English  

كتب لتصنع على عيني

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

ولتصنع على عيني (كتاب)


حين تشتد المحن، وتضيق الأرض بما رحبت، يبقى للنفس عطشٌ لا يُروى إلا بالطمأنينة... عطشٌ إلى كلمة تُثبّت، إلى يد خفية تُمسك القلب فلا يسقط في الظلمة.

ومع بدايات الحرب في غزة، كنت أبحث عن وسيلة لنصرتهم، لكنني كنت أدرك أن الألم لا يُخفّفه مجرد التعاطف، وأن الكلمات وحدها لا تصنع درعًا يحمي الروح من الانكسار.
كنت أعلم أن الصمود يحتاج إلى ما هو أعمق من الدعم المادي... يحتاج إلى سكينة تتغلغل في القلب، وإيمان يُضيء الداخل حين تطفئ المحن كل النوافذ.

حينها، قررت أن أكتب.
أن أُمسك بيد من يقرأ، أن أُحدثه عن القوة حين تتهشم الأرواح، عن الأمل حين تُغلق الأبواب، عن الله حين تضيع كل السُبل.

لكن شيئًا ما كان ناقصًا...
كنت أرى المشهد من بعيد، ولم أكن أسمع النبض الحقيقي لهذا الألم.

ثم شاء الله أن أقترب.
حوارٌ استمر ثلاثة أيام فقط مع بعض أهل غزة، لكنّه كان كافيًا ليكشف لي الحقيقة كما هي...
كافيًا لأدرك أن الفرق شاسع بين أن تكتب عن الألم، وبين أن تلمسه عن قرب.
بين أن تواسي شخصًا بالكلمات، وبين أن تسمع صوته وهو يحاول جاهدًا أن يبقى قويًا.
هناك، فهمت أن الحروف تحتاج إلى روح، وأن الدعم لا يكون دعمًا إلا إذا وُضع في موضعه الصحيح.

ومن هنا وُلد فكرة برنامج "ليطمئن قلبي"، بالتعاون مع رفيقاتي، ليكون نافذةً تُطل منها الفتيات على الطمأنينة وسط العواصف.
وكانت روحه النابضة فصول سلسلة "ولتصنع على عيني"، التي نمرّ فيها بالمنهج الرباني في صناعة الإنسان، كيف يعتني الله بالنفس البشرية، ويرويها ويسقيها، ثم يصنعها على عينه من خلال الابتلاءات.

في هذه الفصول، لا نكتفي بالصمود، بل نتعلم كيف نخرج من المحن أشدّ ثباتًا وأقرب إلى الله.
نتعلّم كيف نحمل جِراحنا ونمضي، لا مُنهزمين، بل موقنين أن الله يصنعنا من خلالها ليكون لنا شأن آخر.

ورغم أن هذه الوقفات خرجت من رحم غزة، إلا أنها لكل قلب يئنّ تحت وطأة الابتلاء، لكل عين فاضت بالفقد، ولكل نفس تبحث عن ضوء في طريقها.