اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وجوب اللطف المسوق في هذا البرهان هو الذي تقتضيه الحكمة الإلهية؛ لأنه لا هدف من التكليف سوى أن يؤدي المكلفون الواجبات، ويتركوا المحرمات؛ كي يبلغوا كمالهم المطلوب (= القرب من الله، والسعادة، والفلاح). ومن هنا، إذا كان هناك فعل من قبل الله له دور مؤثر في تحقيق هذا الهدف من دون أن يمس باختيار المكلفين، فإن الحكمة الالهية توجب ألا يحرم الله المكلفين منه؛ لانه في غير هذه الحالة سيستلزم الامر نقضاً للغرض. ونقض الغرض قبيح عقلاً، ويستحيل على الله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق وأراد لهم السعادة الدنيوية والأخروية، وعلم أن سعادتهم في الدارين لا تتحقق إلا بإرسال الرسل ونصب أئمة الهدى، فإذا لم يبعث فيهم رسلا، ولم ينصب إليهم أئمة، فإنه قد نقض غرضه من خلق الخلق. ونقض الغرض قبيح عقلاً، فإن العقلاء يذمون فاعله ويوبخونه عليه، والقبيح لا يصدر من المولى الحكيم جل وعلا. وبالتالي: فإنّ معنى هذا الوجوب العقلي درك العقل حسن إرسال ونصب الإمام، إذا بذلك يعرف الله ويعبد، وهذا هو الغرض من الخلقة حيث قال سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون)، ولو تركه لكان ناقضاً لغرضه. فسقط منع وجوب اللّطف. ومن هنا يتضح أنّ معنى كون اللطف قاعدة عقلية أن العقل يدرك - بقطع النظر عن نصوص الدين - أنه يستحيل على العليم الحكيم القدير عز وجل أن يترك مخلوقاته بدون هداية؛ بل إن من أفعال الله الثابتة - بمقتضى صفاته -، أنه يلطف بعباده فيبعث الأنبياء والأوصياء لهدايتهم. وهذا معنى قولهم: يجب اللطف على الله. وتعبيرهم وإن كان ثقيلاً وكأنه يفرض شيئاً على الله، لكنه يعني أن ذلك مما يدركه العقل من قوانين فعله تعالى.