اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
نشأت مسألة القول بخلق القرآن في أواخر عهد الخليفة العبّاسي المأمون، واستمرت طيلة عهد المعتصم والواثق، وبقيت في أوائل عهد المتوكل، وسبّبت فتنةً عظيمة بين أهل السنة والمعتزلة، واندلعت نارها وعمّ خطرها. حيث تمكّن المعتزلة الذين برزوا في عهد المأمون والتفّوا حوله كبشر المريسي وثمامة بن الأشرس وأحمد بن أبي دؤاد من إقناع الخليفة باعتناق الاعتزال وحمله على القول برأيهم أن القرآن مخلوق، وتمكّن القاضي أحمد بن أبي دؤاد أن يغري الخليفة بحمل الناس على هذا القول فكتب المأمون إلى أمراء الأمصار أن يمتحنوا علماء الأمة بهذه المسألة، فمن أجاب فقد سَلِمَ من الأذى، ومن خالف كان جزاؤه الأذى والتنكيل.
وامتُحن بذلك أئمة كبار كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، والنضر بن شميل وأحمد بن نصر الخزاعي الذي قُتل ويوسف بن يحيى البويطي الذي مات في السجن وغيرهم، فصبر بعضهم ورفض أن يقول بخلق القرآن فعُذّب بعضهم وحُبس بعضهم وقُتل البعض وأجابه بعضهم. وشغلت هذه الفتنة المسلمين نحو خمس عشرة سنة إلى أن انتهت في زمن المتوكل.
وقد أصاب البخاري طرفٌ من هذه الفتنة، فعندما دخل البخاري نيسابور استقبله الناس بالحفاوة والتكريم والتعظيم، قال محمد بن يعقوب الأخرم: «سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل ركبانا على الخيل، سوى من ركب بغلا أو حمارا وسوى الرجالة.» والتفّ الناس وطلاب العلم والمحدّثون حوله حتى هجروا مجالس المحدّثين الآخرين مما كان سببا في إيغار صدور البعض عليه. فأرادوا صرف الناس عنه فشغبوا عليه بمسألة خلق القرآن، قال أبو أحمد بن عدي الجرجاني: «ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور واجتمع الناس عليه حسده بعض من كان في ذلك الوقت من المشائخ لما رأى من إقبال الناس عليه فقال لأصحاب الحديث إن محمد بن إسماعيل يقول اللفظ بالقرآن مخلوق فامتحنوه فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أو غير مخلوق فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثا فالتفت إليه البخاري في الثالثة فقال القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة فشغب الرجل وشغب الناس وتفرقوا عنه.»
وقد ذكر العلماء والمؤرخون أن محمد بن يحيى الذهلي كان أحد من دخله الحسد بسبب اجتماع الناس على البخاري، وكان الذهلي أحد كبار محدّثي نيسابور وأحد شيوخ البخاري. قال مسلم بن الحجاج: «لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فَعَل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثة. فقال محمد بن يحيى في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدا فليستقبله. فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء، فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شيء من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه، وقع بيننا وبينه، ثم شمت بنا كل حروري، وكل رافضي، وكل جهمي، وكل مرجئ بخراسان. قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل، حتى امتلأ السطح والدار، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث، قام إليه رجل، فسأله عن اللفظ بالقرآن. فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا. فوقع بينهم اختلاف، فقال بعض الناس: قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل، حتى تواثبوا، فاجتمع أهل الدار وأخرجوهم.» وعلّق جمال الدين القاسمي على هذه الحادثة قائلاً: «إن نهي الذهلي عن سؤال البخاري عن شيء من الكلام فيه تلقين للفتنة وتعليم لمثارها وفتح لبابها.» وروى الخطيب البغدادي قال: «أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضبي، قال: سمعت محمد بن حامد البزاز، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جابر، يقول: سمعت محمد بن يحيى، يقول: لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، قال: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه، قال: فذهب الناس إليه واقبلوا على السماع منه، حتى ظهر الخلل في مجالس محمد بن يحيى فحسده بعد ذلك وتكلم فيه.»
وإثر ذلك وبعد ما صار بين البخاري والذهلي من الاختلاف فقد هجر الكثير من الطلاب مجالس البخاري وأطاعوا الذهلي لما كان له من قدر المكانة والمنزلة العظيمة في بلده نيسابور. وثبت مع البخاري تلميذه الإمام مسلم بن الحجاج وكان مسلم أيضًا يناضل عن الإمام البخاري حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه، فترك شيخه الذهلي ولازم البخاري. قال الحاكم النيسابوري: «سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما استوطن محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إليه، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس عن الاختلاف إليه، حتى هجر وخرج من نيسابور؛ في تلك المحنة قطعه أكثر الناس غير مسلم فإنه لم يتخلف عن زيارته، فأنهى إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبه قديماً وحديثاً وأنه عوتب على ذلك بالعراق والحجاز ولم يرجع عنه، فلما كان في يوم مجلس محمد بن يحيى قال في آخر مجلسه: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته وقام على رؤوس الناس، وخرج من مجلسه، وجمع كل ما كتب منه وبعث به على ظهر حمال إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت تلك الوحشة وتخلف عن زيارته.»
وغادر البخاري نيسابور بعد هذه الحادثة درءاً للمفاسد ووأداً للفتنة وإيثاراً للسلامة في دينه، قال أحمد بن سلمة النيسابوري: «دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، هذا رجل مقبول، خصوصا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه، فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد). اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور شرا ولا بطرا ولا طلبا للرياسة. وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير. يا أحمد إني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه لأجلي. قال: فأخبرت أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري. كنت معه حين خرج من البلد. وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره.»
قال الذهبي معلّقاً وموضّحاً موقف البخاري من المسألة: «وأما البخاري، فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال:ما قلت: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم، وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله، غير مخلوق. وصنف في ذلك كتاب (أفعال العباد) مجلد، فأنكر عليه طائفة، وما فهموا مرامه كالذهلي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي بكر الأعين، وغيرهم.» ونصر ابن القيّم مذهب البخاري في المسألة وصرّح بأن البخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب فيها من جميع من خالفه. قال: «قول السلف وأئمة السنة والحديث، أنهم يميزون بين ما قام بالعبد وما قام بالرب، والقرآن عندهم جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، وأصوات العباد وحركاتهم، وأداؤهم وتلفظهم، كل ذلك مخلوق بائن عن الله. فإن قيل: فإذا كان الأمر كما قررتم فكيف أنكر الإمام أحمد على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وبدعه ونسبه إلى التجهم، وهل كانت محنة أبي عبد الله البخاري إلا على ذلك حتى هجره أهل الحديث ونسبوه إلى القول بخلق القرآن. قيل: معاذ الله أن يظن بأئمة الإسلام هذا الظن الفاسد، فقد صرح البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) وفي آخر (الجامع) بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال البخاري: وقال أحمد بن الحسين حدثنا أبو نعيم حدثنا سليم القاري قال سمعت سفيان الثوري يقول: قال حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا فلان المشرك أني بريء من دينه، وكان يقول: القرآن مخلوق، ثم ساق قصة خالد بن عبد الله القسري وأنه ضحى بالجعد بن درهم وقال إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه. هذا مذهب الإمام البخاري ومذهب الإمام أحمد وأصحابهما من سائر أهل السنة، فخفي تفريق البخاري وتمييزه على جماعة من أهل السنة والحديث، ولم يفهم بعضهم مراده وتعلقوا بالمنقول عن أحمد نقلا مستفيضا أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي: ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع، وساعد ذلك نوع حسد باطن للبخاري لما كان الله نشر له من الصيت والمحبة في قلوب الخلق واجتماع الناس عليه حيث حل، حتى هضم كثير من رياسة أهل العلم وامتعضوا لذلك، فوافق الهوى الباطن الشبهة الناشئة من القول المجمل، وتمسكوا بإطلاق الإمام أحمد وإنكاره على من قال لفظي بالقرآن مخلوق وأنه جهمي، فتركب من مجموع هذه الأمور فتنة وقعت بين أهل الحديث.»