اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
شاءت حكمة الله -تعالى- وإرادته أنْ يُرسل إلى البشريّة رسلاً من أنفسهم، يُبلّغونهم رسالات الله تعالى، ويُصلحون ما فسد من حال النّاس بسبب وساوس الشيطان ونفوسهم الأمّارة بالسوء، وتتابعت هذه السُّنة الإلهيّة في الأمم، قال الله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)، إلى أنْ اقتضت مشيئة الله -عزّ وجلّ- بأنْ يختم الرّسالات بدين الإسلام؛ فكان محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- آخر الأنبياء والرّسل، وكان القرآن الكريم آخر ما نزل من الكتب والصّحُف الإلهية؛ فلم يُرسل نبي بعد محمّد عليه السّلام، ولم تأت شريعة بعد الإسلام، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ)، ولقد كانت رسالة الإسلام على حين فترةٍ من الرّسل، وانقطاعٍ من الأنبياء، وكانت البشريّة بحاجة إلى تصحيح المسار، وتصويب أحوال القلوب وقناعات العقول في مسألة المعتقدات، كما كانت بحاجة إلى تقويم المناهج والمسالك في جميع جوانب الحياة، فكيف كان العالم قبل مجيء الإسلام، وكيف كانت بعثة النبيّ عليه السّلام، وما هي خصائص دين الإسلام الذي ضمن لأتباعه سعادة الدنيا والآخرة؟
إنّ مجيء الإسلام كان على عدّة مراحل، وبيان ذلك على النحو الآتي:
انتشر عند العرب في الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام تقديس الأصنام وعبادة الأوثان، واعتقدوا أنّها تضرّ وتنفع، وتفشّتْ عبادة الأصنام حتى اتّخذت كلّ قبيلة من قبائل العرب صنماً خاصّاً بها، بل كان لكلّ بيت صنماً، وصارتْ صناعة الأصنام تجارةً رابحةً، قال أبو رجاء العطارديّ: (كنا نعبدُ الحجرَ، فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناهُ وأخذنا الآخرَ، فإذا لم نجد حجراً جَمعنا جُثْوَةً منْ تُرابٍ ثمّ جِئنا بالشاة فحلبناهُ عليهِ ثمّ طُفْنا به)، ولم يقف الحدّ عن فساد العقيدة بل تعدّى إلى الجانب الأخلاقيّ والسلوكيّ أيضاً؛ فقد كان شُرْب الخمر في الجاهلية أمراً لا غنى عنه، حتى كُتِبت فيه وفي مجالسه الأشعار، وانتشر المَيِسر بشكلٍ كبيرٍ؛ فأورث النّاس العداوة والشحناء، قال الله عزّ وجلّ: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).
أمّا التّعامل بالرّبا فكان أصلاً أصيلاً في معاملاتهم المالية، فقد جاء في القرآن الكريم: (إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)، وانتشر الزّنا بأشكالٍ قذِرةٍ فكان الرّجل الجاهليّ يبعث امرأته إلى رجلٍ من رجال العرب لينكحها، ويعتزلها زوجها حتى يظهر حملها من ذلك الرّجل، وهذا يسمّى نكاح الاستبضاع، وكان يجتمع بعض الرّجال فيجامعون امرأة تباعاً، حتى إذا حملتْ وأنجبت دعتهم ونسبته إلى أحدهم، وانتشر سوق البغايا فالنساء وضعن الرايات على أبوابهنّ، ودفعتهم جاهليتهم لوأد البنات وهنّ أحياء، قال الله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ*يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)، وكانت العصبيّة القبلية سبباً في نشوب الحروب بين كثير من قبائل العرب، وأُزهقتْ بسببها كثير من الأرواح، فحرب البسوس استمرّت أربعين سنة بين قبيلتي بني بكر وتغلب، وحرب داحس والغبراء أهلكت الآف الناس، وكلا الحربين قامت في أصّلها على أتفه الأسباب.
ويُمكن القول بأنّ الأمم والشعوب عموماً انحرفت في عقائدها قبل مجيء الإسلام؛ فالنّاس في الصين عبدوا بوذا، وقدّس الفُرْس النّار، وتقلّب الروم بين الوثنيّة والمسيحيّة المحرَّفة، وعَبَدَ المصريون القدماء آلهةً شتّى، وتعاظمتْ القوى الماديّة على حساب الأخلاق؛ واهتمّ الملوك والسلاطين بكلّ ما منْ شأنه أنْ يوطّد مُلكهم، فأنشؤوا الجيوش، وخاضوا المعارك والحروب.