اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أحاط الله -سبحانه- بكلِّ شيءٍ علماً، فهو شاهدٌ على عالم الشهادة كلّه، وقد أحاط بعلم الغيب جميعه، قال سبحانه: (عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ الكَبيرُ المُتَعالِ)، فهو -سبحانه- مطّلعٌ على أعمال وأفعال العباد الظاهرة والباطنة، وعلمه قد أحاط بالحبّة في ظلمات الأرض، وبعدد حبّات الرمال، وعدد قطرات المطر، ومكاييل الأنهار والبحار والمحيطات، وكل ما في البرّ والبحر، فقد أحصى كلّ شيءٍ علماً، (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، فهو إذاً عالِمٌ لكلِّ ما في الغيب والشهادة، وفيما يأتي تفصيلٌ لمعنى عالَم الغيب والشهادة في اللغة والاصطلاح:
ويفرّق بين العَالَمين أيضاً بالإيمان بهما؛ فعالم الشهادة يستوي فيه جميع الناس، فلا أحد يستطيع إنكاره، ولا فضل لأحدٍ على أحدٍ في الإيمان به، أمّا عَالَم الغيب فهو ميزان التفاضل عند الله، وبه يصل الإنسان إلى درجة المُتقين؛ لأنّ الإنسان يؤمن ويصدّق بشيءٍ لا يراه، قال الله -تعالى- في صفات المتقين: (الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ...).
عالَمُ الغيب ما يكون غائباً عن المخلوقات، وهناك نوعان من الغيب، وهما: الغيب المُطلق، والغيب النسبي، وبيان كلّ نوعٍ فيما يأتي:
وذهب بعض العُلماء إلى تقسيم أنواع الغيب بصورةٍ أخرى؛ فالقسم الأول: لم يدركه كلّ البشر، وإنّما البعض منهم؛ كقصة نبي الله يوسف، فلم يشاهدها أو يدركها كلّ البشر بحواسهم، ولكنّ يوسف وإخوته قد عاشوها وأدركوها، والقسم الثاني: ما لم يدركه البشر، وإن كان من الممكن بالعقل إدراكها لو وُجدوا حين وقوعها؛ كالأخبار التي حدثت قبل وجود البشر على الأرض، والقسم الثالث: ما لا يُمكن للحواس إدراكه، ولا للعقل الحُكم عليه أو الإحاطة به؛ كصفات الله، وأحوال يوم القيامة، أما قوله -تعالى-: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا*إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)، فهو كقوله -سبحانه-: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)، فهو غيبٌ أراد الله -تعالى- تبليغه ممّا يتعلّق بأمور الدنيا أو الآخرة، فأطْلع عليه الأنبياء لأداء الرسالة، وسمّاه ابن عاشور في التحرير والتنوير: "الاطلاع المحقق، المفيد علماً، كعلم المشاهدة".
للمزيد من التفاصيل عن الإيمان بالغيب الاطّلاع على مقالة: ((مفهوم الإيمان بالغيب)).
إن للغيب وعالمه مجموعةً من الخصائص؛ منها: أنّ الإحاطة به من خصائص الله -سبحانه- وحده، أما البشر فلا يُحيطون به، كترتيبات القضاء والقدر، وعلم الساعة، وغيرها من الأمور الغيبية، قال سبحانه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)، ولكن يطّلعون على القليل منه، وهو ما أراد الله أن يُخبرهم به، ولا يتوقّف ذلك على إرادتهم، لتتحقّق لهم الغاية من خلقهم، وأمّا الغيب الذي يُطلعه الله لأنبيائه فهو من قَبيل الاصطفاء والاختيار، ومن خصائصه أنه مختصٌّ بعالم اللا محسوس، وإن كان العقل يدركه.
يوجد في الغيب أشياء كثيرة؛ كاللوح المحفوظ، والنار، والعرش، وغيرها، ولا يُمكن معرفة هذه الموجودات إلّا بِمجموعةٍ من المصادر، وهي:
لِكُل عالَم موجوداته، وموجودات عالَم الشهادة هي كُلّ شيءٍ يُحيط بالإنسان من عالم الطبيعة، ويُمكن له إدراكه بِحواسه؛ كالحيوان، والنبات، والجماد، ومن أهمّ خصائص هذا العالَم أنّ الإنسان يُمكنه أن يعقله بالحسّ والبحث، ثُمّ بِعقله، فتكون الأداتين مُكملتين لِبعضهما، فالدارس والمتعلّم لا يخرجان عن العالم الملموس والمحسوس، لِيُحقق الهدف من استخلاف الإنسان في الأرض، مع استناده للوحي ليتكامل بذلك لفهمه لحياته ودينه، وأمّا أقسام هذا العالم فهما قسمان، الأول: الآفاق*، والثاني: الأنفُس*، وقد ذكرهما الله بقوله: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، فيكون للإنسان التفكّر في السماوات، والأرض، والقمر، وغير ذلك ممّا في الكون، وقد أمر الله الإنسان أن يتفكّر بعقله في الكون الفسيح في أكثر من آيةٍ، مثل قوله -تعالى-: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ*وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ*تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)، وكُل ذلك ليتكامل الإنسان بين القسمين، فيُسخّر ما في الكون والأُفق، لتحقيق سعادته في فهم نفسه وحاجياتها، ليُحقّق مفهوم الخلافة في الأرض، والحديث عن عالَم الغيب والشهادة يتعلّق بالمخلوقات، وأمّا بالنسبة لله فعلمه مُطلقٌ، كاملٌ، ومُحيطٌ بكلّ الأشياء، ولا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، ممّا يجعل الإنسان مُراقباً لأعماله وتصرفاته؛ لِعلمه بِعلم الله به، وأنّه مسؤولٌ عن أعماله يوم القيامة، وبذلك تبرز أهمية التكامل بين العالَمين؛ الغيب والشهادة، ومن الآيات التي تُبين تلك الحقيقة قوله -تعالى-: (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، والحس هو وسيلة الإدراك المباشرة، وبداية طريق الإنسان نحو المعرفة، ولا يستطع الإنسان به أن يُدرك جميع الأشياء، ولكن لا بدّ له من النقل والعقل ليكون منهجاً مُتكاملاً.
للإيمان بأنّ الله عالم الغيب والشهادة الكثير من الآثار الإيمانية، منها:
________________________________________
الهامش
* قطعي الثبوت: هو ما قطعنا بصحّته إلى الشارع، ولا مجال للاجتهاد فيه؛ كالقرآن الكريم، والسنّة المتواترة.
*حديث الآحاد: هو ما الحديث الذي لم تجمع الأمة على تلقّيه بالقبول، ولم يجمع شروط التواتر، وهو ظنّي الدلالة، وفيه مجالٌ للاجتهاد، والأدلة الشرعية من الكتاب والسنة تثبت وجوب العمل بحديث الآحاد والاحتجاج به.
* الآفاق والأنفس: معنى الآية الكريمة (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)؛ أي: وعد الله -سبحانه وتعالى- بأنه سيكشف للناس عن آياته ومعجزاته في السماوات وفي الأرض وفي أنفسهم؛ حتى يدركوا أن القرآن الكريم حقٌّ أنزله الله -تعالى- على نبيّه -صلى الله عليه وسلم-، وكل ذلك يدلّ على وحدانية الله -عز وجل- وكمال علمه وقدرته وحكمته، فالمقصود بالآفاق: نواحي السماوات والأرض، والمقصود بالأنفس: بديع صنع الله -تعالى- للإنسان عموماً، وخلقه بأحسن صورة.