English  

كتب ليزا رواية عماد سالم

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

ليزا رواية عماد سالم (كتاب)


( ليزا ) عماد سالم .. قراءة في تاريخ الحركة الإسلامية .. و العودة إلى
( واقعية القاع ..

د / حسام عقل
المشرف العام على ملتقى السرد العربى

لم تكن رواية ( ليزا ) للقاص و الشاعر ( عماد سالم ) ، محض قراءة نمطية لواقع التطور التاريخي في شريحة دالة من الحركة الإسلامية _ ممثلة في ( جماعة  التبليغ ) _ لكنها في واقع الحال كانت قراءة شديدة الفرادة و الخصوصية ، لا ترصد فحسب تطورًا فكريًا من داخل دائرة الحركة المنوه بها ، و إنما ترصد في الإطار الأعم ، فيض التطورات السياسية و الطبقية ، في دوائرها السوسيولوجية الرحيبة ، التي تمتد فوق السطح _ و تحته أيضًا ! _ في قوس زمني كبير يبدأ من عقد الثمانينيات ( 1982 تحديدا ً ) ، و يتصاعد _ في تناميه المتشعب _ حتى اللحظة الراهنة بكل توتراتها و راهنها المأزوم . تتحرك الذات الساردة بخفة ، عبر خمسة و عشرين فصلًا ، لترصد الحركة بكل تنوعاتها المتذبذبة بندوليًا بين الطيف المعتدل في القطب الأول ، و بين الطيف الراديكالي في القطب الثاني / النظير ، راصدة  جدل الطيفين الذي وصل في الثلث الأخير من النص الروائي ، إلى تخوم الصدام الشامل . و قد وقع الرصد الكبير _ بأطره البانورامية الفسيحة _ في حاضنة طوبغرافية ، متسمة بالخصوصية المكانية الفريدة ( منطقة إمبابة ) ، بكل تنوعاتها الاجتماعية و الطبقية و رؤاها الدالة للعالم و أناسه و معاركه الكبيرة . 
 و كان هذا الخيار المكاني _ بدلالاته الطوبغرافية البارزة _ منعطفًا بالنص ، بالضرورة ، إلى قسم معتبر مما نسميه _ في الاصطلاح النقدي _ ب " واقعية القاع " ، حيث يعشش الفقر و الجريمة و الأحلام المحبطة و العلاقات المثلية و التطرف الأسود في زوايا موتورة تحلم باستئصال العالم و استباحته ، قصاصًا من وضعية مهمشة و توعية مستنيرة غائبة ، و حريات منسحقة ، و لقمة خبز عزيزة و مهانة يومية تسحق الإنسان الرابض بين الحنايا ! 
 فضل القاص أن يستهل حراكه المناور مع قارئه بالتأكيد أن " .. الأحداث خيالية ، و الشخصيات واقعية .." ، و هو ما يؤشر بحضور شكل من أشكال العلاقة التعاقدية  الاستهلالية مع القاريء ، فيما يسميه الناقد الفرنسي  ( فيليب لوجون ) : ( الميثاق ) Pact ، على معنى إبراز تأكيدي لدرجة الصلة التاريخية المتجذرة بين ضفيرة الأحداث و الوقائع من وجه و بين السياق التاريخي الحرفي لحقبة دالة من تاريخ مصر ، اختمرت _ مكانيًا  _ داخل إمبابة و نضجت_  زمانيًا  _ في العقد الثمانيني بتطوراته المثيرة . و تألقت _ في لغة الراوي _  بلاغة الاستهلال المؤشرة على الحالة النفسية للمرحلة و المكان و الشخوص ، و هو ما بدا في فقرة الافتتاح : " .. أكوام من القمامة تكتم أنفاس السور الخلفي لمدرسة ( إمبابة ) الصناعية ، و سور الصنايع يستغيث كلما ألقى سكان المنطقة نفاياتهم في وجهه ، العشوائية تحطم كل شيء هنا ، بحر الشارع لا يزيد بحال من الاحوال عن أربعة أمتار .." ، و لا يستقبل المتلقي ، هنا ، مع فيض الانطباعات الأولى سوى إحساس مهيمن وحيد بالاختناق ، و الجدران الجاثمة على الصدور ! 
 يترخص الراوي لذاته ، بالتدخل الطفيلي المتكرر ، في تعقيبات لاذعة تواكب حركة الأحداث و مسارها ، و تتوازى مع المسارات التطورية للشخوص ( النامية ) باتجاه الاعتدال و التعايش آنًا ، أو الغلو و العزلة آنًا  آخر ، و قد أنقذت حركة الشخوص النامية _ المتسمة بالدينامية و حيوية المسار التطوري _ الإيقاع السردي ، في الأعم ، من ملمحي التكلس و الرتابة ، و ما كان للإيقاع أن يتسارع _ بهذا الروح الحراكي اللاهث _ لو كانت الشخصيات مسطحة ، أو غارقة في ( النمذجة ) التي ترسم للشخوص معلمًا روتينيًا مجهضًا برمزية الفكرة أو أولويتها ! و قد فرضت هذه السمة أن يكون الراوي ( ذاتيًا ) بالضرورة ، يلتحم بالحدث ، و يعانق فضاءات الشخوص ، التي لم تكن في أكثر المشاهد السردية الحية ( فكرة ) مثارة ، قدر ما كانت أنسجة حية من اللحم و الدم . و من آيات هذه السمة الذاتية للراوي ، تعقيبه المقتضب ، في أعقاب لقطة الكاميرا للمكان المنسحق في ( إمبابة ) ، حيث يؤكد _ بوضوح _ أن ظرفية المكان المقهور المشترك ، تخلق ، في الجوهر ، إنسانا ً واحدا ً مهمشا ً يعيش في فضاءات ( كافكاوية ) ، مفعمة بالجريمة و السقوط الأخلاقي و المسعى المحبط : " .. صاروا نسخا ً متطابقة لشخص فقير محطم .." ( ص 9 ) . و من الصحيح أن تدخلات الراوي التعقيبية ، اتسمت في كثير من المشاهد بالتقريرية و المباشرة ، غير أنها رسمت  _ من وجه آخر _ مسارًا  ذاتيًا متميزًا / دالًا للسرد و الحوار و التقنية المعتمدة في تقطيع المشاهد ، و نثرها بحيوية عبر فصول الرواية . 
 و من خلال مقهى ( وزة ) ، تجتمع الشخوص ،  بنفاثة بوح ممتد يتماوج عبر صفحات الرواية و فصولها ، حيث يهيمن كبير المنطقة ( الملقب ب " ليزا " ) على أقدار المنطقة و ضواحيها ، بشكيمة نافذة . و يعتمد الراوي في رسم الشخوص في الأعم ، خصوصا ً شخصية " ليزا " ، على المبالغة الوصفية ( ما يسمى في البلاغة الكلاسيكية ب ( المغالاة الوصفية ) ، القائمة على تضخيم الانطباع و السمة الملازمة ، من مثل قول الراوي عن " ليزا " : " .. يفتح مطواته قرن الغزال ثم يغلقها ثم يفتحها كأنه يأتنس بصوتها .." ( ص 13 ) . و يتعرف " ليزا " على دروس العنف الأولى من صديقه المقرب " أشرف " الذي يجبره على مشاركته في جريمة ( سرقة الغلة ) من ( قطار الصوامع ) ! 
 و يوغل الراوي ، بمبضعه الدقيق ، في تبئير الضوء الكاشف و إراقته بكثافة ، على الإطار التنظيمي الداخلي ل ( جماعة التبليغ ) _ من الداخل _ بكل طقوسه و تقاليده المتوارثة و رموزه المعروفة ، مع رصد امتدادات تفاعلاتها الخارجية مع بعض رموز الخارج  ، مثل الداعية الهندي : ( محمد الكاندهلوي ) صاحب الكتاب الشهير : ( حياة الصحابة ) ، و هو الكتاب الذي يمثل المرجعية الأساسية لجماعة التبليغ و نقطة الانطلاق الملهمة  في ترسيخ التنظير ، و صناعة الحلم المستقبلي ، أيًا ما كانت مساراته ، غلوًا أو اعتدالًا . 
  لا يجد الراوي / الذاتي بأسًا في أن يتقصى سيرة " ليزا " منذ البداية ، بأدق تفاصيلها الدالة و خلجاتها الدقيقة ،  حيث تتلبس مشاهد سردية كاملة روح ( الترجمة الغيرية )  الموسعة ل " ليزا " _ مسارًا  و حدثًا و رؤية _ إذ يواكبه الراوي منذ كان طفلًا  في الخامسة من عمره ، يجتهد في حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن ، فيدركه اليتم الأمومي حين ترحل والدته عن الحياة قبل أن يعي شيئًا ، ثم يصاب والده ( محمود صاحب أستوديو موناليزا )  ب " تليف في المخ " ، و مع هذا الاحتضان البادي للتفاصيل بدقة و إحاطة و شمول ، ينجح الراوي _ بالتوازي _ في تجسيد حركة ( المخيال الجمعي ) في الضاحية ، حيث يرسم ( إنسان العشوائيات ) شخصية البطل وفق تصوره الوجداني الجموح ، و يشكل النجومية المؤتلقة لأناسه و رموزه بما يشبه الروح ( الميثولوجي ) القائم على استدعاء البطولات المضخمة ، حيث تتناثر أساطير العشوائيات ، لتؤكد في تماوجها الشعبي الخلاق ، المنتقل _ فمًا إلى فم _ أن " ليزا " يستطيع أن يصارع كلاب الشوارع و يقهرها جميعًا بساعده الفتي ! 
 و برغم انهماك الراوي _ معظم الوقت _ في احتضان التفاصيل ( بقوة الاهتصار ) ، فإن السمة الذاتية له _ برفيفها الرومانتيكي المجنح _ قد انعطفت به ، في بعض الأحيان ، إلى منحى ( الكثافة الغنائية ) ، التي توشك أن تهيب بروح الشعر و تستوحي إيقاعاته الخفية ، على نحو ما نجد في وصف " أمل " ، البقعة الرومانتيكية العاشقة في أفق دامٍٍ يطفح بالقسوة و الجريمة : " .. خضراء الدمن ، الزهرة الرقيقة التي تبث عطرها فيمن حولها ، تهون عليهم مرارة الأيام ، تعطيهم الأمل ، تكون عادة محاطة بالأشواك من كل اتجاه .." ( ص 35 ) . و قد نجحت هذه المقاطع ذات الكثافة الغنائية _ على قلتها _ في التخفيف ( أو المطامنة ) من الطابع ( الريكوردي ) الصارم ، المصر معظم الأحيان على بذل التفاصيل الوافرة ، بمسار روائي أوشك في كثير من المشاهد ، أن يتمثل روح الريبورتاج الصحفي ، بسرده الريكوردي و فضوله المتشوف دائمًا إلى أدق التفاصيل . و يتلاحم _ إلى جوار السياق الفردي في الرصد _ السياق الجماعي لما يقارب ثلاثمائة من أفراد جماعة التبليغ ، في قوس حركتهم المثيرة المتشعبة ، المعبرة بوضوح عن إرث مرحلة سياسية تميزت بفرادة ملحوظة ، توجهًا و رؤية . 
 و لم يذهل الراوي _ في حركة الرصد الدقيق _ عن أن ينعطف إلى رقعة ( العلاقات المحرمة ) داخل القوقعة العشوائية ، المحجوبة بضواحيها المنسية ، عن سطح الحياة و انفاسها الناضرة  الحية . و تمثل ذلك _ بصورة دالة _ في شخصية ( عبير ) صاحبة الكوافير ، التي مضت في نوبة نزقة ، في تقبيل " أمل " بجنون و شبق لا يعرف معنى التراجع ! ففتح أفق الشخصية المرصودة مساحة المشهد على بؤرة معتمة تواصى الجميع  _ بتحفظ باد ٍ _ على حجبها و كتمانها ! و لم ينس الراوي ، هنا ، شأنه شأن الراوي في رواية : ( خير الله الجبل ) للقاص " علاء فرغلي " _ و هي رواية منسوجة أيضًا  على وقع ( إنسان العشوائيات ) في عزبة ( خير الله الجبل ) _ أقول لم ينس الراوي ، أن يذكرنا بثقافة ( شريط الكاسيت ) ، النمط الأكثر حضورًا في وعي إنسان العشوائيات ، و الأبرز هيمنة و تسلطًا في تشكيل ثقافته ، و صناعة رمزه ، و صياغة حلمه اليوتوبي _ أو الكافكاوي ! _  للغد المحجوب ! 
 لم يكن تحول الشيخ ( جابر ) ، المنشق عن الشيخ ( إبراهيم ) ، إلى النمط الأكثر راديكالية ، بطرح فتاوى الاستباحة و التحشيد ( المسلح ) _ وصولا ً إلى إعلان جمهورية ( إمبابة ) المنفصلة ! _  أقول لم يكن محض تحول مصبوغ بالسيماء الدينية ، بل كان يضمر في تلافيفه ، تحولات اجتماعية للإطار المكاني برمته و قد عانى التهميش الاجتماعي ، و التفقير الممنهج من كل المناحي ، فقد نظر شريحة من أناس العشوائيات إلى ( جابر ) باعتباره : " .. رمزًا لدولة يحلمون بها ، تخلصهم من الظلم و الفقر الذي ساد البلاد .." ( ص 84 ) . 
 آثر الراوي ، في صياغة ( كارت ) التعريف بالشخوص  و تمثيلها التخييلي ، أن يضفر ( المعلوماتي ) و ( المجازي ) في جديلة واحدة ، لا ندعي أنها كانت متسقة هارمونيًا طول الوقت ، لكنها رسمت معلمًا أسلوبيًا دالًا أظهر مهارة الراوي في تشكيل الصورة الروائية الجزئية ، التي تقتات _ في تشكلها و تناميها _ من الحسي و النفسي و الصوفي بأنصبة و درجات متفاوتة ، كما نأنس في هذه الصورة الروائية المقتضبة لطفولة ( ليزا ) : " .. لم يرَ ليزا أمه أبدًا ، فقد قذفته في هذا العالم ثم ذهبت ، فكانت ولادته مفرق طرق ، التقى فيها المسافران لدقائق معدودة ثم انصرفا .." ( ص 124 ) . 
 برع الراوي في تصوير الشخوص _ في أبعادها المعزولة / الفردية الدالة _ قدر ما نجح _ و إن بتوفيق جمالي أقل _ في تصوير الحركة الجمعية لحشود إمبابة المثيرة _ على نحو ما بدا في الفصل المعنون ب : ( الحصار ) ، حيث حاصرت القوات الخاصة ، بأطواق أمنية صارمة ، ( إمبابة ) ، و ركزت الحصار المحكم حول منزل الشيخ ( جابر ) . و برغم جذرية التحول ، و قفزه بوضوح من النقيض إلى النقيض ، فإن الراوي نجح _ في تقديري _ في أن يقدم توطئة نفسية و فكرية جادة ، صنعت مهادًا جيدًا لتحول ( ليزا ) من نموذج البلطجي الذي يتعامل مع العالم بحد المدية المسنونة دون ترفق ، إلى كادر تنظيمي يستوطن الشكل الهرمي ل ( جماعة التبليغ ) ، و يسبح في كثير من المشاهد في مكابدات الحلم الصوفي و مواجيده ، و يدين _ بصورة شديدة الوضوح _ فتاوى الاستباحة التي طرحتها مدرسة الشيخ ( جابر ) ، ليؤكد الراوي أن الحركة الإسلامية ليست  طيفًا واحدًا أو مشربًا  فكريًا واحدًا ثابتًا . 
 لم يتوقف الراوي عند حدود التوصيف الآلي للمشاهد و حلقات الأحداث المتشكلة ، و لكنه أوعز ب ( الحلول ) المقترحة لأكثر أزماتنا الدامية قوة و استحكاما ً  _ أو ما يعتبره حلولًا _ في إطار نظرته المتسمة بالذاتية و غلبة الرؤية الخاصة _ كما مر _ حيث أراق الضوء بكثافة على اجتماع القيادات الأمنية ، و هو الاجتماع الذي شهد بوضوح انتصار مدرسة اللواء ( سيف ) في التعامل مع واقع الجماعات الراديكالية ، بترسيخ المواجهات الفكرية القائمة على توطيد الحريات ، جنبًا إلى جنب مع الفكرة القائمة على الخيار الأمني ، خلافًا  لمدارس أخرى في المواجهة بددت الوقت و الجهد الوطني دون طائل   . لم يكن هدف القاص ( عماد سالم ) بالتأكيد أن يصنع معجمًا جديدًا للحركات الإسلامية ليتقصى فصيلا ً مهما ً من فصائلها أو يرصد حقبة مهمة من تاريخها ، يضاف إلى عشرات المعاجم الناسجة على هذا المنوال ، وإنما أمل أن يفتح كوة جديدة للإطلال على ظاهرة مركبة ، لم ينجح كثيرون في قراءتها ، أو ابتكار الحلول الملهمة لمحاصرة تداعياتها السلبية أو استيعاب خرائطها المتنوعة .

د / حسام عقل
المشرف العام على ملتقى السرد العربى