اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قدم جودت سعيد من خلال كتابه (مذهب ابن آدم الأول ـ أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي) تصوره لفكرة نبذ العنف في العمل الإسلامي، وقد اهتم بشرح قصة ابني آدم الواردة في القرآن واستنباط فكرة اللاعنف في الإسلام منها ومن أحاديث نبوية أخرى. ومفاد القصة أن ابني آدم قربا قرباناً، فتم قبول قربان أحدهما ورفض قربان الآخر، فهدد الأخير بقتل صاحبه، بينما رفض الأول الرد على عنف أخيه أو حتى الدفاع عن نفسه.
ظهر الكتاب في منتصف الستينيات من القرن العشرين، قبل بروز التيار الإخواني في سورية ووقوع حوادث العنف والاعتقالات الواسعة، ولعل تجربة جودت سعيد في مصر، ومشاهدته لما جرت عليه الأمور بين السلطة والإخوان، جعله يتوقع تكرار نفس التجربة في سورية، ولم يكتب جودت سعيد كتابه إلا بعد أن جرى اعتقاله على خلفية نشاطه الفكري، وبعد تجربة الاعتقال شعر أن من الضروري توثيق بعض الأفكار التي كان يفكر بها وخصوصاً المتعلقة باللاعنف، فكان كتاب مذهب ابن آدم الأول.
وقد بين جودت سعيد في كتابه الفروق بين الجهاد في مرحلة بناء الدولة، وبين الجهاد بعد ذلك، وكان هذا في معرض رده على بعض الشبه المثارة حول فكرة اللاعنف وتناقضها مع الجهاد بمعنى القتال، وهو ما ثبت أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد مارسه أثناء دعوته. ويأتي الجهاد في مرحلة بناء الدولة أو الحكم الراشد أو الديمقراطية جهاداً لا عنفياً حصراً حسب جودت سعيد، فلا يجوز الوصول إلى السلطة والحكم بالقوة وبالسيف، فكل من أخذ بالسيف بالسيف يهلك، والتغيير بالقوة لا يغير المجتمع وإنما يذهب هرقل ويأتي هرقل، ولذلك فقد منع الرسول (صلى الله عليه وسلم) أصحابه من الدفاع عن أنفسهم أثناء وجودهم في مكة، وإنما سمح لهم الجهاد بالسيف بعد أن تشكل المجتمع الراشد في المدينة بدون ممارسة عنف وإنما بإقناع الناس، وعندما يتشكل المجتمع الراشد يصبح من واجبه نصرة المظلومين والدفاع عن سلامته.