اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ازدادت مخاوف مريم -عليهت السلام- حينما عاينت آلام الحمل، فبدأت تفكّر بحالها بعد الولادة، وكيف ستُقابل قومها حاملةً على يديها ذلك المولود، وقد غاب عنها في تلك اللحظات أنّ الله سوف يُظهر براءتها لقومها، وحينما قدمت إلى قومها أوحي إليها أن تُشير إلى ذلك الغلام؛ لترفع الحرج عنها بجواب مولودها، فتعجّب القوم من قولها، كيف لهم أن يستمعوا أو يكلّموا صبياً في مهده، ثمّ ظهرت معجزة الله للقوم، إذ نطق عيسى -عليه السلام- بعباراتٍ تُجلي للقوم حقيقة الأمر، قال -تعالى-: (قالَ إِنّي عَبدُ اللَّـهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا*وَجَعَلَني مُبارَكًا أَينَ ما كُنتُ وَأَوصاني بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمتُ حَيًّا*وَبَرًّا بِوالِدَتي وَلَم يَجعَلني جَبّارًا شَقِيًّا*وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَومَ وُلِدتُ وَيَومَ أَموتُ وَيَومَ أُبعَثُ حَيًّا)، فقد بيّن عيسى -عليه السلام- في تلك الآيات عبوديته لله، وأنّه عبدٌ اصطفاه الله لحمل رسالته، وجعله نبياً من أنبيائه الكرام.
ثمّ يبيّن عيسى -عليه السلام- بركته للناس في كلّ مكانٍ وزمانٍ، بفَضْل ما يدعو إليه من الخير والفضيلة، وما ينهى عنه من الشرّ والرذيلة، مذكّراً قومه بوصية الله له بأداء حقّ الله من الصلاة الواجبة، وأداء حقّ العباد بدَفْع أموال الزكاة إليهم، ومختتماً قوله ببيان برّه بوالدته، وأنّ الله لم يكتبه في زمرة الجبابرة الأشقياء، بل هو نبيٌ اجتمعت فيه محاسن الأخلاق، حتى استحقّ سلام النفس منذ ميلاده، مروراً ببعثته، إلى حين مماته وبعثه، وقد تجلّت حكمة الله في خَلْق عيسى -عليه السلام- دون أبٍ في أنّ الله -تعالى- أراد أن يُظهر قدرته على الخَلْق باختلاف الأحوال والظروف، فقد خلق الله آدم -عليه السلام- من غير أبٍ ولا أمٍّ، كما خلق حوّاء من ذكرٍ فقط دون أنثى؛ من آدم، ثمّ جعل الخَلْق من ذكرٍ وأنثى، فكان خَلْق عيسى -عليه السلام- مكمّلاً للخَلْق والإيجاد، وبما يدلّ على كمال الله في صفاته ونُعوته.