اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لقد قام بإصلاحها منذ إنشائها حتى زمن السلطان سليمان القانوني العديد من الملوك والأمراء. وفي زمن السلطان سليمان انقطعت "عين زبيدة"، وتهدّمت قنواتها، وصار أهل البلاد يستقون من آبار حول مكة يُقال لها "العسيلات"، وأخرى يُقال لها "الجوخى"، وصار الماء غاليًا جدًا.
وكان الحجاج يحملون الماء إلى عرفات من الأمكنة البعيدة، وصار فقراء الحجاج يوم عرفة لا يطلبون شيئًا غير الماء، لعزّته، ولما عُرضت أحوال العين إلى السلطان؛ أمر بالفحص عنها ودراسة كيفية إعادة جريانها؛ فتألفت لجنة من قاضي مكة يومئذ الشيخ "عبد الباقي بن علي الغربي" والأمير "خير الدين خضر" أمير جدة" وغيرهما من الأعيان، فقرّروا أنه يمكن إعادة جريان الماء بكلفة 50,000 ليرة عثمانية ذهبًا؛ ظنًّا من غير تحقيق ولا تقدير لعواقب العمل الكبير.
ولما كانت صاحبة هذه الصدقة الجارية هي السيدة "زبيدة العباسية" فقد رُؤي أن تكون كريمة السلطان هي التي تتولى إصلاحه، وهكذا فقد عيّن الأمير(إبراهيم بن بردى) دار بمصر لإنجاز هذه المهمة، فحضر إلى مكة، وشرع في عمله، واستخدم من العمال أربعمائة مملوك ومعهم ألف آخرون من العمال والبنّائين والمهندسين والحفّارين، وجلب من مصر، والصعيد، ومن الشام وحلب، وإسطنبول، واليمن طوائف بعد طوائف من المهندسين، ومن المختصين بجرّ المياه، وترتيب القنوات، وكثير من الحدادين والحجّارين والبنّائين، والقطّاعين والنجارين.
وكان قد حمل معه من مصر بما لا حصر له من آلات العمارة والنقب والمكاتل، والمساحي، والمجاريف، والحديد، والفولاذ، والنحاس، والرصاص، وكان يظن أنه يستطيع أن يتمّ العمل في عام. ولكنه علم بعد ذلك أن الخطب كبير، والعمل كثير؛ فإنه كان يحتاج لحفر ألفي ذراع بذراع البنائين في الصخر والصلب؛ ليمكن إتمام الإصلاح وإيصال الماء إلى مكة، والحفر المطلوب عميق في الحجر الصوان يصل أحيانًا إلى عمق (50) ذراعًا، ولم يمكنه ترك العمل بعد الشروع فيه حفظًا لناموس السلطنة الشريفة، والمهمة المستحيلة فكان يوقد على الحجر الصوّاني الذي يجب حفره مقدار مائة حمل حطب جزل ليلة كاملة، والنار لا تعمل إلاّ في العلوّ، أما فيما أسفلها فتعمل عملاً يسيرًا لا يزيد على قيراطين اثنين، فيزال هذا القدر المحترق، ثم يُعاد إيقاد الحطب، وهكذا فقد صبر الأمير إبراهيم صبر أيوب، وكلما فرغ المصروف أرسل وطلب مصروفًا آخر، إلى أن أتى على 500,000 ليرة عثمانية ذهبية.
وغرق له في أثناء قيامه بالمهمة مركب فيه ثروته وسائر تجملاته، وقيمتها 100,000 ذهبية، فما تزعزع ولا توانى، ثم مات له طفل وتبعه ولدان، فاحترق للجميع قلبه، ومات أكثر مماليكه كل ذلك وهو يتجلّد ويتجمّل إلى أن وافاه الأجل قبل إنجاز المهمة المستحيلة.
فتولى الأمر من بعده أمير "جدة"، فمات أيضًا دون إنجازه. إلى أن أتمّها القاضي السيد "حسين الحسني"، بعد أن استغرق العمل عشرة أعوام كاملة، وهلك دونه أمراء وخدّام ومماليك، وأُنفقت ثروة طائلة.