحيحة والاجتهاد، وتحقيق أكبر قدر من مصالح الناس وهو في ذلك كله يصدر عن وعي واضح بما يواجه الإسلام من تحديات.
هذه الدراسات الجليلة أهلته لعضوية عدد كبير من اللجان العلمية المتخصصة في مصر وخارجها. ويؤكد أستاذنا الدكتور الطاهر مكي على عظمة شخصية أستاذنا الدكتور بلتاجي قائلا: لقد أمضى الدكتور بلتاجي أربعين عامًا في دار العلوم، لم يفارقها غير سنواتٍ أربع، معارًا لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية، ولم يواصل تكملة السنوات المتاحة له قانونًا، عاد بعدها عاقدا ً العزم على عدم تكرار هذه التجربة مرة أخرى إلى أي بلدٍ نفطي أو خليجي، مهما تكن الظروف، فقد وعى أن تكوينه النفسي والعلمي لا يتوافق مع عمله فيها، حيث تسود اعتبارات اجتماعية وقبلية وطقسية تجعل الحياة فيها لونًا من المكابدة المستمرة مع النفس والأوضاع السائدة هناك.
أتاحت له الأعوام المتتابعة في دار العلوم، أن يكون مدرسة علمية شامخة للدراسات الإسلامية، أصبحت مقصد مئات الطلاب من مختلف بقاع العالم الإسلامي والغربي، من مذاهب مختلفة: سنة وشيعة وإباضية، في مختلف فرقهم يتخصصون في الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية وأصبحت الدراسات الإسلامية في دار العلوم قسيمة لعلوم اللغة والأدب والنقد شهرة وتقديرًا.
إلى جانب ما يتميز به عالمنا الجليل في سبر أغوار المشكلات الدينية. في سهولة ويسر، نأى بجانبه عن كل ما يشوب كرامة العالم، وأحاط نفسه بسور عال من الكبرياء الحقة، يحول بينه وبين الزلفي والملق، أو العمل لغير وجه الله، مراقبة شديدة لضميره وواجبه، عف عن المادة في مختلف مظانها، فما طلبها ولا تكالب عليها، وسبلها معروفة ميسرة لمن يلتمس مطالب الدنيا الفانية، ولم يقبل ولا لحظة واحدة أن يكون من فقهاء السلطة والشرطة، وتكالب عليها كثيرون ليصبحوا وزراء ولو لشهور!