اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان عُثمان مُلتزمًا بتطبيق العادات والتقاليد التُركيَّة القديمة التي احتفظ بها التُرك لِعدم تعارضها مع الشريعة الإسلاميَّة. ومن تلك العادات عادة قبليَّة يفتح بِمُوجبها سيِّد القبيلة بيته للنهب في السَّادس من أيَّار (مايو) من كُل سنة، وهو اليوم الذي التقى فيه الخضر بالنبي إلياس وفق بعض الروايات أو الأساطير، واعتُبر يومًا خيرًا تفيضُ به الخيرات والبركات، وبناءً عليه كان سيِّد القبيلة وزوجته يخرُجا من البيت من دون أن يأخذا شيئًا معهُما؛ ولو كان دبُّوسًا، فيهجم أفراد القبيلة على البيت بعد خُروجهما، ويأخذون ما تيسَّر من متاع. وكانت هذه العادة تُسمَّى «فتح بيت السيِّد» أو «نهب بيت السيِّد». وكان عُثمان مُلتزمًا بهذا التقليد، فيفتح بيته مرَّة في السنة للنهب. أمَّا سبب اعتبار تلك العادة غير مُتعارضة مع الشريعة فهو أنَّ سيِّد القبيلة تنازل طوعًا عن مُمتلكاته لأفراد قبيلته، ليأخذ منها كُل شخص نصيبه المكتوب. وقد استلهم الشاعر توفيق فكرت من قضيَّة «نهب بيت السيَّد» فكرة قصيدته التي يهجو فيها أعضاء حزب الاتحاد والترقي لِكثرة نهبهم الدولة.
تتفق المصادر جميعها على أنَّ عُثمان الأوَّل كان رجلًا قنوعًا جدًا، ومُحبًا للعطاء وليس الأخذ. ومن عاداته أنه كان يهب أصحاب الحاجة كُل ما يغنمه في الغزوات. وصفه المُؤرِّخ قُطب الدين النهروالي قائلًا: «وَكَانَ لِلسَّيفِ والضَّيفِ كَثِيرُ الإِطعَام فَاتِكُ الحُسَام، كَثِيرُ البَذلِ وَاسِعُ العَطَاء، شُجاعًا مِقدَامًا عَلَى الأَعدَاءِ». ومن أبرز خصال عُثمان الأوَّل على سبيل المِثال، إطعامه كُل من يكون في بيته وقت العصر. وكان عزف المُوسيقى يسبق تقديم الطعام، إذ أنَّ قبائل التُرك كانت تُفضل سماع المُوسيقى قبل تناول الطعام وليس خلاله كما كانت عادات الأوروپيين، واستمرَّ العُثمانيّون على هذه الخصلة طيلة تاريخهم. فقد كان عُثمانٌ يأمر فرقة «المهتر» التي أرسلها إليه السُلطان السُلجوقي علاء الدين كيقباد الثالث، باعتبارها إحدى تقاليد البكويَّة، بِمُباشرة العزف، وكانت تتوقف عن العزف عند البدء بِتقديم الطعام. وكانت العادة السائدة أنَّ كُل من حضر المائدة يُجلس إليها لِيأكل دون تمييزٍ بين غنيٍّ وفقير، وبين مُسلم أو مسيحي. وانطلاقًا من النُقطة الأخيرة، تُفيدُ المصادر أنَّ عُثمانًا اتصف بالتسامح الكبير مع غير المُسلمين على الرُغم من حماسته الدينيَّة، فاستقطب بذلك الكثير من الروم الذين اعتنقوا الإسلام على يديه، ومن أبرز القصص التي تنص على ذلك أنَّ عُثمانٌ لمَّا فتح «قراجة حصار» حكم لِبيزنطي نصراني ضدَّ مُسلمٍ تُركيّ، فسأله البيزنطيّ كيف يحكم لِصالح شخص من غير دينه وقومه، فأجابه عُثمان بآيةٍ من سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾، فكان هذا سببًا في إسلام البيزنطي وبعض قومه. أضف إلى ذلك، اشتهر عُثمان بتعامُله الليِّن مع الأهالي المسيحيين للبلدات والقلاع التي فتحها، بما فيهم جُنود الحاميات، حيثُ كان يأمر بإعتاقهم لو ثبت إخلاصهم، كما تولَّى رعاية الأرامل والأيتام الروم ومنحهم العطايا وغنائم غزواته كما كان يفعل مع أبناء قبيلته، وأظهر رفقًا بِكبار السن خُصوصًا، مما كان دافعًا لِكثيرٍ منهم على اعتناق الإسلام.
من جهةٍ أُخرى، يتفق المُؤرخون والباحثون أنَّ عُثمانًا تمتَّع بِعبقريَّةٍ استراتيجيَّة وبِبُعد نظرٍ عميق، حيثُ وجَّه فُتوحاته إلى البيزنط باعتبار أنَّ كُلَّ فتحٍ يناله منهم سيزيد من قوَّته وسُمعته في الأوساط الروميَّة، ومن شعبيَّته في الأوساط الإسلاميَّة. كما أنه في نفس الوقت تحاشى بكُل جُهده التصادم مع جيرانه المُسلمين المُحيطين به كي لا يقع اقتتال بين أبناء الدين الواحد من جهة، ومن جهةٍ أُخرى كي يستثمر كامل طاقاته في حرب الروم. وتمثَّلت عبقريَّة عُثمان أيضًا في أنه وضع أُسس دولةٍ استوحى نُظمها من السلطنة السُلجوقيَّة الروميَّة، سواء فيما يتعلَّق بالتقاليد أو بالتنظيمات أو بالحضارة الموروثة عن العالم الإسلامي، ويبدو أنه كان ذا شخصيَّةٍ جذَّابةٍ تُغري الآخرين القيام بِخدمته، كما تحلَّى بالجَلَد والمُثابرة وضبط النفس والهيبة. يقول المُؤرِّخ أحمد رفيق في موسوعته «التاريخ العام الكبير»: «كَانَ عُثمَانَ مُتَدَيِّنًا لِلغَايَةِ، وَكَانَ يَعلَمُ أنَّ نَشرَ الإِسلَامِ وَتَعْمِيمِهِ وَاجِبٌ مُقَدَّسٌ، وَكَانَ مَالِكًا لِفِكْرٍ سِيَاسِيٍّ وَاسِعٍ مَتِينٍ، وَلَم يُؤَسِّس عُثمَانَ دَوْلَتَهُ حُبًّا فِي السُّلطَةِ وِإِنَّمَا حُبًّا فِي نَشْرِ الإِسلَامِ». ويقول قادر مصر أوغلي: «لَقَد كَانَ عُثمَانُ بنُ أَرطُغرُل يُؤمِنُ إيمَانًا عَمِيْقًا بِأَنَّ وَظِيفَتَهُ الوَحِيْدَة فِي الحَيَاةِ هِيَ الجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ؛ لِإعلَاءِ كَلِمَةِ الله، وَقَد كَانَ مُندَفِعًا بِكُلِّ حَوَاسِّهِ وِقِوَاه نَحْوَ تَحْقِيقِ هَذَا الهَدَف». ومن مظاهر تديُّن عُثمان الأوَّل والتزامه حُدود الشريعة الإسلاميَّة، أنَّهُ كان يُرسل فقط خُمس غنائم الغزوات والمعارك إلى السُلطان السُلجوقي ويُقسِّم الباقي على جُنُوده المُحاربين، ممَّا جعل جُنُوده يُحبونهُ ويُخلصون له في الوقت الذي أصبح السُلطانُ مُستاءً من أعماله، ولمَّا كتب لهُ يسأله لِماذا يُقسِّم الغنائم بدون أمره وكيف يُرسلُ لهُ الخُمس فقط، ردَّ عليه عُثمان بِأنَّهُ يُنفِّذ أمر الله لا أمر السُلطان، لِأنَّ هذا حُكم شريعة الإسلام، فكان أمر السُلطان بِأن يفعل ما يشاء ولا يتجاوز أوامر الله.