اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قبل أن يتمكن الأمير بشير من القبض على الحكم بيديه، كان السفر شاقا، وكان اللصوص يقطعون الطرق. فلما استتبّ له الأمر، طارد قطّاع الطرق، ولاحق المجرمين وأنزل بهم أشد العقاب، حتى ساد الأمن، واطمأن الناس على حياتهم في السفر، فأخذوا يتنقلون في البلاد ليلا ونهارا من غير خوف. وقد تناقل الناس أخبارا كثيرة عن العقاب الصارم الذي كان يُنزله الأمير بشير بكل من ارتكب جرما، كما أن كتب الرحالة الأجانب الذين زارو لبنان في عهد الأمير، حافلة بقصص الأمن السائدة، وكيف استطاع الأمير أن يُطهر البلاد من الخارجين عن القانون. ومن هذه القصص أن امرأة شكت للأمير أن زوجها قد قُتل، فما كان من الأمير إلا أن أنذر أهل القرية التي قُتل فيها الرجل بأن عليهم أن يكشفوا القاتل ويسلموه..وإلا أنزل العقاب بعدد من رجال القرية. وفي خلال ساعات معدودة، كان القاتل بين يدي الأمير ينتظر حكمه.
واحتفظ لبنان في عهد الأمير بطابعه التاريخي المميز، وذلك في ترحيبه بكل لاجئ إليه، راغب في الاستقرار في ظل الحرية. فقد دعا الأمير بشير 400 أسرة درزية، كانت تقيم في ضواحي حلب وتعاني ألوانا من الاضطهاد والضغط من جيرانها، دعاها الأمير إلى الإقامة في لبنان وقدّم لها المساعدة ليتمكن أفرادها من الاستقرار وتأمين شؤون عيشهم. وقد اكتسبت بعض هذه الأسر عند إقامتها في لبنان لقب "الحلبي" إشارة إلى حلب موطنها الأول. ونزحت في عهد الأمير بشير، من منطقتيّ حلب ودمشق أسر عديدة من الروم الكاثوليك، وأقامت في دير القمر، وذوق مكايل قرب جونية.
كانت إجراءات العدالة في عهد الأمير بشير تتم على الشكل التالي: يحكم الأمير بالدعاوى الجنائية والسياسية، وبعض الدعاوى التي تقع بين شخصين من طائفتين مختلفتين، ويحكم رجال الدين بالقضايا الدينية، أما القضايا المدنية التي تخرج عن صلاحيات رجال الدين، فكان يتولاها قضاة مدنيون. وأما القضايا الصغيرة والمخالفات فيحكم بها مخاتير القرى، أي مشايخها. وأراد الأمير أن يكون للبنان قضاء منظم، فاختار عددا من الشباب المتعلم، وأوفدهم إلى كبار فقهاء العصر، فتخصصوا في الفقه والقانون، ثم تولوا مناصب القضاء المدني.
وقد أصبح الجيش في عهد الأمير بشير قوة يعتمد عليها الولاة العثمانيون في دعم مركزهم وفرض نفوذهم، وكثيرا ما طلب الولاة إلى الأمير بشير أن يعاونهم في ذلك. ومن المعارك التي خاضها جيش الأمير خارج حدود لبنان معركة دمشق ومعركة سانور. وعندما أضيفت ولاية دمشق إلى سليمان باشا والي عكا سنة 1810، امتنع والي دمشق عن تسليم المدينة إلى الوالي الجديد، فاستنجد سليمان باشا بالأمير بشير، الذي لبّى طلبه وزحف على رأس جيشه، فحارب الوالي المتمرد حتى اضطر إلى الفرار، فتسلّم سليمان باشا منصبه في دمشق.
في هذا العهد الزاهر اعتنق البعض من الشهابيين المسيحية دينا، وكان من بينهم أبناء الأمير بشير وبشير نفسه بحسب الظاهر، ومما هو متوافق عليه من أسباب تحولهم، هو التأثير الذي خضعوا له من قبل مربيهم ومستشاريهم المسيحيين منذ طفولتهم، وعيشهم في جبل لبنان ذي الأغلبية المسيحية المارونية والدرزية، فشكلت كل هذه العناصر برودا لعلاقتهم مع دين آبائهم وأجدادهم أي الإسلام. يُقال أن الأمير علي الشهابي، كان أول من اعتنق المسيحية سرّا وذلك في عهد الأمير يوسف، وفي هذه الرواية المزعومة، كان الأمير قد أحب امرأة درزية وبادلته الحب، لكنها خافت أن يستخدم حقه الشرعي ويتزوج عليها في المستقبل إن دخل علاقتهما أي ملل، من هنا توجهت نحو الدين الذي يؤمن لها مرادها، وبواسطة بطريرك ماروني موهوب، نجحت في تحويل زوجها إلى المسيحية. يقول بعض المؤرخين أن بشير الثاني اعتنق المسيحية سرّا واستمر بتأدية الفرائض الإسلامية، كأن يُصلي في المسجد يوم الجمعة، ويصوم شهر رمضان علنا، ولكنه كان أيضا يقيم في قصره قدّاسا يوميّا يخدم فيه راهب كاثوليكي، تحت ستار مفاده أن زوجته الشركسية اعتنقت الدين المسيحي. ويقول بعض الرحالة، مثل لامارتين الذي زار لبنان سنة 1832، أن دين الأمير كان في واقع الأمر لغزا محيرا، حيث لم يستطع أحد إثبات شيء عليه.