اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ابتدأت السورة بذكر النبي زكريا وبيان رحمة الله لهذا النبي في قوله: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ، فزكريا كان يكفل مريم ويرعاها في محرابها في بيت المقدس، وكان يرى دائماً عند مريم رزقاً من طعام، فيكون الوقت صيفاً فيجد عندها فاكهة الشتاء، ويكون الوقت شتاءً فيجد عندها فاكهة الصيف، على الرغم من أنها لا تخرج من خلوتها، فقد ذكر ذلك في سورة آل عمران: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ . فثارث في قلبه مشاعر الأب فتوجه إلى الله يسأله الولد قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ، وذلك على الرغم أنه قد تقدم به العمر، وأخذ الشيب من رأسه كل مأخذ، وكذلك كانت زوجه قد تقدم بها السن، ولم تلد له من الولد ما تقر به عينه. وهنا تأتي الملائكة وتبشره بغلام قد اختار له الله اسم "يحيى"، ويعني اسمه "الحياة"، ولم يُسمّى أحدٍ بهذا الاسم من قبل، وقد اندهش زكريا أن ينجب وهو عجوز وامرأته لا تلد، فردت عليه الملائكة بأن الله قادر على كل شيء. وسأل زكريا ربه آية أو معجزة له، فأخبره الله أنه ستجيء عليه ثلاثة أيام لا يستطيع فيها النطق رغم أنه سيكون صحيح المزاج غير معتل، فإذا حدث له هذا أيقن أن امرأته حامل، وأن معجزة الله قد تحققت، وعليه ساعتها أن يتحدث إلى الناس عن طريق الإشارة، وخرج زكريا يوماً على الناس وأراد أن يكلمهم، فاكتشف أن لسانه لا ينطق، فعرف أن معجزة الله قد تحققت. وأوحى إليهم أن يسبحوا الله كثيراً في الصباح والمساء.
ووُلِدَ يحيى وكبر، وصار مثالاً للزهد بين بني قومه بأنه يبر والديه يعطف على الجميع ومُحب للخير، فأوحى له الله وعظّم شأنه: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ، وقد وردت قصه رواها عبد الله بن المبارك: «قال الصبيان ليحيى بن زكريا : اذهب بنا نلعب، فقال : ما للعب خلقنا، قال: وذلك قوله "وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا "». وقد ذكر الحافظ بن كثير أن «الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار. وقد كان سنه إذ ذاك صغيراً، فلهذا نوّه بذكره، وبما أنعم به عليه وعلى والديه». ولأجل ذلك سلّم الله عليه في قوله: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا .
وتروي السُنّة النبوية عن تلك الآية أنه في يوم من الأيام التقيا يحيى وعيسى، فقال عيسى ليحيى : «استغفر لي يا يحيى، أنت خير مني»، فرد يحيى: «استغفر لي يا عيسى، أنت خير مني»، فرد عيسى : «بل أنت خير مني، سلمت على نفسي وسلم الله عليك». وهذا لا ينكر أن عيسى أعلى مقاماً في النبوة من يحيى، فعيسى المسيح من الخمسة الأولي العزم من الرسل، وهم أكمل الرسل والأنبياء، وهو مذكور في سورة الأحزاب من ضمنهم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا .