English  

كتب فن الواسطى

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

فن الواسطى (كتاب)


لقد نشأت المقامات مع نشأة غيرها من الفنون الأدبية شعراً ونثراً، وغير أنها لم تستو فناً قائماً بذاته له مقوماته إلا على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن العاشر فأعطاها تلك الملامح التي عرفت بها، حين أخرجها من نطاق الحادث المحدود إلى شكل القصة المتتابعة الأحداث النابضة بحوار الشخصيات، والتي ترسب في ذهن قارئها أو المستمع إليها عبرة تنبع من تماسك حلقاتها، لا من الحكم والأفعال المنبتة بين ثناياها.

ولقد ظهرت المقامات أول ما ظهرت في شكل الندوة التي يلتقي فيها الناس ويتصدرها الأديب محدّثاً بالعبارات الموجزة البليغة الصياغة معقباً على حادث أو عارضاً لحادثة، جاذباً أسماع الحاضرين وحتى مخيلاتهم، فكما تزخر المقامة بما فيها من متعة أدبية، كذا تزخر بما توحى به من متعة تصويرية متخيلة.

وهذا الشق الثاني لا يقوى على استنباطه إلا فنان مصوّر يستوحي من العبارة صوراً، وهو ما بعث في الفنان الرغبة في التنقيب وراء تلك الصور الخفية التي انطوت عليها المقامات، لكي يبرزها مستوحياً خياله صورة من تلك الصور النابضة التي تساير الحوار جامعاً بين ما يشيع في المقامة وبين تجسيده هو لهذا الذي يشيع فإذا هو بهذا وذاك قد جلّى لنا صورة، له منها ذلك الجسد، ولصاحب المقامة الروح التي ينبض بها، فتلك الصور مزيج بين روحين: روح المنشىء للمقامة وروح المصوّر الذي استطاع أن يستخلص من شيء مادي شيئاً معنوياً، تفيض فيه تلك الحياة التي تحتلها ريشة المصوّر بعد أن فاضت فيه تلك الحياة التي جرت على أسنة الأقلام، فالصورة هنا ذات مضمونين، مضمون أدبي يترقرق عاطفة ووجداناً، ومضمون شكلي تخيلي حافل بالشعور المجرّد ذلك الشعور الذي يحسّه المصور ويحكي عنه.

وفي هذا الكتاب يعرض د. ثروت عكاشة، إلى جانب ما أنظم من صور المقامات، بعض عبارات المقامة التي أوحت إلى المصوّر فنه وألهمته لوحاته، لكي لا يحرم القارئ وهو يُنْعم النظر في الصورة من ذلك الجانب الأول الذي انفعل به المصدر واندفع يحققه بريشته. غير أنه كان لزاماً عليه عدم الاسترسال في الإفاضة بالاستشهاد كي لا يخرج بالموضوع عن سياقه الفني التصويري إلى سياقه الفني الأدبي، لذا فقد قام باجتزاء وبإيجاز ما ورد وما يتفق مع الصورة مقامة بعد مقامة، كي يجمع القارئ معه على الصورة وما استمرت منه، إذ لا غنى للناظر في تلك الصور من خلفية تلخص له الأحداث كلها ليدرك ما انفعل به المصور وما لم ينفعل به. فمن المسلّم به أن مع كل مقامة أحداثاً قد لا يكون لها أثرها في مشاعر المصور فعدل عنها إلى غيرها مما كان له أثرها في مشاعره، لذا كان لهذا الإيحاء أثره في التعرف لمشاعر المصوّر وميوله الوجدانية والعاطفية.