قد بيّن البيضاوي شيئاً من منهجه في التفسير في مقدمة كتابه، ومن خلال هذه المقدمة نستطيع أن نعرف منهجه العام فيما يلي:
- أن البيضاوي لم يقدم على التفسير إلا بعد أن برع في علوم الدين، وصنف فيها قبل أن يؤلف تفسيره، وبذلك حقق اشتراطه للمفسر أن يكون عالماً بالدين أصوله وفروعه.
- مما اشترطه أيضاً أن يكون عالماً باللغة العربية، وقد برع فيها، وألّف فيها قبل تأليف تفسيره، واهتم في تفسيره بالناحية اللغوية، فهو يفسر الآية، ويذكر وجوه الإعراب، والتزم ذلك في الغالب من تفسيره، ومثاله: قوله في أوجه الإعراب في {الۤمۤ}: "واعلم أن الآية تحتمل أوجهاً من الإعراب: أن يكون {الۤمۤ} مبتدأ على أنه اسم للقرآن. أو السورة. أو مقدر بالمؤلف منها، وذلك خبره وإن كان أخص من المؤلف مطلقاً، والأصل أن الأخص لا يحمل على الأعم لأن المراد به المؤلف الكامل في تأليفه البالغ أقصى درجات الفصاحة ومراتب البلاغة والكتاب صفة ذلك".
- ومن منهجه أن يأخذ صفوة ما بلغه عن الصحابة والتابعين والسلف والعلماء.
- ومن منهجه العام: الأخذ بالقراءات السبع المشهورة، ولم يقتصر عليها بل أخذ بالقراءات الشاذة، وعلل ذلك بأنها مروية عن القراء المعتبرين.
- ومن منهجه العام: أن يذكر الآية ويذكر ما يوافقها من القرآن أحياناً، وما يدل عليها من أقوال الرسول ولا يلتزم ذلك دائماً. مثاله: قوله: «وقيل: معناه لا ريب فيه للمتقين. وهدى حال من الضمير المجرور، والعامل فيه الظرف الواقع صفة للمنفي. والريب في الأصل مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة، وهي قلق النفس واضطرابها، سمي به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة. وفي الحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة، ومنه ريب الزمان لنوائبه.»
- ومن منهجه إذا مر بآية فيها أمر عقدي (خاص بالعقيدة) فإنه يذكر أقوال الفِرَق فيها، ويرجح قول أهل السنة الأشاعرة، ويرد على من يخالفه. ومثاله عند قوله تعالى: {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} قال البيضاوي: "{فلا تلوموني} بوسوستي فإن من صرح العداوة لا يلام بأمثال ذلك. {ولوموا أنفسكم} حيث أطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم، واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله وليس فيها ما يدل عليه، إذ يكفي لصحتها أن يكون لقدرة العبد مدخل ما في فعله وهو الكسب الذي يقوله أصحابنا".
- عند ذكره لآيات الأحكام يذكر المذاهب الفقهية فيها باختصار، ويرجح المذهب الشافعي إلا أنه لا يذكر المذهب الحنبلي إلا نادراً، بل يقتصر على المذهب الحنفي والمالكي والشافعي، وهذا هو الغالب في تفسيره. مثاله: قوله: "{معلومات} معروفات وهي: شوال وذو القعدة وتسعة من ذي الحجة بليلة النحر عندنا، والعشر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وذي الحجة كله عند مالك. وبناء على الخلاف على أن المراد بوقته وقت إحرامه، أو وقت أعماله ومناسكه، أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقاً، فإن مالكاً كره العمرة في بقية ذي الحجة. وأبو حنيفة رحمه الله وإن صح الإِحرام به قبل شوال فقد استكرهه".
- ومن منهجه أنه مُقِل جداً من ذكر الروايات الإسرائيلية، وهو يُصَدِّر الرواية بقوله: رُوِي، أو قِيل... إشعاراً منه بضعفها. والإمام البيضاوي كان مقلاً لها ولا يوردها إلا نادراً.
- ومن منهجه أن إذا عرض للآيات الكونية، فإنه لا يتركها دون أن يخوض في مباحث الكون والطبيعة والفلك، ولعل هذه الظاهرة سرت إليه من طريق التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي، الذي استمده منه.
تأثره بعلم الكلام
الإمام البيضاوي من كبار المتكلمين والمتأولين، وقد سار في منهجه في تقرير مسائل العقيدة على منهج المتكلمين بصفة عامة وعلى منهج أهل السنة الأشاعرة بصفة خاصة. والبيضاوي يرى أن معرفة الله واجبة عنده بالشرع خلافاً للمعتزلة الذين يرون وجوبها بالعقل. فقال في تفسيره للآية: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: 2] "ولما كان أول الواجبات معرفة الله سبحانه وتعالى نزل أولاً ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته".
والبيضاوي سار في تعريفه للتوحيد على منهج المتكلمين الذين يرون معنى الواحد هو نفي التبعيض والتركيب والتعدد والتثنية ونفي الجسمية والجهة وغيرها من المصطلحات الكلامية. فقال في قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ (سورة الإخلاص: 1) "واحد بدل أو خبر ثان يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله على جميع صفات الكمال إذا الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية".
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (سورة الفاتحة: 2) "{رب العالمين} الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية: وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل. وقيل: هو نعت من رَبِّه يربه فهو رب، كقولك نم ينم فهو نم، ثم سمى به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه. ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيداً كقوله: {ارجع إلى ربك} والعالم اسم لما يعلم به، كالخاتم والقالب، غلب فيما يعلم به الصانع تعالى، وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده،... وفيه دليل على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها فهي مفتقرة إلى المبقي حال بقائها".
والبيضاوي أثبت رؤية الله للمؤمنين في الآخرة، ورد على المعتزلة في إنكارهم لها، إلا أنه يرى أنها لا تكون مقابلة ولا في جهة شأنه في ذلك شأن الأشاعرة. فقال في قوله تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون﴾ (سورة البقرة: 55) "لفرط العناد والنعت وطلب المستحيل، فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي، وهي محال، بل الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية، وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا".
المصدر: wikipedia.org