اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وجَّه هكسلي أبحاثه لمدة عقد من الزمن نحو العلاقة بين الإنسان والقردة، الأمر الذي أدى لاصطدامه بشكل مباشر مع ريتشارد أوين، كانت محاضرة هكسلي حول جماجم الفقاريات التي ألقاها أمام الجمعيَّة الملكيَّة عام 1858 هي نقطة البداية في ذلك، فقد رفض فيها نظريَّة أوين التي تقول إنَّ عظام الجمجمة والعمود الفقري متماثلان، طوَّر هكسلي أفكاره ما بين أعوام 1860 – 1863 وقدَّمها في محاضرات إلى الطلاب وعامة الناس ونشرها لاحقاً بشكلٍ مكتوب، وفي عام 1863 نشر أشهر أعماله "مكانة الإنسان في الطبيعة" وهو الكتاب الذي يناقش القضايا الرئيسيَّة لنظريَّة التطور، وكان تشارلز داروين قد ضمَّن كتابه الشهير أصل الأنواع بعض التلميحات عن هذا الموضوع مثل قوله: "في المستقبل البعيد سيتمُّ إلقاء الضوء على أصل الإنسان وتاريخه" ، ولكنَّ ذلك لم يكن بعيداً ففي عام 1857 قدَّم ريتشارد أوين نظريَّته القائلة بأنَّ الإنسان قد تمَّ تمييزه عن جميع الثدييات الأخرى من خلال امتلاكه لميِّزات غريبة في الدماغ، وهكذا فصله عن بقيِّة الأنواع اعتماداً على هذا الاستنتاج، ولكنَّ هذا الرأي قد بقي شاذاً ولم يدعمه بقية علماء الأحياء.
أثير هذا الموضوع مرَّةً ثانية في اجتماع جامعة أكسفورد عام 1860 عندما تجادل هكسلي وأوين بشكلٍ حاد، ووعد هكسلي بتقديم الأدلة في اجتماعات لاحقة، ونظَّم بالفعل عدداً من المحاضرات في هذا المجال، وفي عام 1862 في اجتماعٍ علمي في جامعة كامبريدج قدَّم ويليام فلاور صديق هكسلي تشريحاً عاماً قارن فيه بين القرد والإنسان وأظهر أنَّ العديد من بنى الدماغ عند الإنسان موجودة بالفعل لدى القرود، وتمَّ نشر هذا البحث على نطاقٍ واسع واعتبر دليلاً كبيراً على خطأ أوين الفادح وعدَّ هكسلي كواحد من أهم علماء التشريح والأحياء، من جهته اعترف أوين بهذا التشابه ولكنَّه قال بأنَّ هذا البنى في دماغ القرد أصغر وأقلُّ تطوراً.
لاحقاً قام هكسلي بتلخيص أفكاره حول هذا الموضوع ونشرها على شكل ورقة علميَّة في مجلة التاريخ الطبيعي في يناير من العام 1861 وقيل بأنَّها الورقة العلميَّة الأكثر عنفاً التي كتبها خلال حياته، وأعيدت طباعتها لاحقاً باعتبارها الفصل الثاني من كتابه مكانة الإنسان في الطبيعة مع تفاصيل النقاش الذي دار بين هكسلي وأوين حول دماغ القردة.
كان هذا النقاش المطوَّل حول دماغ القرد والمدعوم بالأدلَّة التشريحيَّة والمؤتمرات والاجتماعات علامة بارزة في حياة هكسلي المهنيَّة، وأوضح بشكلٍ جلي هيمنته على علم التشريح المقارن وعلم الأحياء التطوري في بريطانيا وأوروبا، وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنَّ هكسلي لم يكن مُقلِّداً أو تابعاً لتشارلز داروين بل كانت لكلٍّ منهما شخصيَّة مستقلة ومختلفة عن الآخر، فداروين كان عالماً طبيعيَّاً بالدرجة الأولى بينما كان هكسلي عالم تشريح وأحياء يعتمد على التجربة بشكلٍ كبير من أجل ذلك كان من الطبيعي أن يكون لكلٍ منهما وجهة نظر مختلفة في العلوم الطبيعيَّة.