اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
جبران خليل جبران هو أديب عربيّ من شعراء العصر الحديث، لمع نجمه واشتهر في الغرب لا سيما في أمريكا كما اشتهر في الشرق، وحمل كلمته كرسالة بكل جرأة، وعبّر عن رأيه بحزم وثبات، وله العديد من المؤلفات الأدبية التي ساهم من خلالها بتطوير الأدب العربي الحديث، حيث اتبع فيها المذهب الرمزي، وأسلوب التشكيل الفني.
ولد جبران خليل ميخائيل سعد في 6 كانون الثاني/يناير عام 1883م في قرية بشرّى الواقعة شمال لبنان، وهو سوري الأصل، وقد نزح أحد أجداده قديماً من دمشق إلى لبنان، وكان أبوه رجلاً فقيراً، وكغيره من سكان القرية كان يعمل في تربية المواشي، أمّا أمّه فهي السيدة كاملة رحمة، وهي سيدة حنونة وعطوفة، وابنة أحد العلماء المسيحيين، قامت بتربية أولادها تربية صالحة، وكان لها دور وأثر كبيرين في حياة وشخصية جبران، إذ كانت تشجعه وتحثه على تنمية موهبته في الرسم، والكتابة الأدبية، وهي التي عرّفته على القصص العربية المشهورة كقصة ألف ليلة وليلة، كما عرفته على أشعار أبي نواس، وظلت تساندة وتدعمه منذ طفولته حتى أصبح أديباً معروفاً ومشهوراً.
بدأ جبران بتلقي تعليمه في سن الخامسة في مدرسة (إليشاع)، وهي مدرسة تدرس مبادئ اللغة العربية، والفرنسية، والسريانية، ثمّ انتقل مع والدته إلى بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث انتسب هناك إلى مدرسة تُعلِّم مبادئ اللغة الإنجليزية، وكان جبران طفلاً شديد الذكاء وطموحاً إلى أبعد الحدود، وقد أُحيط بالكثير من الاهتمام من قِبَل معلميه في المدرسة، لا سيما بعد ملاحظتهم ميوله الفنية المُبشرِّة بمستقبل مشرق، فأمضى فيها ثلاث سنوات، ثمّ عاد إلى لبنان، وانتسب إلى مدرسة (الحكمة) حيث أمضى فيها ثلاث سنوات أخرى أتقن خلالها اللغة العربية، ثمّ اضطر إلى العودة إلى بوسطن بسبب وفاة أمه وأخيه بمرض السل، وفي عام 1908م سافر إلى فرنسا لإتمام دراسته في فنون الرسم في أكاديمية (جوليان) في باريس، وقد حقق هناك نجاحاً كبيراً.
لقد كان لنشأة جبران في أمريكا -التي كانت تشهد آنذاك نهضة فكرية- أثر كبير في شخصيته، فقد شعر بالتناقض بسبب الفرق بين البيئة الغربية والبيئة الشرقية بكل جوانب الحياة الفكرية، والاجتماعية، والسياسية، ما جعله يثور ويسخط على التقاليد والأنظمة التي كانت سائدة في الشرق في تلك الفترة، ويصب جام غضبه عليها، وقد كان جبران واسع الثقافة كثير القراءة لا سيما لكّتاب الغرب أمثال (شكسبير)، والشعراء الرومنسيين أمثال (بليك كيتش)، و(شلي)، و(نتشه)، إضافة إلى قراءته للأساطير الكلدانية، واليونانية، والمصرية، وقد تأثر جبران ببعض شعراء الغرب، وتجلى ذلك بمحاكاة قصائد النثر للشاعر الأمريكي (والت ويتميان)، الذي يُعدّ مبتدع هذا الفن، كما تأثر كذلك بفلسفة (أفلاطون) من حيث الرومانسية والتصوف.
بدأ جبران بنشر مقالاته الأدبية في شهر آذار/ مارس عام 1904م، حيث نشر أول مقال له في صحيفة المهاجر، وكان المقال بعنوان (رؤيا)، وقد أعجب به القراء كثيراً لما اتسم به من جمال في الأسلوب، وسعة في الخيال، ما شجع جبران على نشر سلسلة مقالات أخرى في نفس الصحيفة اتّسمت بالرومانسية، أطلق عليها اسم (رسائل النار)، ونشرت معظم هذه المقالات فيما بعد في كتاب (دمعة وابتسامة)، ثمّ بعد مرور عام نشر مقالاً طويلاً بعنوان (الموسيقى)، بعد ذلك أصدر مجموعتين قصصيتين الأولى بعنوان (عرائس المروج)، والثانية بعنوان (الأرواح المتمردة) عبّر فيهما عن نقمته على المجتمع الإقطاعي الظّالم والفاسد، وعن رفضه لتقييد الحب بتقاليد كان يرى أنّها بالية، وفي نفس تلك الفترة كان قد أقام معرضاً للرسم في بوسطن.
ألّف جبران مجموعة من الكتب باللغة الإنجليزية نوردها مرتبة حسب صدورها كالآتي:
فيما يأتي تلخيص لأهمّ ما يميّز أدب جبران من حيث المضمون والشكل:
عُرِفت الواقعية في العصر الحديث كحركة مهمة في أغلب مجالات الحياة في الأدب، والفن، والفلسفة، والسياسة، وقد ظهرت في فرنسا، وأمريكا، والعديد من دول أوروبا بعد أن ضَعُف المذهب الرومانسي، وقد اختلف الأدباء في معناها، فتشعب الاتجاه الواقعي إلى عدّة اتجاهات اختلفت فيما بينها في المبادئ والأهداف، فظهرت الواقعية الفلسفية التي تقوم على الأساس المادي الذي يربط جميع الأشياء بالواقع، والمعرفة، والطبيعة المستقلة عن العقل والتفكير.
أمّا الواقعية الأدبية فهي تمثيل الواقع كما هو دون إضافات أخرى كالتخيل والرومانسية إلى الروايات والقصص، فقد عمدت على سرد القصص حول الأشخاص والتجارب اليومية الحياتية خاصة حياة الطبقات الوسطى والدنيا في المجتمع، مع ترك الحرية للكاتب لاستخدام عاطفته في تصوير ذلك الواقع، ومن الجدير بالذكر أنّ الواقعية الغربية تختلف عن الواقعية الشرقية، حيث إنّ الواقعية الغربية تنظر إلى الواقع بنظرة تشاؤمية، وتصور انحطاط المجتمع ومآسيه، بينما تعارضها الواقعية الشرقية التي تتسم بنظرة تفاؤلية، حيث إنّها ترفض أن يكون الإنسان مركز الشرور والآثام.
لقد تجلت الواقعية في أدب جبران لا سيما في كتاباته القصصية، حيث استوحى هذه القصص من الواقع، وما يحيط به من آلام البشر ومآسيهم، فهو يطرح القضية بكل أبعادها، ثمّ يشخص العلّة داعياً إلى رفضها ومعالجتها، وقد طرح جبران العديد من القضايا الاجتماعية وقضايا الإنسان المجرد، كقضية ظلم المجتمع للمرأة، وقضية ظلم رجال الدين المتسترين باسم الدين، إضافة إلى طرح القضايا السياسية، كدعوته لأبناء أمته للثورة على الحكم القائم.
أمّا الرومانسية الجبرانية، فقد تجلت في تمجيد الإنسان الذي اعتبره جبران أساس الكون ومحوره، وفي تمجيد الطبيعة التي شغفه حبها، واعتبرها الملاذ الوحيد للإنسان من الحزن، والألم، والظلم، بل واعتبرها الجنة، ودعا الناس إلى العودة إلى أحضانها، كما ظهرت الرومانسية في أدب جبران عن طريق تقمصه لظواهر الطبيعة، إضافة إلى حبه لمناجاة هذه الظواهر، كالليل، والقمر، والبحر، والرياح، وتتجلى رومنسية جبران أيضاً في نغمة الحزن وأنين الألم الدائمة في أدبه.
لقد كان لحب الطبيعة أثر كبير في شخصية وأدب جبران، فقد عاش جبران في أحضان الطبيعة في طفولته في قريته بشرّى التي تتمتع بجمال خلاب لم تصله يد الحضارة ولم تعبث به، فظلت هذه الطبيعة مرتسمة في خيال جبران رغم تنقله في بلاد العالم التي لم يجد فيها جمالاً يضاهي جمال قريته، وقد اتخذ جبران الطبيعة كرموز يُعبّر من خلالها عما يجيش في نفسه من مشاعر وعواطف شتى، واعتبرها ملهمة لدروس الحياة والحب والإخلاص.
كما استخدم جبران الطبيعة لبيان جمالية المكان، ولأخذ القارئ إلى عالم من صنع الخيال، بعيد عن الواقع الذي نعيش فيه، حيث يجد فيه كل ما يتمناه في واقعه، وما يحلم به من آمال وأمانٍ، فأحيا جبران الطبيعة وجعلها ذات شعور وإدراك مستوحياً منها الأفكار والخواطر والعبر، واستطاع بخياله المجنح ومقدرته الفذة أن يستنطقها معبراً بلسانها عن الحب والجمال، كما اعتبر جبران الطبيعة ملجأ للإنسان من هموم الحياة ومبعث السعادة والسرور في القلوب.
تأسست الرابطة القلميّة في نيويورك عام 1920م على يد نخبة من أدباء المهجر، وعلى رأسهم جبران خليل جبران الذي تولى رئاستها، وميخائيل نعيمة الذي كان مستشاراً لها، أمّا أعضاءها، فهم: إيليا أبو ماضي، ورشيد أيوب، ونسيب عريضة، وندرة حداد، وعبد المسيح حداد، ثمّ انضم إليها فيما بعد أحمد زكي أبو شادي، وكانت جريدة السائح تتولى مهمة نشر أخبارها وأشعارها، والحديث عن نشاطاتها، وجهودها المبذولة في التجديد.
وقد اتخذ شعراء الرابطة من كتاب (الغربال) لميخائيل نعيمة دستوراً للرابطة ولمذهبهم الشعري، وقد ظهر فيه التأثر بالرومانسية الغربية التي أصبحت سمة من سمات الشعر العربي الحديث، ويظهر هذا التأثر جلياً من خلال المعايير التي وضعها ميخائيل نعيمة للشعر وقرنها بحاجات الإنسان النفسية وهي: الحاجة إلى الإفصاح، والحاجة إلى الحقيقة، والحاجة إلى الجمال، والحاجة إلى الموسيقى، وجعل ميخائيل هذه المقاييس هي مقياس جودة الشعر، وقد امتثل أعضاء هذه الرابطة لها، وأخذوا على عاتقهم أمر التجديد في الشعر العربي، فقاموا بحملة عنيفة ضد الدين، واللغة، والتقاليد، ونادوا بالتحرر من اللغة التقليدية في الشعر، وبالرومانسية، والتصوف، والتأمل في أسرار الحياة والوجود، وقد سعى أعضاء الرابطة لأن يكون أدبهم حراً من كل قيد، فسطع نجمهم وحققوا شهرة عالمية واسعة.
توفي جبران خليل جبران في نيويورك في 10 نيسان/إبريل عام 1931م، وعن عمر يناهز 48 عاماً، نتيجة إصابته بمرض السل وتليف الكبد، وكانت رغبة جبران أن يدفن في لبنان، لذلك فقد نقل رفاته عام 1932م إلى لبنان حيث دفن في صومعته القديمة، والتي عرفت فيما بعد بمتحف جبران، وكان قد أوصى أن تكتب هذه الجملة على قبره: (أنا واقف الآن إلى جانبك؛ فأغمض عينيك والتفت تراني أمامك).