اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عند مرور قبيلة الأزد بمكة أشارت عليهم طريفة الكاهنة التي كانت برفقتهم، فقالت لهم : سيروا وأسيروا، فلن تجتمعوا أنتم ومن خلفتم أبدا، فهذا لكم أصل، وأنتم له فرع . ثم قالت : مه مه، وحق ما أقول ما علمني ما أقول إلا الحكيم المحكم، رب جميع الإنس من عرب وعجم . فقالوا لها : ما شأنك يا طريفة ؟ قالت : خذوا البعير فخضبوه بالدم ؛ تلون أرض جرهم جيران بيته المحرم . قال : فلما انتهوا إلى مكة وأهلها جرهم، وقد قهروا الناس وحازوا ولاية البيت على بني إسماعيل وغيرهم، أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر : يا قوم، إنا قد خرجنا من بلادنا، فلم ننزل بلدا إلا فسح أهلها لنا وتزحزحوا عنا، فنقيم معهم حتى نرسل روادنا، فيرتادون لنا بلدا يحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم قدر ما نستريح ونرسل روادنا إلى الشام وإلى الشرق، فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، وأرجو أن يكون مقامنا معكم يسيرا . فأبت جرهم ذلك إباء شديدا، واستكبروا في أنفسهم، وقالوا : لا والله ما نحب أن تنزلوا معنا فتضيقون علينا مراتعنا ومواردنا، فارحلوا عنا حيث أحببتم، فلا حاجة لنا بجواركم . فأرسل إليهم ثعلبة أنه لا بد لي من المقام بهذا البلد حولا حتى يرجع إلي رسلي التي أرسلت، فإن تركتموني طوعا نزلت وحمدتكم وواسيتكم في الرعي والماء، وإن أبيتم أقمت على كرهكم، ثم لم ترتعوا معي إلا فضلا، ولن تشربوا إلا رنقا » سئل أبو الوليد عن الرنق، فقال : الكدر من الماء . وأنشد لزهير : كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت من طيب الراح لما بعد أن غبقا سح السقات على ناجودها شبما من ماء لينة لا طلقا ولا رنقا وإن قاتلتموني قاتلتكم، ثم إن ظهرت عليكم سبيت النساء، وقتلت الرجال، ولم أترك أحدا منكم ينزل الحرم أبدا . فأبت جرهم أن تتركه طوعا، وتعبأت لقتاله، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وأفرغ عليهم الصبر، ومنعوا النصر، ثم انهزمت جرهم، فلم ينفلت منهم إلا الشريد، وكان مضاض بن عمرو بن الحارث قد اعتزل جرهما، ولم يعن جرهما في ذلك، وقال : قد كنت أحذركم هذا . ثم رحل هو وولده وأهل بيته حتى نزلوا قنونا وحلي، وما حول ذلك فبقايا جرهم بها إلى اليوم، وفنيت جرهم، أفناهم السيف في تلك الحرب، وأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولًا من الزمن ثم أكملو طريقهم وبقي منهم قبيلة خزاعة فأجلت من بقي من جرهم عن مكة.