اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في النصف الثاني من عام 1966 وصل سعيد السبع إلى الخرطوم بعد أن أصدرت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية قرارا بتعينه ممثلا لها في السودان وقد عمل على تعزيز العلاقات مع مختلف الأحزاب السودانية إضافة إلى زعماء الطريقتين المهدية والختمية في ذلك الوقت اجتمع مع السيد علي الميرغني زعيم الطريقة الختمية الذي قدم له هدية عبارة عن عشرة آلاف رأس بقر كدعم لمنظمة التحرير الفلسطينية فقام سعيد السبع بإرسال برقية إلى أحمد الشقيري يعلمه بأمر الهدية فطلب منه تحويلها للجيش المصري المُرابط في سيناء
واستصدر قرارا من الحكومة السودانية باعتماد يوم 29 نوفمبر من كل عام لبدء الفعاليات المؤيدة لفلسطين ضمن (أسبوع نصرة فلسطين ) كما أنه اتفق مع وزير التربية السوداني على أن تقوم المدارس السودانية بتخصيص الحصة الأولى للتعريف بالقضية الفلسطينية ويستمر هذا النشاط لمدة أسبوع .
خلال وجوده في الخرطوم شنت إسرائيل عدوانا استهدف قرية السموع يوم 13 نوفمبر 1966، جنوب الضفة الغربية التابعة للمملكة الأردنية الهاشمية آنذاك حيث نشبت معركة عنيفة بين الجيشين الإسرائيلي والأردني على إثر مصرع ثلاث جنود إسرائيليين بانفجار لغم أرضي في جنوب الخط الأخضر. وكانت نتيجة تلك المعركة استشهاد العديد من الجنود الأردنيين، وتم تسوية 125 منزل بالأرض. و كانت تلك المعركة من أحد العوامل التي أدت إلى حرب الأيام الستة في 1967، التي اندلعت يوم 5 يونيو1967 وكان من نتائجها احتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية الضفة الغربية وقطاع غزة إضافة إلى سيناء والجولان وقد تتداعى العرب إلى مؤتمر قمة عُقد في الخرطوم وذلك لبحث تداعيات النكسة، يومها مارس الحبيب بورقيبة عبر رئيس وزرائه الباهي الأدغم ضغوطا على جامعة الدول العربية والحكومة السودانية لمنع وفد منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها أحمد الشقيري من حضور القمة العربية، في تلك الفترة أوفد الشقيري شفيق الحوت إلى الخرطوم، واتفق معه على فتح حوار مع الحكومة السودانية لإقناعها بضرورة مشاركة وفد منظمة التحرير في مؤتمر الخرطوم فمن غير الممكن مناقشة قضية فلسطين بمعزل عن أهلها، وفي حال لم تستجيب الحكومة السودانية للطلب الفلسطيني يقوم سعيد السبع بإبلاغ أحمد الشقيري وترتيب دخوله إلى الخرطوم من أجل الاعتصام بالجامع وتحريض الشعب السوداني على حكومته والأنظمة العربية التي تعترض على مشاركة الوفد الفلسطيني بمؤتمر الخرطوم، ويروي شفيق الحوت في كتابه " عشرون عاماً في منظمة التحرير الفلسطينية " أنه وخلال حواره مع محمد أحمد المحجوب رئيس وزراء السودان وبعد أن وافق على دعوة أحمد الشقيري طلب أن يتحدث مع سعيد السبع عبر الهاتف فقال له المحجوب ( لم يكن يكفينا السبع حتى يرسل لنا أحمد الشقيري الحوت، نحن ناقصنا وحوش في السودان
وبذلك رفع الوفد الفلسطيني أربع لاءات لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل ولا انفراد لدولة عربية بالحل بيد أن المؤتمر لم يقرر سوى الثلاث الأولى فقط
واقترح أحمد الشقيري على مؤتمر قمة الخرطوم باسم منظمة التحرير الفلسطينية إصدار قرارات تطالب بالوفاء بالالتزامات المالية تجاه منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني وتمكن المنظمة من تحمل مسؤوليتها عن تنظيم الشعب الفلسطيني وتعزيز جيش التحرير الفلسطيني واستكمال سلطتها عليه وإنشاء معسكرات لتدريب الفلسطينين في الدول العربية بالتعاون مع المنظمة وتمكين هذه الأخيرة من استيفاء ضريبة التحرير من الفلسطيني وغادر أحمد الشقيري والوفد المرافق له المؤتمر ورفضوا كافة محاولات إعادتهم إليه إثر رفض القمة العربية لاقتراح ألا تنفرد أيّة دولة عربية بقبول أيّة تسوية للقضية الفلسطينية ورفض الموافقة على اقتراح الدعوة إلى مؤتمر قمة عربي للنظر في أي حلول مقترحة مستقبلا للقضية الفلسطينية وتحضره منظمة التحرير الفلسطينية
خلال مشاركته في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم 1967 اصطدم احمد الشقيري من موقعه كرئيس منظمة التحرير مع القادة العرب محملا إياهم مسؤولية ضياع ما تبقى من فلسطين ( الضفة الغربية وقطاع غزة ) وأثناء المشادّة الكلامية التفت شفيق الحوت نحو سعيد السبع وقال بصوت منخفض وواهن: يبدو أن صديقنا انتهى لم يترك له حليف ماذا يبقي للشقيري بعد اصطدامه بأغلب القادة العرب؟ بينما كان النقاش محتدا وصعبا، داخل القاعة، كان فريق الموساد المكون من دافيد قمحي مايك هراري شبتاي شافيت واوري لوبراني خارج القاعة متنكرين تحت غطاء “إعلامي” بوصفهما صحافيين أجانب يحصون أنفاس الوفد الفلسطيني المشارك في مؤتمر الخرطوم، وجود فريق الموساد أكده الكاتب المختص بالشؤون الاستخبارية، يوسي ميلمان. حيث أشار في كتابه "حرب الظلال -الموساد والمؤسسة الأمنية" إلى أن وكيل الموساد، دافيد قمحي، انتحل شخصية صحفي بريطاني ونقل وقائع مؤتمر القمة العربية في الخرطوم 1967، الذي عرف بمؤتمر "اللاءات الثلاثة". بعد انتهاء المؤتمر بدأت حملة احتجاجات داخل اللجنة التنفيذية تطالب باستقالته وكانت ذروتها يوم 14 ديسمبر 1967، عندما رفع سبعة من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، مذكرة إلى أحمد الشقيري مطالبينه بالتنحي عن الرئاسة، "للأساليب التي تمارسون بها أعمال المنظمة". وأعلنوا استقالتهم من اللجنة. وهم: يحيى حمودة، ونمر المصري، وبهجت أبو غربية، وأسامة النقيب، ووجيه المدني، ويوسف عبد الرحيم، وعبد الخالق يغمور. وقد بادر الشقيري يوم 19 ديسمبر1967 إلى فصلهم جميعاً. لكن مصير الشقيري تحدد يوم 20 ديسمبر 1967 عندما انضم إلى المعارضين عبد المجيد شومان رئيس الصندوق القومي الفلسطيني الذي قدم استقالته، وبذلك أصبح العدد ثمانية أعضاء من الخمسة عشر، وسرعان ما توالت المطالبة بتنحيته، من حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ما اضطر الشقيري، إلى دعوة اللجنة التنفيذية بكامل أعضائهـا، إلى جلسة عقدت برئاسته، في مقر منظمة التحرير الفلسطينية بالقاهرة يوم 24 ديسمبر1967 ولكنه رفض أن يقدم استقالته إليهم، وقال أنا هنا جئت باسم الشعب. فأقدم استقالتي للشعب الفلسطيني. وهكذا وجه للشعب الفلسطيني في الخامس والعشرين من الشهر نفسه نداء أعلن فيه أنه قد تنازل عن رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية عندها قررت اللجنة التنفيذية أن يتولى يحيى حمودة أحد أعضائها رئاسة المنظمة بالوكالة إلى حين انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. ودعت في 25 ديسمبر1967 إلى القيادة الجماعية، ويعلّل الشقيري استقالته؛ بأنها ترجع إلى "مشكلته" مع "الملوك والرؤساء العرب، الذين لا يمكنه العمل معهم، ولا يمكن العمل بدونهم؛ وهذه هي المشكلة". ويرى أن للصحافة المصرية دوراً في استقالته أرسل أحمد الشقيري بكتاب استقالته إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، مع كتاب آخـر باعتماد يحيى حمودة، ممثلاً لفلسطين لدى جامعة الدول العربية.
شكلت استقالة أحمد الشقيري ضربة كبيرة للشقيريين وهم الآباء المؤسسون للمنظمة الذين كانوا إلى جانب الشقيري مؤسس منظمة التحرير الأول، كان سعيد السبع وشفيق الحوت وأحمد صدقي الدجاني وحيدر عبد الشافي وآخرين جزء من هذه الحالة الشقيرية وهو ما يعرف بالتيار القومي العروبي داخل منظمة التحرير الفلسطينية الذين اصطلح على تسميتهم فيما بعد داخل المجلس الوطني الفلسطيني (المستقلين )، في تلك الفترة كيلت للشقيري الاتهامات فلسطينياً، بأنه صنع مؤسسة فلسطينية صورية، طُبخت سياساتها من فوق – أي من خلال الأنظمة العربية – إلاَّ أن هذه المؤسسة كانت في عهده محافظة على ثوابتها الوطنية، ولم تتزحزح عنها قيد أنملة. وأن ورثته في قيادة المنظمة، والذين ناصبوه العداء وكالوا له الاتهامات بالتقصير، ولم يمضِ على قيادتهم لهذه السفينة أقل من شهر على تنحيه، حتى كانوا قد بدأوا بالحيد عن مشروعها الرئيسي، وهو تحرير كامل الأراضي الفلسطينية دون نقصان، وبدأوا في البحث عن حلول سلمية للقضية الفلسطينية لا تتطابق مع نهج وسياسة المنظمة التي أسسها الشقيري. ومهما يكن من أمر، فإن أخطر ما تعرضت له منظمة التحرير الفلسطينية من تطورٍ في برنامجها الوطني بعيد تنحي الشقيري مباشرة، كانت عبر المجالس الوطنية الفلسطينية الواقعة تحت هيمنة الفصائل الفلسطينية، ابتداءً من كانون ثانٍ (يناير) 1968، وحتى عام 1971، وبتأثير من حركة فتح، التي تبنت فكرة إقامة دولة ديمقراطية في فلسطين، يتعايش فيها العرب واليهود. أي أن منظمة التحرير تخلّت عن موقفها الرافض لوجود مهاجرين يهود في فلسطين، بعد أن كانت تعتبرهم مستعمرين عنصريين خلال فترة الشقيري، وكان المبرر لذلك هو كسب تأييد الرأي العام الدولي، واستقطاب القوى والأحزاب السياسية في العالم.
ما إن تولّى يحيى حمودة رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية حتى نُسب له تصريح ونقلته جريدة النهار اللبنانية في 3 يناير1968، أقوال غاية في الخطورة، "إنه يجب مواجهة الأمور وعدم المطالبة بالمستحيل، نحن نقول لليهود حتى الذين أتوا إلى فلسطين بعد 1948: تريدون السلام والتعايش حقاً؟ تحرروا من الصهيونية كحركة سياسية وعقيدة متزمتة عنصرية ودينية، واقبلوا أن تعيشوا مع العرب في دولة فلسطينية، يهودية – عربية حيث يكون لكل فئة حصتها، حسب استحقاقها وحقوقها". وأضاف قائلاً: "كل شيء ممكن، إذا رفض يهود إسرائيل التخلي عن الصهيونية، علينا أن نقتسم فلسطين حسب العدالة والحق، والمعروف أن قسماً من فلسطين كان دائماً للعرب، في هذا الجزء عاش أجدادنا وماتوا ودُفنوا. هذا الجزء هو وطننا وتراثنا الروحي والثقافي، وهو منازلنا وأراضينا وتجارتنا. لم يكن يحق لأحد أن يسلبنا هذه الأملاك، التي هي جزء منا، ليعطيها لشعبٍ يبحث عن وطن لأن اليهود كانوا ضحية الاضطهاد النازي. لقد تمَّ كل شيء الآن ومن السخف أن نطلب من اليهود العودة إلى وطنهم الأصلي. إذا أرادوا البقاء في فلسطين بغير التخلي عن الصهيونية، فليحتّلوا الأجزاء من فلسطين التي لم تكن مستغلة قبل 1948، وليردُّوا إلينا الأجزاء التي سلبوها للعرب، وإلاَّ سيكون الصراع الدائم مهما كانت النتائج. صدّقني أنا ديمقراطي حتى العظم، ومؤيد حقيقي للسلام. ومع هذا يستحيل عليَّ أن أقبل أو أتخيّل الأمر الواقع الإسرائيلي في حالته الراهنة".
في كانون ثانٍ (يناير) 1968، رفع ياسر عرفات وحركة فتح شعار (الهدف) الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين، وعلل هذا الأمر أن ذلك يقدِّم حلاً إنسانياً تقدّمياً للمشكلتين الفلسطينية والإسرائيلية. ولكن أخطر ما انطوى عليه هذا الحل، أنه تحوُّل عن أهداف منظمة التحرير الفلسطينية، قوامه الاهتمام بالوجود اليهودي القديم والجديد في فلسطين . واعتُبر هذا التحوُّل إيذاناً مبكراً بتسلل ما سُمي فيما بعد بالمواقف المعتدلة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وهي الوجهة التي سيُقدّر لها الاتساع والتمدد بين قيادات منظمة التحرير الفلسطينية . ومن خلال ما سبق بيانه، يتضح أن ما ذكره يحيى حمودة الرئيس الثاني لمنظمة التحرير الفلسطينية، وما تبنّته حركة فتح، إنما خرجا من مشكاةٍ واحدة، وأن ثمة تلاقحاً للأفكار والمواقف، وإن شئنا الدقة فإن توافقاً على تبني هذا المشروع كان موجوداً لدى الطرفين، وذلك على الرغم من إن أحمد الشقيري لم يكن فقط أول من عارض القرار القرار 242، بل ورفض التفاوض مطلقاً مع إسرائيل كما هو معروف .
في 16 سبتمبر 1968 وصلت برقية لسعيد السبع من درويش الابيض مدير عام الصندوق القومي، كان من الواضح أن هذه الرسالة هي بناء على تعليمات من عبد المجيد شومان الذي لعب الدور الأساس بإسقاط أحمد الشقيري، كانت البرقية غير مؤرشفة وفيها استفسار عن مكان إقامته في الخرطوم، واضعا عددا من العقبات الإدارية أمام استمرار عمله في الخرطوم، كان من الواضح أن هناك حملة تستهدف كل من كان على تحالف وثيق مع أحمد الشقيري، كانت هذه الرسالة مترافقة مع قرار نقله من الخرطوم، فقام بتسليم مكتب منظمة التحرير يوم 10 نوفمبر 1968 إلى عبد اللطيف أبو حجلة، وانتقل للعمل بمقر الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية في القاهرة، وخلال وجوده هناك حضر دورة المجلس الوطني الفلسطيني الخامسة عن قطاع المستقلين، والتي انتخب فيها ياسر عرفات في 4 فبراير1969 وافتتح الدورة الرئيس جمال عبد الناصر وبعدها بثلاثة أشهر أصدر ياسر عرفات قرارا عيّن بموجبه صبري البنا ممثلا لحركة فتح في الخرطوم، ترافق هذا القرار مع وصول جعفر النميري إلى الحكم بانقلاب عسكري فقام باعتقال رئيس الوزراء محمد أحمد المحجوب وإسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة السوداني وبذلك كانوا الطرف الثاني الذي يدفع ثمن اللاءات الثلاثة بعد أحمد الشقيري .
يقول صلاح الأزهري شقيق إسماعيل الأزهري أن أخاه تعرض للتسميم خلال فترة سجنه على يد جعفر النميري، بينما يؤكد يقول القيادي الفلسطينى عاطف أبو بكر المنشق عن تنظيم المجلس الثوري جماعة صبري البنا أن الأخير مع جعفر النميري كانوا وراء تسميم الرئيس جمال عبد الناصر خلال زيارته الاخيرة إلى الخرطوم لافتتاح معرض الثورة الفلسطينية يوم 2 يناير 1970، أما روبرت فيسك فقد نشر تقريرا عبر صحيفة ذي إندبندنت البريطانية، يقول فيه إنه حصل على وثائق تثبت أن صبري البنا، كان جاسوسا أمريكيا، يعمل لصالح سي .آي .إيه، وأنه عمل على توريط نظام الرئيس العراقي صدام حسين من خلال إيجاد صلة بينه وبين وزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن تمهيداً لإدانة العراق واحتلاله، إلاّ أنّ أجهزة الأمن العراقية اكتشفت دور البنا فقامت بتصفيته.