اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بانتهاء تمرُّد جُنيد بك، أصبحت الدولة العُثمانيَّة أكثر قُوَّةً وسُلطانها مُحمَّد أوسع نُفُوذًا، حتَّى غدا بعض الأُمراء التُركمان رهن إشارته، فهبَّ أمير قسطموني عزُّ الدين إسفنديار بك الجندرلي مُرسلًا جيشًا كبيرًا جاعلًا على رأسه ابنه قاسم، لِمُساعدة السُلطان العُثماني في مُواجهته لِلأمير مُحمَّد القرماني، كما قدَّم الأمير الكرمياني يعقوب بك بن عُمر كُل التسهيلات المُمكنة لِإنجاح الحملة العُثمانيَّة على العدو المُشترك. وجَّه السُلطان مُحمَّد ضربتان قاصمتان لِلأمير القرماني، الأولى في سنة 817هـ المُوافقة لِسنة 1414م، والثانية بعدها بِعام. ففي الحملة الأولى اكتسح العُثمانيُّون الإمارة القرمانيَّة واستعادوا بعض المُدن والقلاع مثل بيشهر وآق شهر ويكشهر وسيدي شهر وسعيد إيلي، دون مُقاومةٍ تُذكر. ولم يحل بين العُثمانيين ودُخُول مدينة قونية عاصمة الإمارة القرمانيَّة إلَّا السُيُول الناجمة عن الأمطار الغزيرة التي هطلت على المدينة وضواحيها، وعرقلت حركة العساكر وآلات الحصار، لِذلك قرَّر السُلطان ألَّا يمضي قُدمًا في حملته هذه، ويُؤجِّلها إلى فُرصةٍ قريبة. واصل السُلطان مُحمَّد عمليَّاته العسكريَّة لِيضع حدًا لِلتوتر الحاصل على الحُدود الشرقيَّة لِلدولة، الناجم عن العداء السافر بين الدولتين القره قويونلويَّة والآق قويونلويَّة، وحركات عزُّ الدين إسفنديار بك الجندرلي التوسُّعيَّة، إذ حاصر پير عُمر صاحب أرزنجان، المُعيَّن من قِبل الپادشاه القرة قويونلوي أبو النصر قره يُوسُف بن مُحمَّد مدينة «قره حصار شرقي»، الواقعة في أقصى إيالة أرضروم، وتمكَّن من أسر حاكمها قبل وُصُول النجدات العُثمانيَّة إليه، وسيطر إسفنديار بك الجندرلي على مدينة صامصون وبفرة على بحر البنطس (الأسود)، مُعيِّنًا ابنه خضر حاكمًا عليها. ويبدو أنَّ أمير قسطموني كان يطمح بِتوسيع رقعة إمارته الشماليَّة مُستغلًّا انشغال العُثمانيين بِحرب القرمانيين، ويأمل في الوقت نفسه مُحالفتهم بحيث يصرف السُلطان مُحمَّد النظر عن ضم بلاده إليه. على أنَّ السُلطان المذكور لا يبدو أنَّهُ كان لِيقنع بِأقل من استرجاع كُل البلاد التي ضمَّها أبوه بايزيد إلى الدولة العُثمانيَّة، وما كان لِينخدع بِتودد إسفنديار بك إليه ومدِّه بِجيشِ لِقتال الأمير القرماني. لِذلك، أعدَّ السُلطان مُحمَّد حملةً عسكريَّةً سلَّم إمرتها إلى قائدٍ يُدعى حمزة بكر أوغلي، وكلَّفهُ باستراداد القسم المسيحي من مدينة صامصون، وهو القسم الذي يُسيطر عليه الجنويين، بينما قاد هو بنفسه حملة صامصون المُسلمة الخاضعة لِآل الجندرلي. اضطرَّ الجنويين إلى ترك صامصون المسيحيَّة بعد أن أضرموا فيها النار وركبوا سُفنهم ورحلوا، قبل وُصُول الجيش العُثماني إليها. كذلك، استسلم خضر بك بن إسفنديار حاكم صامصون المُسلمة لِلسُلطان مُحمَّد دون مُقاومة، الذي ضمَّ إلى دولته مدينة جانيك أيضًا.
التفت السُلطان مُحمَّد بعد ذلك إلى الأمير القرماني مُجددًا، الذي استردَّ بعض البلاد من العُثمانيين أثناء انشغالهم بِقتال الجندرليين شمال آسيا الصُغرى، فأرسل الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي على رأس جيشٍ لِإخضاع ناصرُ الدين مُحمَّد بك بِالقُوَّة، إذ حال المرض دون قيادة السُلطان لِلحملة بِنفسه. توجَّه الصدر الأعظم إلى الإمارة القرمانيَّة سنة 818هـ المُوافقة لِسنة 1415م، وقرَّر أن يُوفِّر عناء القتال على جُنُوده، بأن يُحاول خداع الأمير ناصر الدين وإيقاعه في فخ والقبض عليه، فكتب إليه راجيًا قُدومه بِأقل قُوَّة عسكريَّة مُمكنة لِلتشاور معهُ بِشأن الخُطُوات الواجب اتخاذها فيما لو تُوفي السُلطان العُثماني. استجاب الأمير مُحمَّد لِهذا الطلب، وسار لِلقاء الصدر الأعظم وعسكر على مقرُبةٍ من مدينة أنقرة، فباغته بايزيد باشا ليلًا بِقُوَّةٍ عسكريَّةٍ كبيرة، وألقى القبض عليه وعلى ابنه مُصطفى وسلَّمهُما إلى السُلطان. ولمَّا مثُل الأمير القرماني بين يديّ السُلطان مُحمَّد طلب منهُ العفو والسماح، وقبَّل يده، ثُمَّ أقسم لهُ يمينًا عظيمًا على القُرآن بِأن لا يخون الدولة العُثمانيَّة فيما بعد، فعفا عنهُ السُلطان وأطلق سراحه، وقلَّص حُدود الإمارة القرمانيَّة بِصُورةٍ كبيرة، وذلك بِإلحاقه مُدن وبلدات سيوري حصار، وبك بازار، ويالواچ، وشرقيّ قره آغاچ، وقيرشهر، وآق شهر، وبك شهر، وسيدي شهر، التي أعطاها تيمورلنك لِلقرمانيين، إلى الدولة العُثمانيَّة. على أنَّ الأمير القرماني، ما أن غادر وعاد إلى مدينته، حتَّى أعلن أنَّ عدائه مع بني عُثمان مُستحكم من المهد إلى اللحد. أرسل السُلطان مُحمَّد إلى السُلطان المملوكي يُعلمه بِالنصر، ثُمَّ حوَّل انتباهه مُجددًا ناحية الإمارات التُركمانيَّة مُستغلًّا الصراع الداخلي بين أفراد الأُسر الحاكمة لِتعزيز نُفوذه في تلك الإمارات، فاستغلَّ بِنجاحٍ الخلاف بين قاسم بن إسفنديار الجندرلي ووالده، فساند قاسمًا الذي اعترض على تقسيم والده لِلإمارة بينه وبين أخيه خضر، مُتهمًا إيَّاه بِمنح المناطق الغنيَّة لِأخيه، وطالبه بِإعادة التقسيم. قام السُلطان مُحمَّد بِمُحاصرة مدينة سينوپ مُجبرًا أمير الجندرلي على التنازل عن مُدن چانقري وتوساية وقلعة جك، ثُمَّ قام بِدوره بِتفويض حليفه قاسم لِإدارة تلك المُدن. وبذلك أنهى السُلطان مُحمَّد مُشكلات الأناضول - حتَّى حين - وأصبح بِإمكانه التفرُّغ لِأوروپَّا مُجددًا.