اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
فإن لسان حالي يتمثل في قول عمر بن عبد العزيز:
(ألا وإني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله. قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره)( ).
إن أكثر الناس غير مستعدين للتنازل عما استقرّ في نفوسهم من معلومات، لأنه درج عليها ولو تبيّن له خطؤها، فيما بعد، وضوح الشمس رأد الضحى في الَطَفَلِ، والناس كأسراب طير يتبع بعضهم بعضاً. ولو ظهر لهم من يدّعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله، ، خاتم النبيين، ولو ظهر لهم من يدّعي الربوبية، لوجدوا على ذلك أتباعاً وأشياعا.
وإني، في هذا الكتاب، أعرف أن من صنوف القراء عقولهم في آذانهم، وألبابهم في بطانتهم، ومنهم من تجلبب بجلباب الجهل، فجعل الرجال مقياس الحقيقة، لا العكس، فكانوا من الذين إذا ذكروا لا يذكرون، وإذا دعوا إلى سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وذلك من مقدمات الهلاك الأبدي، ومن علامات الشقاء الأزلي.
وليعلم القارئ أن حرصي على إيضاح الحقائق الثابتة يلزمني أن أزيده إيضاحاً حتى لا يخالطه ارتياب في صحة ما بينته له بسبب تمويهات المضلين، ونزعات الزائغين الذين سلط الله عليهم اللسانة والجدل، وحرمهم من صدق القول وصلاح العمل، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ولذلك تراني في هذا الكتاب أودع الحقائق موثقة من أصحابها، وأسوق المسائل مشفوعة بأدلتها فاصْخ أيها القارئ إليّ بسمعك، ووجِّه للكتاب عقلك، وافتح قلبك لما تقرأ، ودع عنك العواطف التي لا تُغْنِ من الحق شيئاً. فما كان له من دليل فاجعله نُصْبَ عينيك، وعضِّ عليه بالنواجذ، وما كان دون ذلك فاهجره هجراً جميلا. ولكن إياك والإعراض عن الحقائق بدعوات باطلة متهما بالهوى وسوء القصد شأنك شأن من لا محصل عنده. لأننا نعلم علم اليقين أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً يوم لا ينفع الندم. فالحجة تقرع بالحجة لا بالإحجام ولا بالتهام.