English  

كتب مآثر همايون

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

مآثر همايون (معلومة)


شخصيَّته وصفاته

يقول المؤرخ أحمد محمود الساداتي في كتابه «تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم»: «لم يكن همايون دون أسلافه التيموريين في الشجاعة والجرأة، فقد شارك أباه أغلب حروبه وترسم خطاه في التجمل بالصبر واحتمال الشدائد، فلم يفارقه جَلَدُه وثباته طيلة محنة المنفى، التي بلغت خمسة عشر عامًا، لولا ما كان يداخله من الغرور وينقصه من مضاء الغزم الذي قعد به في الغالب عن المضي في مطاردة أعدائه والإجهاز عليهم، فكان يقنع بأول ضربة ينزلها بهم ولا يزيد. كذلك عُرف عن همايون شغفه، كأبيه وأجداده، بالفنون والعلوم والآداب. وقد ترك فيما ترك، مكتبة عامرة بالمؤلفات القيمة لا يزال بناؤها قائمًا بدهلي حتى اليوم. ولولا المنية التي عاجلته لأتمّ بناء المرصد الذي كان قد شرع في إقامته هناك. ومن أسف أنه ورث عن أبيه عادة تعاطي المعجون (الأفيون) الذي بكّر بنهاية الأب وهدّ من كيان الابن.»

يذكر صاحب كتاب «تاريخ فرشته»: «تربى همايون في قصر أبيه "بابر" في "كابل"، فتعلم الفنون الحربية والسياسية على عادة أبناء الملوك في عصره، كما كان يعرف اللغة التركية والفارسية شاعرًا عالمًا بالهيئة والهندسة والنجوم، وتبحر في علم الأسطرلاب، وكان على العموم بارعًا في العلوم الرياضية، شغوفًا بالكتب ومطالعتها، محبًا لصحبة العلماء. ذا دين وحلم، فكان يحافظ على الوضوء، ويكره أن يسمي الله على غير وضوء... وكان دائمًا يغلبه حلمه على غضبه، فيعفو عمن أساء إليه، ولا سيما إخوته، ولعل هذا الحلم هو الذي أطمعهم فيه، وجر عليه الكوارث منهم. ولم يكن همايون مثل أبيه في الشجاعة والصبر والجلد ولذا لقي كثيرًا من المتاعب بعد موت أبيه، لأن لم يكن يقضي على خصومه ويحاربهم حتى النهاية، بل كان يحارب هنا، ثم إذا لاحت له مبادئ النصر أسرع إلى مكان آخر، ولعله كان مضطرًا إلى ذلك لكثرة الخارجين عليه في كل مكان.. ولكن همايون حمل من الأعباء مالم يحمله غيره، ولقي في أيامه مالم يلقه ملك. وإذا كان بابر يعد مؤسس الدولة المغولية في الهند فإن همايون يعتبر المؤسس الثاني لها بعد أن استعاد ملكه فيها. ومما تجدر الإشارة إليه أنه كان لمكثه مدة كبيرة في إيران، ومعاونة إمبراطورها الشيعي له، وقوة ونفوذ بيرم خان الشيعي في بلاطه - أثر كبير في في وفود كثير من الشيعة من إيران والعراق وغيرهما إلى الهند، والعمل في حكومته واتساع نفوذهم في البلاط المغولي.» وفي إحدى الروايات المنقولة عن «گُلبدن بيگم» شقيقة همايون، التي تعكس تساهل وتسامح هذا الرجل، أن أخاه هندال قتل في ثورته عليه أكبر مُستشارٍ مُؤْتمنٍ لهمايون وكان شيخًا كبير السن، فغضب همايون وتقدّم بجيشٍ كبيرٍ خارج أغرة للبحث عن أخيه هندال، وبدلًا منْ أن يسعى إلى إنزال العقوبة بِأخيه، ذهب مُباشرةً إلى بيت أمّه حيث تقيم گُلبدن أخته ونساء أخريات وأقسم بالله أنه لا يحْمل أي حقد أو أذى ضدّ أخيه الأصغر هندال، وأصرّ على عودته إلى البيت بسلام.

ثقافته

عُرف عن همايون تمتعه بذاكرة قوية، وقد كان هذا سببًا في تفوقه في كثير من الفنون والعلوم في شبابه الأول، فقد كان محبًا للشعر ويذكر المؤرخون أنه كان شاعرًا بليغًا وتمتاز أشعاره قوة التعبير. وقد كان بالإضافة إلى ذلك بارعًا في علم الفلك، وعالمًا في الجغرافيا وألف جملة من الرسائل عن طبيعة العناصر، وبعد توليه عرش الهند أمر العلماء بعمل كرات فلكية وكرات أرضية. ويقول صاحب «تاريخ فرشته» أن همايون أنشأ سبع قاعات للاستقبال، وسماها بأسماء الكواكب السبعة، فالقضاة والسفراء والشعراء والرحالة كانوا يُستقبلون في قاعة القمر. والقادة ورجال الجيش كانوا يستقبلون في قاعة المريخ. والرؤساء المدنيون كانوا يستقبلون في قصر عطارد. ورجال الأدب كانوا يستقبلون في قصور زحل والمشتري. والموسيقيون والمنشدون كانوا يستقبلون في قاعة الزهرة. ويقول صاحب «تاريخ رشيدي»: «إني لم أر إلا قلة من الأمراء الذين يتمتعون بما يتمتع به همايون من مواهب طبيعية».

كان همايون شغوفًا ومحبًا للكتب والمكتبات، فقد جمع في مكتبته الملكية عددًا كبيرًا من الكتب، وكان يحب الاطلاع على أحسن المؤلفات في عصره، حتى أنه كان يصحب معه عند خروجه للقتال نخبة مختارة من الكتب، ورغم انشغاله طوال حياته بقتال أعدائه إلا أنه كان يخصص جزءًا من وقته للقراءة والدراسة. ويذكر أحد المؤرخين أنه حتى في وقت فراره من الهند قد صحب معه الكثير من كتبه المختارة وأمين مكتبته «لالابك (باذ بهادر)». وفي حكمه الثاني أصدر فرمانًا بتحويل «شير مندل» وهي الدار التي يقضي فيها شير شاه سوري أوقات سمره فيها إلى مكتبته.

إنجزاته العُمرانيَّة

  • طالع أيضًا: مسجد همايون

اشتهر البلاط المغولي في عهد همايون بِالفخامة، فإلى هذا السُلطان يرجع الفضل في ابتداع بعض فُنُون العمارة. فقد أوعز إلى نجَّاريه بِأن يبنوا لهُ أربعة قوارب أنزلها في نهر جمنة، ويعلو كُل قارب قوسٌ مُؤلَّفٌ من طبقتين تعلُوان في الجوِّ عُلُوًّا كبيرًا. وإذا وُضعت القوارب معًا، جنبًا إلى جنب بحيثُ تُصبح الأقواس مُتقابلة، تتكوَّن منها نافورة مُثمَّنة تُثيرُ إعجاب الناظرين، وهي مُزوَّدة بِالأسواق والحوانيت. وكان همايون يُبحرُ فيها مع خاصَّته من فيروز آباد إلى أغرة. وبِهذا كان يتحرَّك في نهر جمنة سوقٌ عائمٌ يحتوي على كُل ما يشتهيه الإنسان، كما أقام بُستانيُّو القصر لِسُلطانهم حديقة عائمة على سطح النهر نفسه. ولعلَّ أعجب أعمال همايون الإبداعيَّة ذلك القصر الخشبيّ المُتحرِّك ذو الطبقات الثلاث، وقد رُكِّبت أجزاؤه بِمهارةٍ فائقةٍ حتَّى لِتبدو وكأنَّها قطعةٌ واحدةٌ. وُضعت السلالم التي تُؤدي إلى الطابق العُلُويّ بِحيثُ كان من اليسير فكُّها وإعادة تركيبها، ولم يكن الجسر المُتحرِّك الذي بناه بِأقل إعجابًا من هذا القصر أو تلك القوارب. وأحبَّ همايون الحدائق، غير أنَّ كفاحه الطويل مع شير شاه لم يُتح لهُ الفُرصة لِإشباع رغبته هذه. فقد أُنشأت حديقةٌ جميلةٌ مُتصلةٌ بِضريحه، وهي لا تزال إلى اليوم إحدى أبرز المعالم الحضاريَّة الجميلة في الهند، إلى جانب ضريحه نفسه. واعتنى همايون بِزخرفة وتزيين الأبنية والإنشاءات التي أمر بإقامتها بِالتصاوير والرُسُوم وفق النمط الفارسي، بعد أن أُعجب بِهذا النمط إعجابًا شديدًا وتأثَّر به أثناء فترة إقامته في البلاط الصفوي، والظاهر أنهُ لقي خِلال تلك الفترة المُصورين «مير سيِّد علي البدخشاني» وزميلٌ لهُ يُدعى عبد الصمد، فمنح الأوَّل لقب «نادر المُلك» من شدَّة إعجابه بأعماله. ولحق المُصوران بِهمايون في كابُل، حيثُ عهد إليهما بِعمل 1400 صورة كبيرة لِقصَّة الأمير حمزة الفارسيَّة. وقد تلقَّى همايون وابنه أكبر دُروسًا في التصوير على يديّ مير سيِّد علي وعبد الصمد، اللذين وُلِّيا تباعًا إدارة مدرسة التصوير التي أنشأها أكبر فيما بعد. فكان أن قامت على أكتافهما مدرسة تصويريَّة هنديَّة إيرانيَّة في بلاد الهند، تميَّزت بِمُرور الوقت عن أصلها الفارسي. من أهم أعمال همايون العمرانية بناء "مسجد همايون شاه" بأغرة ويقع على الضفة الغربية لنهر جمنة.

إنجازاته الإداريَّة

قسم همايون حكومته إلى أربعة أقسام لتنظيم إدارة ملكه، تبعًا للعناصر الأربعة: النار (آتش)، والهواء (باد) والماء (آب) والأرض (خاك). وعين وزيرًا خاصًا للإشراف على كل قسم من هذه الأقسام. فأعمال المدفعية وتنظيمات الأسلحة وكل ما يتعلق بالنار كان يُكوِّن إدارة منفصلة تسمى «ساركاري آتشي» يشرف عليه «خواجه عبد الملك». وأعمال الإسطبلات والمطبخ وإسطبلات الجمال وغيرها يشرف عليها «خواجه لطف الله» وتُسمَّى «ساركاري هوائي». وأعمال «شربات خاناه» والحواصل وإنشاء الترع، وكل الأعمال المتصلة بالماء كانت تجمعها إدارة واحدة تسمى «الإدارة المائية» ويشرف عليها «خواجه حسن» وتُسمَّى «ساركاري آبي». وشؤون الزراعة والمباني والإشراف على الأراضي الخاصة والملكية والقصور كانت هي الإدارة الرابعة وتسمى «الإدارة الأرضية» ويشرف عليها «خواجه جلال الدين ميرزا بك»، وتُسمَّى «ساركاري خاكي».

إنجازاته العدليَّة

طبل العدالة: أوجد همايون ما يسمى بـ«طبل العدل»، لنشر العدل في كل مكان، ووضع لطبل العدل هذا نظامًا يقضي بأن يدق صاحب الشكوى هذا الطبل مرة واحدة إذا كان يشكو من عداوة عدو، وأن يدقه دقتين إذا كان قد أخطأه الإنصاف، وأن يدقه ثلاث دقات إذا سُرق منه شيء، وأن يدقه أربع دقات إذا كانت الحادثة حادثة قتل. ويُذكر أن هذا الطبل لم يكن يستعمل كثيرًا، ولكن فكرته تدل على شعور السُلطان بالعدل وعنايته بنشره.

إنجازاته الاجتماعيَّة

تصنيف الشعب: صنف همايون سكان سلطنته تصنيفًا دقيقًا، وأقام نظامًا محكمًا للطبقات، وأنشأ القصور لاستقبالهم، وحدد أيامًا خاصة لمقابلة كل طبقة من طبقات الشعب: وكانت الطبقة الأولى هي طبقة «أهل السعادة» وتشمل الفقهاء وعلماء الدولة والأتقياء. والطبقة الثانية هي طبقة «أهل الدولة» من علية القوم، فكانت تشمل أقارب السُلطان ووزراءه والنبلاء وقواد الجيش. والطبقة الثالثة هي طبقة «أهل المراد»، فكانت تشمل الموسيقيين والمغنين ورواة القصص (الشعراء) وأهل الفن والذوق.

وكان رئيس كل طائفة من هذه الطوائف يُمنح سهمًا على تشريفه، ويذكر المؤرخ المعاصر «خواند مير» أنه في وقت خدمته منح سهم السعادة «لمحمد فرغلي» وكان من اختصاصه تحديد الرواتب والمنح التي تعطى للأشراف والشيوخ والفقهاء والزهاد والمدرسين وطلاب العلم، ووكل إليه حق تعيينهم وفصلهم. وأُعطي سهم الدولة للأمير «هندوبك»، وعُهد إليه بتنظيم شؤون أهل الدولة، وكان من واجبه تحديد المرتبات ورتب الأجناد وموظفي الدولة. وأُعطي سهم المراد إلى «أمير ديساي» وكانت كل واجباته تنحصر في الإشراف على شؤون أهل المراد، وتوفير الحاجات الضرورية التي تُضفي على البلاط المغولي مظاهر العظمة والفخامة.

تحديد مواعيد التشريفات: وقد قسمت الطبقات الثلاث الكبرى إلى اثنتي عشرة طبقة صغرى، وكانت تفرق عليهم سهم أخرى من ذهب مخلوط بنسب مختلفة من المعادن الأخرى تبعًا لأهميتهم. فالسهم الأول وكان أكثر نقاء من غيره من السهام، يُعطى إلى السلطان للدلالة على سمر مكانته. والسهم الثاني يُعطى للأسرة الملكية وحكان الأقاليم وكبار الموظفين. والسهم الثالث يُعطى لرجال القلم ورجال الدين. والسهم الرابع يُعطى للملوك والأمراء والنبلاء. والسهم الخامس يُعطى لرجال البلاط وموظفي السُلطان الخصوصيين. والسهم السادس يُعطى للموظفين العموميين. والسهم السابع يُعطى لحريم السلطان وجوراي القصر ممن حسن سلوكهن. والسهم الثامن يُعطى للجواري اللائي يخدمن الحريم السلطاني. والسهم التاسع يُعطى لموظفي الخزانة والمكوس والخراج. والسهم العاشر يُعطى للطبقة المحاربة من ضباط وصف ضباط الجيش السُلطاني. والسهم الحادي عشر يُعطى لصغار الخدم. والسهم الثاني عشر يُعطى لحراس وحدات الإبل ومن يشبههم.

يُعطي هذا التنظيم انطباعًا واضحًا عن همايون كأمير عظيم عني برفاهية رعاياه، وبين المكانة الرفيعة التي رفع إليها همايون العلماء والزهاد والموسيقيين والشعراء. وقد كان «غياث الدين خواند مير» مؤلف «حبيب السير» واحدًا من الأدباء المقربين لهمايون. وكذلك كان «جوهر» مؤلف «الواقعاتي همايون» أو «مذكرات همايون الخاصة» جليسه الخاص. وأرسل همايون يدعو «يحيى بن عبد اللطيف القزويني» مؤلف «لب التواريخ» إلى لينضم إلى بلاطه، ولكنه لم يدرك السلطان في حياته بل وصل بعد وفاته. وممن حظي بعطف همايون الشاعر «شهاب الدين خافي»، و«الشيخ حسين» المدرس بإحدى مدارس دلهي الكبرى.

نزعاته الدينيَّة

كان همايون رجُلًا مُتدينًا، حريصًا على إقامة الشعائر الدينيَّة كمُسلم بِشكلٍ مُنتظم. احترم الديانات الأُخرى المُختلفة، وبِخاصَّةٍ الهندوسيَّة، وعلى الرُغم من أنَّهُ أبدى تسامُحًا مُفرطًا تجاه الهندوسيين، إلَّا أنَّهُ تساهل في هدم المعابد الهندوسيَّة، كما فعل في معبد كالنجر.

ويُشيرُ مُؤرخوه أنَّهُ كان سُنيًا حنفيًّا مُخلصًا لِمذهبه السُني ولِمُعتقدات أهل السُنَّة والجماعة، لكنَّ إقامته الطويلة في إيران وقُوَّة نُفُوذ مُستشاره بيرم خان، شيعيّ المذهب، وزواجه من حمیدہ بانو بیگم، شيعيَّة المذهب أيضًا، دفعت كثيرًا من الشيعة في إيران والعراق إلى المجيء إلى الهند وتولِّي الأعمال الحُكُوميَّة، ورُبَّما أثَّرت في مُيُوله المذهبيَّة. ويؤكد بعض الباحثين أنَّ تشيُّع همايون في إيران كان سياسيًّا محض ولِغرض تلقِّي المُساعدة من الشاه طهماسب فقط، وعند عودته إلى بلاده تراجع عن التظاهر بالتشيُّع وأكَّد مرارًا أنَّهُ حنفي المذهب قادري الطريقة.

الجيش في عهده

لم يكن الجيش المغولي وطنيًّا في عهد همايون، بل تألَّف من جنسيَّاتٍ وأعراقٍ مُختلفةٍ من الجغطائيين والأوزبك والمغول والفُرس، وإنَّ جيشًا خليطًا كهذا لا يكونُ مُتجانسًا وفعَّالًا إلَّا في ظل قيادةٍ قويَّةٍ وحازمةٍ مثل قيادة بابُر، فتحوَّل إلى ما يُشبه العصابات في ظلِّ حاكمٍ ضعيفٍ كهمايون. ومما زاد الأُمُور سوءًا أنَّ كثيرًا من أقرباء بابُر كانوا مُعينين كأُمراءٍ في البلاد وإقطاعيين في القُرى والبلدات، فملكوا بِذلك عصب الحرب وأسلحتها، واستخدموها في حُرُوبهم الداخليَّة ضدَّ بعضهم البعض وضدَّ همايون نفسه. واستمرَّت مُؤامراتهم ضدَّه لِإشباع رغباتهم وطُمُوحاتهم في السيطرة والنُفُوذ. ولم يلقَ الجيش الإصلاح اللازم إلَّا عند تولِّي شير شاه عرش الهند، فأجرى إصلاحات عسكريَّة بالغة الأهميَّة، فانتظم الجيش واكتسبت البلاد مناعة كبيرة ضدَّ الغزو الأجنبي وضدَّ مُحاولات الشغب الداخليَّة.

المصدر: wikipedia.org