English  

كتب عقود مدنية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

عقيدته الدينية (معلومة)


عقيدة ابن جنِّي وآراؤه الدينية يشوبها الغموض، وظلَّت موضع خلاف بين المؤرِّخين القدامى وكذلك الباحثين المعاصرين، ومِمَّا لا شكَّ فيه أنَّه كان مسلماً، ويزعم كُلٌّ من المؤرِّخين السُنَّة والشيعة انتماء ابن جني إلى طائفتهم، وهناك دلائل تؤيد زعمَ كُلاً من الطرفين.

شيعيته

يعتقد عددٌ من المؤرِّخون الشيعة أنَّ ابن جني كان شيعياً، ومِمَّن يذهب إلى أنَّ ابن جني كان متشيعاً محسن الأمين العاملي، حيث ترجم له في كتابه "أعيان الشيعة"، وكذلك آغا بزرك الطهراني الذي ذكر "الخصائص" لابن جني في كتابه "الذريعة إلى تصانيف الشيعة"، والسيد حسن الصدر في كتابه "تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام".

وهناك دلائل كثيرة تؤيِّد حقيقة كونه متشيعاً، منها إلحاقه صيغة الصلاة بعد ذكر علي بن أبي طالب، وهو أمر معهود في الأدبيات الشيعية، فيقول: «ومنه قول علي - صلوات الله عليه - إلى الله أشكو عجزي وبجري»، وكذلك يُلحقُه بالتسليم عليه، فيقول: «ومن كلام ابن عباس في صفة أمير المؤمنين عليهما السلام [...]»، والتسليم على علي من عادات الشيعة أيضًا، ويُصلِّي كذلك على الحسن، فيقول: «قال الحسن - صلوات الله عليه - لرجل [...]»، ويُصلِّي كذلك على كامل أهل البيت، فيقول: «وصلى الله على صفوته محمد وآله المنتجبين عليه وعليهم السلام أجمعين»، والصلاة المعهودة عند الشيعة على أهل البيت تكون بعطف كلمة «آل» على محمد بحرف الواو، وهو الأسلوب المتَّبع في صلاة ابن جني، بينما يميل السنة إلى إدخال حرف الجر «على» قبل «آل». ومن الأدلة على تشيعه صِلاته الوثيقة وعلاقاته الوطيدة بأعلام الشيعة ورجالها في زمنه، فعندما دخل ابن جني مدينة واسط نزل في دار الشريف أبي علي الجواني، وهو من أئمة الشيعة في زمنه ونقيب العلويين في واسط، وربطته علاقة صداقة قوية بالشريف الرضي، وهو من أهم علماء الشيعة وأدبائهم ونقيب العلويين حتى وفاته، وتقرَّب ابن جني من البويهيين، وهم سلالة ملكية شيعية عملت على نشر التشيع في العراق، وظلَّ في صحبتهم حتى وفاته. وهناك رواية عنه قد يُفهم منها تشيعه، وهي «أنَّ علي بن عيسى الربعي كان على شاطئ دجلة في يومٍ شديد الحر، فاجتاز عليه الشريف المرتضى ومعه ابن جني، وعليهما مظلَّة تظلُّهما من الشمس. فهتف الربعي بالمرتضى، وقال له: ما أحسن هذا التشيُّع! علي [يُشِير إلى نفسه] تتقلَّى كبده في الشمس من شِدَّة الحرِّ، وعثمان [يشير إلى ابن جني] عندك في الظلِّ لئلا تصيبه الشمس. فقال المرتضى للملَّاح: أسرع قبل أن يسبَّنا». ويرى عبد الفتاح الشلبي أنَّ هذه الرواية دليلاً على تشيُّع ابن جني، وكذلك يفعل محمد النجار، بينما يستنتج محققو "سر صناعة الإعراب" من هذه الرواية أنَّ ابن جني لم يكن شيعياً، استناداً على تصرُّفات الربعي تجاه ابن جني بخصوص عدم أهليَّته بمصاحبة رجل دين شيعي، وأنَّه هو الأحق بهذه الصحبة.

سُنِّيته

في مقابل الآراء التي تذهب إلى تشيّعه هناك من يؤكِّد أنَّه كان سُنِّياً، ويسعى القائلون بسُنِّيته إلى تفنيد الأدلَّة على تشيُّعه، فابن جني عندما يُلحق الصلاة على علي والحسن بطريقة الشيعة فهو أيضًا يترضَّى عنهما بطريقة أهل السُنَّة، فيقول: «يُعلَمُ أنَّ أمير المؤنين علياً - رضي الله عنه - هو البادئه والمُنَبِّه عليه»، ويقول: «ومنه قراءة الحسن رضي الله عنه». ومن الأدلَّة على سُنِّيته الصلاة على الصحابة - جميعهم - مع النبي، فيقول: «والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً»، وترحُّمه على عمر بن الخطاب، فيقول: «وقرأ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه»، وترضِّيه على معاوية، فيقول: «وحُكِيَ عن معاوية - رضي الله عنه - أنَّه قال لرجلٍ [...]»، ويترحَّم على أبي حنيفة[؟] وهو أحد أئمة المذاهب السُنِّية الأربعة في الفقه، فيقول: «هذا موضع كان أبو حنيفة - رحمه الله - يراه ويأخذ به»، ويترحَّم على تلامذته وأتباعه، فيقول: «وقُلتُ مرةً لأبي بكر أحمد بن علي الرازي - رحمه الله - [...]»، ويقول: «وكُتُب محمد بن الحسن - رحمه الله - إنَّما ينتزع أصحابنا منها العلل»، ويقصد علل الفقه، وهذان الاثنان عُرِفا بالتزامهما بمذهب أبي حنيفة، ولابن جني مخطوط في مكتبة الفاتيكان بعنوان "مسألتان من كتاب الإيمان لمحمد بن الحسن الشيباني الفقيه الحنفي"، ويفصُلُ ابن جني في بعض الأحيان بين الصلاة على النبي وعلى آله بحرف جر على عادة أهل السنة، فيقول: «وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم»، ويذكر وجوب غسل الرجلين أثناء الوضوء وهو مذهب أهل السنة بينما يذهب الشيعة إلى مسحها فقط.

ويذهب أغلب من قال بسنِّيته إلى أنَّه على مذهب أبي حنيفة، والأدلة على ميوله نحو هذا المذهب كثيرة سبق ذكرها، ويلاحِظ محمد النجار أنَّ ابن جنِّي يقتبس من كتب الفقه الحنفي وأصوله في تعامله مع المسائل اللغوية والنحوية، ويسجِّل أمثلةً ينتصر فيها ابن جني للمذهب الحنفي على الشافعي في مسائل لغوية، يقول ابن جني: «وأمَّا ما يحكيه أصحاب الشافعي عنه من أنَّ الباء للتبعيض شيء لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثُبُت». ويعتقد النجار أنَّ ابن جني كان سُنِّياً، وفي محاولةٍ لتفسير تقاربه مع الشيعة وأخذه من أساليبهم وآرائهم تصوَّر أنَّه كان يُصانع الشيعة في تلك المسائل، من باب حُسن المعاملة ليتقرَّب إليهم ويُوطِّد علاقته بالبوهيين، وتابعه في هذا الاعتقاد فاضل السامرائي، وينتقد حسام النعيمي ما ذهب إليه النجار والسامرائي، ويعتقد أنَّه كان سُنِّياً بلا مُصانعة، ويسوق عدد من النصوص التي تؤكِّد سُنِّيته، ويُشدِّد أنَّ حُبَّ علي وأبنائه من شأن كُلِّ مسلم وليس دليلاً على تشيُّعه.

اعتزاله

وسواء كان ابن جني سنياً أو شيعياً فمن المتفق عليه أنَّه كان معتزلياً، وأوَّل إشارة إلى اعتزاله عند جلال الدين السيوطي في "المُزهِر": «ابن جني كان معتزلياً، كشيخه أبي علي». وهناك عدد من الأدلَّة تؤيد حقيقة اعتزاله، ويذكر محمد النجار عدد من الأدلَّة على اعتزاله، ومنها اعتقاد ابن جني بمبدأ المعتزلة في خلق الإنسان لأفعاله، فيقول في "الخصائص": «نحو خلق الله السماء والأرض وما كان مثله، ألا ترى أنَّه - عزَّ اسمه - لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا؟ ولو كان حقيقةً، لا مجازاً، لكان خالقاً للكفر والعدوان وغيرها من أفعالنا عزَّ وعلا». ويذهب إلى أنَّ الله خالق لكلامه، وهو قولٌ معتزليٌ مشهور، وعلى هذا المبدأ المعتزلي يُفسِّر الآية من سورة النساء: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكلِيماً». ويضيف عبده الراجحي دليلاً أخراً على اعتزاله من "المُحتَسب" حيث يُفَضِّل ابن جنِّي القراءة الشاذَّة للآية من سورة الأعراف: «قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَسَاءَ»، على القراءة المشهور للآية التي تقول: «قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ»، لأنَّ القراءة الشاذَّة تُظهِرُ العدالة الإلهية أكثر من المشهورة، ومفهوم العدل هو من أصول المعتزلة. وتأثَّر ابن جني بالاعتزال في صناعته النحوية واللغوية، فيستعير مصطلحات من المعتزلة ويوظِّفها في دراساته، ومن ذلك أنَّه وضع باباً في "الحُكم يقف بين الحكمين" يكثر فيه من تكرير عبارة "المنزلة بين المنزلتين"، والمنزلة بين المنزلتين هو واحد من أصول المعتزلة، وهو منزلة الفاسق بين المؤمن والكافر، وهذه القضيَّة هي سبب اعتزال واصل بن عطاء عن مجلس أبي الحسن البصري ومن ثمَّ نشوء فرقة المعتزلة. ويجعل فاضل السامرائي من اعتزال ابن جني مؤشِّراً على تشيُّعه الذي يجده مصطنعاً، نظراً للعلاقة التاريخية السياسية بين الاعتزال والتشيُّع. ومحمد النجار لا يجزم أنَّ ابن جني كان معتزلياً، ويضع احتمال أنَّه اقتبس منهم ما رآه صواباً، ولكنَّه لم يُلزم نفسه بالتقيُّد في كُلِّ آرائهم.

المصدر: wikipedia.org