اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم يعد الإنسان في هذا العصر كائنًا يُفهم… بل أصبح رقمًا يُقرأ. لم نعد نقف أمام بعضنا لنسأل عن الأرواح، عن القصص المختبئة خلف العيون، عن تلك الكسور الخفية التي لا تُرى، بل صرنا نتبادل النظرات كما لو كنا آلات قياس، نحسب، نقارن، و نُصدر أحكامًا صامتة لا تقل قسوة عن الإعدام. في هذا العالم، لم يعد الجمال إحساسًا، بل أصبح درجة، و لم تعد المكانة رحلة، بل أصبحت نتيجة رقمية تُختزل في سلم يبدأ من الصفر و ينتهي عند عشرة… عشرة تُشبه الوهم أكثر مما تُشبه الحقيقة. هنا، لا أحد بريء من اللعبة، حتى أولئك الذين يظنون أنهم خارجها، لأن مجرد إدراكك لها يعني أنك قد لُمست بها، قد تم تصنيفك دون أن تدري، قد تم وضعك في خانة ما، في زاوية ما من هذا السلم البارد.نحن لا نعيش كما نعتقد، بل نُعرض… كسلع صامتة في سوق لا يُعلن عن نفسه، سوق لا تُرفع فيه الأسعار بل تُخفض فيه الكرامات، حيث تُقاس المرأة بمدى اقترابها من صورة خيالية رسمها خيال جماعي مريض، و يقاس الرجل بمدى قدرته على شراء هذا الوهم أو السيطرة عليه. لم يعد أحد يرى المرأة كإنسان، بل كواجهة، كصورة قابلة للتقييم، كرقم قابل للارتفاع أو السقوط، و كلما اقتربت من “العشرة”، كلما ابتعدت عن ذاتها، كأن الكمال هنا ليس تتويجًا بل هو فقدان تدريجي للروح. و الرجل… لم يعد رجلًا بقدر ما هو مشروع رقم، حساب مفتوح، قيمة قابلة للزيادة أو الانهيار، يُقاس بجيبه قبل عقله، و بموقعه قبل إنسانيته، و كأن وجوده كله مرهون بقدرته على أن يكون “شيئًا يُراد” لا “كائنًا يشعر”.الأكثر رعبًا في هذه اللعبة ليس أنها موجودة، بل أنها صامتة، تتسلل دون إعلان، دون قوانين مكتوبة، لكنها تحكم كل شيء: نظرات الإعجاب، قرارات الحب، فرص الحياة، و حتى الإحساس بالذات. نحن لا نختار، بل نُختار وفق معايير لا نتحكم فيها، و نُرفض وفق حسابات لا نفهمها، و نمضي العمر نحاول رفع رقم، تحسين صورة، ترميم تقييم، دون أن نتوقف لحظة لنسأل: من الذي وضع هذا السلم أصلًا؟ و لماذا نقبل أن نُختزل إلى رقم عليه؟ و لماذا نخاف من الصفر كما لو كان نهاية الوجود؟ هذه ليست مجرد ظاهرة اجتماعية… إنها انحدار فلسفي عميق، لحظة انكسار في تعريف الإنسان لنفسه. لقد انتقلنا من البحث عن المعنى إلى البحث عن التقدير، و من محاولة الفهم إلى محاولة الإبهار، و من الوجود إلى العرض. لم نعد نريد أن نكون… بل نريد أن نُعجب. لم نعد نبحث عن من يحبنا… بل عن من يقيّمنا أعلى. و هنا، في هذه النقطة تحديدًا، تبدأ المأساة الحقيقية: حين ينسى الإنسان ذاته، و يستبدلها بصورة قابلة للحساب.هذا الكتاب ليس دفاعًا و لا هجومًا… بل مرآة. مرآة قاسية، مظلمة، تعكس ما نحاول تجاهله. إنه غوص في لعبة لم نخترها، لكننا نلعبها يوميًا، بوعي أو بدونه. لعبة القيم… حيث لا أحد يفوز فعلًا، و حيث الخسارة ليست في أن تكون صفرًا، بل في أن تصدق أنك يومًا كنت رقمًا أصلًا...