اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أسَّسَ العرب والمُسلمون، مع نهاية العصر العباسي، علاقاتٍ تجاريَّة وثيقةٍ ولمُدَّة قرونٍ مُتَّصلة مع جميع المُدن السواحليَّة، بدءاً من مقديشو شمالاً وانتهاءً بميناء سفالة في موزمبيق جنوباً، ولعلَّ السَّبب بعدم تقدُّم التجَّار لأبعدِ من ذلك على السَّواحل الأفريقيّة الجنوبية هو قسوة الظروف الجويّة هُنَاك، وتحوّل خط الساحل إلى شواطئ صخريَّة وعرة من الخطر الإبحارُ حولها. وبين القرن 8 إلى 12 بعد الميلاد كانت التّجارة السواحليّة مع العرب مُقتصرةً على المُنتَجات الكماليَّة، إلا أنَّها تطوَّرت بدءاً من القرن الثّالث عشر لتشمَلَ كلَّ أشكال السِّلَع. قَدَّم التُجّار الأجانبُ للأفارقة المصنوعات الخزفيَّة والمنسوجات الحريريَّة والأواني بمُختلف أشكالها وأنواعها، وحصلوا بالمُقابل على العديدِ من المواد الخام النَّفيسة، ومن أهمِّها الذهب، الذي بدأ العربُ بالاهتمام بالحُصُول عليه بشدَّة مُنذ القرن العاشر فصاعداً، وكان يستخرجه السواحليُّون من مناجم عديدةٍ حفروها في هضبة زيمبابوي. أصبحتْ مُدُن ساحل شرق أفريقيا هي الوسيطَ الأساسيَّ الذي يُوصل البضائع الأفريقيَّة إلى الأجزاء الأخرى من العالم خلال العُصُور الوسطى، وجعلها ذلك محوراً تجارياً شديدَ الأهميَّة. وقام التجار الأفارقةُ أيضاً برحلاتٍ خاصَّة بهم نحو الهند والصّين وبلاد العرب للمتُاجرة ببضائعهم، إلا أنَّ هذه الرحلات كانت أمراً نادرَ الحُدُوث نسبياً، حيث أنَّ مُعظَم النشاط التجاري كان يُحرِّكه الأجانب.
في بداية القرن الثالث عشر الميلادي وصلت أسرة آل نهبان العُمَانيّة إلى جزيرة بيت وبسطت سيطرتها عليها، وحكمَ النهبانيّون هذه الجزيرة لثلاثة قُرونٍ حتى وُصول المُستكشفين البرتغاليّين، وكان لهُم نفوذٌ كبيرٌ على الموانئ والمدن الساحليّة المُحيطة بهم (وقد استمرَّ حُكمهم للجزيرة على فتراتٍ مُتقطّعة حتى قرونٍ طويلة لاحقة). وفي فترةٍ مُقاربة بحوالي سنة 1277م تمكَّن آل أبو مُهيب العرب من الوُصول إلى سِدّة الحُكم في مدينة كيلوا السواحليّة - إحدى أهمّ موانئ الساحل الأفريقي - وأسَّسوا فيها سلطنة كيلوا، التي ظلَّت قائمةً حتى سنة 1505م، وبعد ذلك تجزَّأت إلى دُويلاتٍ صغيرة مُفتّتة نتيجة الغزو البرتغالي.
مع بداية القرن الرابع عشر أصبحت مدينة كيلوا المركز الأساسيَّ للحضارة على ساحل شرق أفريقيا، فقد ازدهرت هذه المدينةُ وتوسَّعت على نحوٍ كبير، وجذبتْ أعداداً كبيرةً من التُجَّار والمُسافرين، وأصبحت الميناء الرَّائد في نقلِ الذهب من داخل أفريقيا وتبادُلِه مع الأجانب، كما تطوَّرت من ناحية معماريّة، فانتشرتْ فيها منازل ومبانٍ عديدة مُشيَّدة من القصب والأخشاب والقشّ، بينما بنيت منازل الأثرياء من الأحجار، وشُيّد فيها مسجدٌ كبير بُنِيَ من قطع المرجان. زار الرحَّالة العربي ابن بطوطة مدينة كيلوا في سنة 1331م، أي خلال هذه الفترة نفسها، وقال بأنَّها أهمُّ مدينة في الإقليم السواحليّ بذلك الحين. ومع انتهاء القرن الرابع عشر ودُخُول القرن الخامس عشر كانت المدن السواحليّة قد وصلت لأهمِّ مراحل تطوُّرها وبدأت بتكوينِ السِّمات الثقافية والحضاريَّة الفريدة الخاصَّة بها، إذ توسَّعت هذه المدن كثيراً وارتفعَت أعدادُ السُكَّان فيها وتطوَّرت معمارياً، والأهمُّ من ذلك أنَّ العديد من البلدات والمدن الجديدة بدأت بالظّهور استجابةً لهذه التغيّرات. وقد ازدهرت - إضافةً إلى ذلك - مدنٌ عديدةٌ جداً في الإقليم السواحلي مع بداية القرن الخامس عشر، وكان من أهمّها وأكبرها جيدي وسونغو منارا (مدينة كانت تقعُ على جزيرة كيلوا) ومومباسا وجزيرة بيت. وخضعت جميعُ هذه المُدن لسُلطة حُكَّامٍ مُسلمين لهُم أصول عربيّة وأفريقية مُختلطة. وقد عاشت مثلُ هذه المدن بعُزْلةٍ نسبية عن الجزء الداخلي من أفريقيا، فقد كان انتماؤها وارتباطُها يعودُ إلى العالم الإسلامي في ما وراء البحار، عوضاً عن القارة والثقافة الأفريقية.
سيطرَ التجار العدنيُّون على التجارة السواحليّة خلال القرنين الثالث والرابع عشر. جلبت بداية القرن 13 موجة هجرةٍ كبيرةٍ للتجَّار الحضارمة والعدنيِّين إلى المُدُن السواحليّة، وحاز العديدُ من هؤلاء المهاجرين نُفوذاً كبيراً في المُجتمع السواحليّ، فتقلَّدُوا مناصب مُهمّة بالحكومة. وفي سنة 1429م كان التجار اليمنيُّون قد نجحوا باحتكار تجارة البهارات تماماً في الإقليم السواحليّ، بينما تزايدت الحركة التجارية من ولاية كجرات الهنديَّة بوتيرةٍ كبيرة جداً، حيثُ تاجرَ هؤلاء الهنود بالعبيد الأفارقة، وبدأ العُمانيّون النَّبهانيون بالتوافدُ إلى جزيرة بيت في الآن ذاته فآل الحُكم فيها إليهم. ولكن يُعتقد (مع مجيء القرن الخامس عشر) أنَّ مُعظم حُكَّام المدن السواحليّة كانوا من عائلاتٍ فارسية من مدينة شيراز، فخلال هذه الفترة كان الفُرْس يُهاجرون بأعدادٍ كبيرة من شيراز إلى جزيرتي كيلوا وزنجبار، وكان لهُم الحُكْم والنفوذ في جزيرة بمبا وماليندي ومومباسا، وعلى مُعظم المُستوطنات السواحليَّة الكُبرى. ومع ذلك فقد كانت كلُّ واحدةٍ من هذه المدن مُستقلّة عن الأخرى، إذ كان لكلّ مدينة سُلطانٍ وحاكمٌ خاصّ بها، ولم ترتبط أيٌّ منها بغيرها بصُورة سياسية ولم تكُن هناك دولة واحدةٌ تجمعُها. وكانت أكبر هذه المدن وأهمّها، فيما يبدو، هي مومباسا، التي كان لها نفوذٌ سياسيّ كبير على البلدات والقرى المُحيطة بها، وكانت تربطها علاقاتٌ جيّدة بالدول الأفريقية البعيدة، ويُقدَّر أنَّ عدد سكانها قد تجاوز 10,000 نسمة.