اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يُراد بلفظة البيعة (لغة): الصفقة المعقودة في البيع، وقد أُطلِق هذا المُسمّى على مُبايعة الصحابة للنبيّ؛ لأنّهم بذلوا أنفسهم نصرة لرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في سبيل الدعوة إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى-، أمّا لفظ الرضوان فهو من الرضا؛ وسُمِّيت بهذا المُسمّى؛ لأنّ الله أنزل في كتابه قوله:(لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)، ويُشار إلى أنّ أحداث بيعة الرضوان تمّت في بدايات شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، في منطقة الحديبية*.
توضّح سيرة الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- جمالياتٍ أثمرت زهوراً في تاريخ الدولة الإسلاميّة في المدنية المنوّرة؛ فبعدما استقرّ حال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وصحابته -رضي الله عنهم-، والمسلمين عامّةً، اشتاقت قلوبهم إلى ديارهم المكيّة، وتاقت نفوسهم إلى ذكريات مكّة الأمّ؛ فهذا النبيّ الكريم يُريه الله -عزّ وجلّ- رؤيا حقٍّ في منامِه ثمثّلت في أنّه كان يَشُدّ رِحاله معتمِراً مع أصحابه إلى مكّة المكرّمة، ويطوف بالكعبة المشرّفة، فأخبر أصحابه بذلك، وأمرهم أن يتأهّبوا لشَدّ ركاب السفر إلى مكّة المكرّمة، فتجهّزوا للرحلة، واستخلف على مدينة ابن أمّ مكتوم -رضي الله عنه-، آخذاً معه أمّ المؤمنين أمّ سلمة -رضي الله عنها-، وانطلقوا إلى العمرة في ما يفوق ألف رجلٍ دون سلاح الحرب، وبسلاح السفر فقط.
عَلِمَت قريش في تلك اللحظات بأخبار النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- والمسلمين بشأن خروجهم إلى مكّة، فأعدّت العدّة وعقدت جلسةً جماعيّةً تقضي بدفع المسلمين عن مكّة، وعدم السماح لهم بدخولها، وأرسلت مبعوثيها إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-؛ كي يتراجع عن قراره في دخول مكّة، إلّا أنّ بعض شباب قريش قرّروا التهيّؤ لقتال المسلمين، وإشعال الحرب؛ فما كان منهم إلّا أن تسلّلوا بغتةً إلى مكان تجمّع المسلمين، وأثاروا دوّامة الشرار، فتمّ صدّهم وأسرهم، حتّى جاءهم عفو النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بإطلاق سراحهم؛ لأنّه كان ينوي خيراً بالتّفاوض مع قريش، والوصول إلى حلٍّ يُرضي الطّرفين.
اختار النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أحد صحابته؛ ليكون سفيراً إلى قريش؛ للتفاوض معهم وإقناعهم في أمر دخول بيت الله الحرام أداءً للعمرة، فاختار ابتداءً عمر -رضي الله عنه-، إلّا أنّه اعتذر لافتقاره إلى من ينصره من أهله في مكّة، فاختار النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عثمان؛ لمكانته -رضي الله عنه- عند قريش وأهلها، وبعثه إليهم سفيراً يخبرهم بنوايا المسلمين في أداء نُسك العمرة، والطواف بالبيت، وأمره أن يدخل إلى رجالٍ مؤمنين ونساءٍ مؤمنات في مكّة، ويُبلغهم بنصرة الله -تعالى- لدينه، ولنبيّه، وللمسلمين، فدعا -رضي الله عنه- قريش إلى الإسلام كما أوصاه النبيّ، إلّا أنّهم رفضوا، وسَمَحوا لعثمان أن يطوف بالكعبة وحده، فأبى إلا أنْ يطوف مع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أوّلاً، فاحتجزوه أسيراً عندهم؛ إِمعاناً منهم في الرفض، والصدّ، والمجابهة، وطالت غيبة عثمان -رضي الله عنه- حتى أُشِيع خبر مقتله.
وصل النبأ إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، فدعا صحابته -رضي الله عنهم-، وثار الكلام بينهم حتى تمّت البيعة على الجهاد في سبيل الله؛ إعلاءً لكلمة الحقّ والدين، فأخذ الصحابة -رضي الله عنهم- يبايعون النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- واحداً تِلو الآخر على الموت في سبيل الله -تعالى-، وأثنى الله -عزّ وجلّ- عليهم في كتابه، ورضي عنهم؛ فقال -عزّ وجلّ-: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)، وبسبب الثناء والرضا الواردَين في القرآن الكريم للصحابةِ الكرام، تمّت تسمية تلك البيعة ببيعة الرضوان -كما ذُكِر سابقاً-.
بايع المسلمون رسولهم -صلّى الله عليه وسلّم- على عدم التولّي عند نداء الموت للجهاد في سبيل الله -تعالى-، مُهيّئين أنفسهم للنصر المبين، أو الشهادة لله ربّ العالمين، وبلغ عدد المُبايعين تحت الشجرة ما يقارب ألفاً وأربعمئةٍ، وقِيل ألفاً وخمسمئة مبايعٍ، وأما الشجرة التي تمّت تحتها بيعة الرّضوان فقد اندثرت وزال أثرها، وذكر ابن حجر أنّ الرّوايات بشأنها تشير إلى أحد أمرين: الأول: أنّ الله تعالى أنسى الصحابة مكانها وأخفاه عنهم، وقد عُمّيَ مكانها على من قصدها بعد البيعة، والثاني: أنّ عمر -رضي الله عنه- بلغه أنّ قوماً يأتون الشجرة فيُصلّون عندها؛ فأمر بقطعها؛ فقطعتْ حتى لا يُفتتن النّاس بها.
تجلّى دور الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- في مُجريات بيعة الرضوان المباركة بصورةٍ جلّيةٍ، فبعدما أُشِيع مقتل عثمان -رضي الله عنه-، دعا النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أصحابه الكرام، آخذاً منهم البيعة على قتال الشرك وأهله؛ ومن مواقف الصحابة التي تجلّت في البيعة ما يأتي:
ممّا أظهرته بيعة الرضوان اتّحاد المسلمين يداً بيدٍ؛ نُصرةً للحقّ والإيمان، ورَفعاً لراية توحيد الله، ودَرءاً لأذى قريش ونواياها، فأبانت جميل إخلاص المسلمين فيما بينهم وقت الشّدة، فكانوا على قلب رجلٍ واحدٍ؛ لإنقاذ عثمان، وتقديم أرواحهم حبّاً لله -عزّ وجلّ-، وتأديةً لواجب محبّتهم لنبيّهم الكريم -صلّى الله عليه وسلّم-، فأينعت قلوبهم بالإخاء والمعاضدة والموت في سبيل الله، ومن المعلوم أنّ قريشاً كانت تهاب المسلمين، وتخشى من اتّحادهم على الحقّ والخير، فاهتمّت كلّ فئةٍ منهم بعملٍ مُعيَّن، وافترقوا إلى عدّة آراءٍ، وهي:
يتمثّل فضل أهل بيعة الرضوان بثلاثة أمورٍ، بيانها فيما يأتي:
برزت عِبر ودُرَر بيعة الرضوان بمنتهى التميُّز والإجلال؛ فالمسلمون الذين بايعوا الله -تعالى- على الموت في سبيله، رسّخوا مفاهيم الإخلاص، وتعاليم الثبات بأصدق ممّا قد يتخيّله المسلم، فكانت موازين عدلٍ ونورٍ للبشريّة جمعاء، وممّا برز من تلك العِبر والدروس ما يأتي:
_____________________________________
الهامش
* منطقة الحُدَيْبِيَةُ: قرية ليست بالكبيرة، سُميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحتها، وبين الحديبية ومكة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل.