اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
سمعتْ مريم الضجةَ حين كانت تغسلُ آخر قطعةٍ من ملابس حسن. البقعُ القذرةُ لم تكن تنزاح إلا بصعوبةٍ بالغة. لقد اختار البقعةَ الطينية والمستنقعات للعبهِ. فزعَ قلبُها للضجةِ. في البدءِ أنصتت إلى فرامل قويةٍ عنيفةٍ، ثم تعالى صراخٌ من مكانٍ ما. بكى طفلٌ في مكانٍ بعيد، وانتشرَ لغطٌ شاملٌ وسمعتْ جرياً مفزوعاً.
ألقتْ القطعةَ وأنصتت إلى الأقدام والكلمات. تجمدتْ أنفاسها وأحست بقلقٍ وخوف. غسلتْ يديها من بقايا الصابون وأرهفت السمعَ إلى الضجةِ التي راحتْ تقتربُ رويداً رويداً. أمسكتْ الجدار وتمنت أن تعبر هذه الأقدامُ العجولةُ الصاخبة بابها. غسلتْ وجهَهَا فارتجفتْ شفتاها وكان جسدُهُا كلهُ ينتفض. كانت تريدُ أن تصرخ فلم تعُدْ تتحملُ عبءَ هذه الثوان. الضجةُ تقتربُ وتتوقف عند الباب. فتح أحدُ الأولاد الضلفةَ ودخل، إنه يشيرُ بيدهِ إلى الخارج وتتعثرُ الكلماتُ في فمه. دخل الآخرون وسمعت:
- حسن مات.
لم تعدْ تستطيع أن تتكلم. أمسكتْ الجدار. حدقتْ عيناها في هذا الجمعَ المجنون ذي الرؤوس الكثيرة، كالنخلِ المقطوع الملُقى في الطرقات. كقطعِ الملابس الكثيرة التي تناثرت في الحوش فجأةً، دون أن تعرف كيف تطايرت هناك. إنهم يكذبون، وحسن سوف يندفعُ بغتةً من بين الجمع ضاحكاً ويرتمي في حضنها.
سينبثقُ من بين غابة الأطفال، قلبها لا يحتملُ، وبطنها يعاني نطفةً أخرى تنمو في أحشائها. لكن الصمتَ كان حاداً، وكأن هؤلاء الصغار صاروا فجأة رجالاً كباراً جادين، عيونهم تشيرُ إلى شيءٍ ما مخيف. أهي حقيقةٌ فعلاً؟!
صرختْ واندفعتْ بينهم، لم تحسْ أنها داستْ على قدمِ أحدهم. وجدتْ نفسها تركضُ وحيدةً في الزقاق الضيق المؤدي إلى الساحة. رأت المكان عامراً بالرجال والنساء.
اقتربت فانفتح الجمعُ على مصراعيه، وظهرت شجرةٌ وحيدةٌ عجفاء، ليس فيها سوى أغصانٍ يابسة، ووراءها مباشرة جلستْ الشمسُ على رؤوس جذوع النخيلِ الباقيات.
كان الصمتُ يشملُ البيوتَ والنمل. توقفت الحركةُ وخرس الكون.
لا وجودَ لحسن في هذه الأرضِ السوداء التي حرثتها أقدامُ الصغار فأورقت دماً. ليس من المعقول أن يموتَ هكذا. تذكرتْ، وهي تتقدم، أنها سمعتْ صوتَ فرامل عنيفة، ولكن الشارع بعيدٌ بعيد.
ووجدتهُ نائماً قرب الشجرة. أهذا هو الميت الذي يقولون عنه؟! رأتْ بقعةَ دمٍ على ثوبهِ. اقتربت، وجهه لم يتغير، كأنه يبتسم، بل هو يعضُ على شفتهِ السفلى من الألم، تجمدَ في هذه اللحظةِ الفزعة .
قالتْ:
- هيا أنهضْ يا حسن!