اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تناولت التراجيديا بوجه عام قضايا السلوك الإنساني الناتج عن طبيعة " الإيديولوجية " التي ينتمي إليها " الفرد " ، و يتصرف بوحي منها ، سواء أكانت عقيدة متصلة بالدين أم فكرا خاصا يعتنقه الفرد بحيث يؤثر علي سلوكه و مواقفه التي تتصف غالبا بالثبات والقوة . لذلك فإن اهتمام التراجيديا كان منصبا في المقام الأول علي تصوير الإنسان " الفرد " أمام ما يعصف به من نوازع داخلية و أهواء ، و هل يستطيع الصمود أمامهم بعقله أم سينهار رغم حكمته ؟ و كذلك اختارت التراجيديا أبطالها من البشر المتفردين في صفاتهم و سلوكهم . فأرسطو يقصد بالأشخاص الأسمي أولئك الأكثر اختلافا عن الجمهرة ، والأقدر علي الاستجابة للأحداث والتأثير فيها ، ذوي المواقف القادرين علي تحمل تبعات تصرفاتهم بشجاعة مهما كانت بشاعة مصيرهم . لكن هؤلاء الأشخاص رغم سلوكهم المتميز لهم هفواتهم و سقطاتهم التي تقودهم إلي ارتكاب الإثم ، و مثل هذه الهفوات هي التي تحدد مصيرهم ، لأنهم في سبيل فرض وجهة نظرهم مضطرون للصدام مع قوى أخري دون تبصر أو روية .
إن شخصيات التراجيديا -كما يقول أرسطو- خيرة وسامية أكثر من كونها شريرة . و وضعها في الإطار الدرامي معناه تصحيح سلوكها وردها إلي التوازن ، لأن هدف التراجيديا هو إيجاد صيغة أفضل للعلاقات الإنسانية في المجتمع ، علي أساس التصالح بين الرغبات والدوافع التي تحرك البشر في سلوكها ، و يتم هذا عن طريق نبذ التطرف والتخلي عن الفردية التي تدفع حتما إلي الصدام و إلي ارتكاب الإثم ، و عن طريق إرساء الاعتدال والموضوعية محلها ، لأنهما أساس روح الجماعة و روح التعاون بين البشر .
التراجيديا-إذا- تتعمق داخل النفس البشرية " للفرد " لتصل إلي أغوارها و تعرف كنه ما يحركها ، و تعتقد أن صلاح الجماعة يتوقف علي صلاح " الفرد " ، و لجلال موضوعها فإنها تعالج الجانب الجاد من الحياة ، و تري أن علاج الخطأ ينبغي أن يكون بالعقاب فلا يفل الحديد إلا الحديد .
لذلك فإن التراجيديا اتخذت التطهير هدفا لها ، والتطهير هدفه التغيير من خلال " الفرد " ، فكل مشاهد للتراجيديا يعتقد أن التطهير إنما هو علاج له بمفرده ، لأنه يري ذاته بكل أعماقه و هي تعرض أمامه ، لأنه يحس بأنه أمام مشكلة " فردية " تماما ، و مع ذلك فهي في المقام الأول إنسانية في عموميتها .
أن الدموع التي يذرفها المشاهدون للتراجيديا ليست تسليما منهم بالعجز ، بل هي إشفاق علي مصير صنو لهم في الإنسانية والظروف ، و هذا الإشفاق شعور إنساني رحيو و ليس سلبيا كما تصور البعض مثل تصور " بريخت " أن التراجيديا تستنفذ قدرة المشاهد علي الفعل حينما تورطه في أحداث العمل المسردي ، و نغمره في خضم التجربة الماثلة أمامه ، ليعايش أحداثا مقترحة و ليست واقعية ، فيخرج من المسرح مستريحا لكنه سلبي فاقد للقدرة علي الفعل ، حيث أنه افرغ شحنته العاطفية أثناء مشاهدته العرض المسرحي .
أماالتراجيديا فتهدف إلي الحد من رغباتنا المتطرفة و نوازع الشر الكامنة في نفوسنا ، و هذا لا يتأتي إلا بهزها هزا من الأعماق حتى ترق مشاعرنا ، و حتى نصبح أكثر رحمة و تعاطفا ، و أقل غلظة و قسوة ، و بهذه الطريقة تصبح دموعنا مطهرا لنوازع الشر الآثمة التي تراودنا بين الفية والأخري من أجل التسلط علي الآخرين و سحقهم .
أن التراجيديا تحاول جاهدة الحد من الأنا المتسلطة والمتضخمة التي تدفع الإنسان للغطرسة والتطرف . و ترمي إلي تحمل الإنسان علي الاعتراف لعقم الشر ، و عدم جدوي التسلط ، و لا مشروعية الغرور والتطرف ، والفاجعة التي تحل بالبطل في التراجيديا ذات مغزي ، لأنها تسحق غروره و تمحق غطرسته ، و هي نذير بالتحول في شخصيته و يبشير بكشف الغمة عن بصره ، لأنه بعدها سيصبح أكثر وضوحا في رؤيته ، و أكثر تعقلا في أحكامه .
التراجيديا لا تنتظر وقوع الإثم كي تعالجه ، بل هي تتفق مع المثل القائل " الوقاية خير من العلاج " لأنها تبغي تطهير النفس مما قد ينتابها من نوازع الشر التي لا تكون في العادة قد ظهرت في السلوك ، و معني ذلك أن التطهير علاج وقائي للمثالب و ليس عقارا لمقاومة المرض .