اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في بداية الحرب، كانت جبهة التحرير الوطني الجزائرية تحاول فرض السيطرة على المناطق من خلال الهجوم على الفرنسيين وعلى الجزائريين المؤيدين لهم. وبين عامَيْ 1954م و1956م، حَصَلَت زيادة هائلة في كمية العُنْف الذي صاحَبَتْه عمليات إعدام سريعة ومعسكرات اعتقال. وبِحُجْة "الإرهاب"، استخدم الجيش الفرنسي التعذيب بشكل عشوائي ضد المُعْتَقَلين العسكريين والمدنيين المُشْتَبَه بانتمائهم لجبهة التحرير. وكان الجنرال سالان -رئيس أركان الجيش الفرنسي في الجزائر- قد طوَّر مُسْبَقًا خلال الحرب الهندوصينية الأولى نظريةً في مجال "الحروب المضادة للثورات"، وتلك النظرية قد تضمنت استخدام التعذيب.
ومنح رئيس الوزراء الفرنسي وَقْتَها بيير منديس فرانس تصريحًا بتاريخ 2 فبراير 1955م للجنة الدولية للصليب الأحمر يسمح لهم بالدخول إلى المعتقلين في مٌهِمَّات قصيرة خلال شهر واحد بشرط أن لا يُنْشَر التقرير الذي ستكتبه اللجنة. واضطرت حكومته للاستقالة بعدها بثلاثة أيام. واستنادًا للمؤرخة رافاييل برانش (Raphaëlle Branche): "يبدو الأمر كأن فرنسا في عهد منديس كانت تتحضر لرحيله من خلال وضْع أكبر عدد ممكن من الحواجز الواقية". ولم يعتبر الجيش الفرنسي المعتقلين على أنهم أسرى حرب.
تَخَلَّت السلطات الفرنسية المدنية عن سيطرتها على الجيش في الفترة ما بين يناير وأكتوبر لعام 1957م من معركة مدينة الجزائر. بالتالي، أصبح الجنرال جاك ماسو -قائد الفرقة العاشرة للمظلِّيَّات- هو المسؤول عن الجيش خلال معركة مدينة الجزائر، كما أصبح مُجْبَرًا على استخدام جميع الوسائل الضرورية لِسَحْق ذلك التمرّد. وألقَى الجيش المئات من المُعْتَقَلِين في البحر عن طريق ميناء الجزائر أو باستخدام رحلات الموت. وحين تطفو جثث المعتقلين على السطح كانت توضع في أقدامهم الخرسانة لتنزل إلى البحر من جديد. في ذلك الوقت كان يُطْلَق على ضحايا رحلات الموت اسم "جمبري بيجار"، نسبةً للجنرال بيجار الذي كان ينّفِّذ جنوده "رحلات الموت". وكان أعضاء المُلْحَق الدِّيني العسكري الفرنسي يطمئنون الجنود الذين تُعَاتِبُهُم ضمائرهم بسبب ممارسات التعذيب والإعدام، وكتب أحد أعضاء المحلق الديني لويس ديلارو (Louis Delarue) رسالةً وُزِّعَت على جميع الوحدات العسكرية، وتقول الرسالة:
إذا كان القانون -كما يعلم الجميع- يسمح بِقَتْل القَاتِل، فلماذا يجب أن نعتبره أمرًا وحشيًّا بأن نُسَلِّم المُجْرِم المعروف بمثل تلك الأفعال -التي يمكن إعدامه لأجلها- للاستجواب الذي قد يكون مؤلمًا ولكن هدفه الوحيد هو حماية الأبرياء بِفَضْل الاعترافات التي سيقدمها لنا بخصوص شركاءه وقَادَتِه؟ إن الظروف الاستثنائيّة تتطلب استخدام أساليب استثنائية.
في عام 1958م، شيَّد الجنرال سالان مراكز اعتقال عسكرية خاصة بالمعتقلين المقبوض عليهم لحيازتهم السلاح. كما أعلن وزير الدفاع عن بداية العمل بقانون الطواريء، بينما بدأ الجيش بعملية "لمكافحة إرهاب" جبهة التحرير الوطني. وامتلك الجيش الصلاحيات الخاصة التي لم تَرْجِع للسُّلُطَات المدنية إلا في شهر سبتمبر عام 1959م، وذلك عندما ألقى شارل ديغول خطابًا عن حق تقرير المصير للشعب الجزائري. ورفض الجنرال سالان الالتزام باتفاقيات جنيف التي وافقت عليها فرنسا في 1951م؛ لأن ذلك سيجعل المعتقلين الجزائريين أسرى حرب وهذا ما لم يعتبرهم إياه الجيش الفرنسي. وامتلكت السلطات المدنية مَوَاقِفًا مُتَبَايِنَة فيما يتعلق باستخدام الجيش للتعذيب، فالمفتش العام في مدينة الجزائر ونظيره في وهران تَجَنَّبَا المشاركة، أما المفتش العام في مدينة قسنطينة موريس بابون (Maurice Papon) فكان مشاركًا بشكل واضح في قمْع التمرد، وقد توفِّي بابون في 2007م بعدما أدانَتْه المحكمة لارتكابه جرائمًا ضد الإنسانية خلال عمله في عهد الدولة الفيشية.
وفي 5 يناير 1960م، نَشَرَت صحيفة لوموند مُلَخَّصًا للتقرير الخاص بالمُهِمَّة السابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر في الجزائر. وكشف التقرير أن هناك "أعدادًا كبيرة لا تزال تُسَجَّل من حالات سوء المعاملة والتعذيب". والتقى أحد الضباط ذوي الرتبة العالية في الشرطة الفرنسية بالمندوبين من لجنة الصليب الأحمر في الجزائر وأخبرهم أنَّ "الكفاح ضد الإرهاب يتطلَّب اللجوء إلى أساليب خاصَّة في الاستجواب بحيث تكون تلك هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ حياة الناس وتَجَنُّب حصول هجمات جديدة.
واكتُشِف بعد وقتٍ طويل أن الذي سرَّب ذلك التقرير لصحيفة لوموند هو جاستون جوسلين (Gaston Gosselin) أحد أعضاء وزارة العدل وهو الذي كان مسؤولًا عن قضايا معسكرات الاعتقال في فرنسا متروبوليتان. وبسبب تسريب ذلك التقرير للعامة، اٌجْبِر جاستون على الاستقالة بعد اكتشاف الأمر بعدة شهور، كما مُنِعَت لجنة الصليب الأحمر من القيام بأي مهمَّات في الجزائر لعدة سنوات.
جاء كتاب السؤال الذي بِيع منه أكثر من 60,000 نسخة في يوم واحد لكشف تفاصيل الكثير من عمليات التعذيب التي كانت تجري في الجزائر. مؤلف الكتاب هو هنري علاق رئيس صحيفة الجزائر الجمهورية وعضو في الحزب الشيوعي الجزائري، وكان قد تعرَّض هو نفسه للتعذيب خلال حرب الجزائر. أما اسم الكتاب فيشير إلى محاكم التفتيش التي كانت تضع الناس في محلّ "السؤال" (أي الاستجواب)، واشتهرت تلك المحاكم باستخدام التعذيب في استجواباتها، ومن هنا جاء تشبيهها مع معسكرات الاعتقال الفرنسية. ويٌفَصِّل كتاب علاق أساليب التعذيب اتبعها الجيش الفرنسي في الجزائر، والتي شَمِلَت الصعق بالكهرباء (باستخدام مولدات الكهرباء التي كانت مخصصة للهواتف في البداية)، والإيهام بالغرق، والحرمان من النوم، وأدوية الحقيقة وغير ذلك. وبالإضافة إلى عمليات التعذيب، ظهرت ادِّعاءات بأن الجيش الفرنسي دفن رجالًا مسنِّين وهم أحياء.
مُنِع نَشْر كتاب السؤال بعد عدة أشهر من صدوره سنة 1958م، ولكن كانت هناك الكثير من النسخ التي بِيعَت بالفِعْل. وكذلك مُنِع كتاب "السَّفَّاحون (The slaughterers)" في إبريل 1961م لمؤلفه بنوي ري (Benoist Rey). وفي نفس العام استنكر بنوي ري التعذيب الفرنسي باعتباره "أسلوبًا قمعيًّا ممنهجًا رسميًّا واسع الاستخدام."
واستنادًا إلى مقالة نُشِرَت في صحيفة فيريتي ليبرتي (Verité Liberté) عام 1961م: "في مزرعة أميزان، كان هناك مركز لإدارة المعلومات والعمليات الخاصة بمدينة قسنطينة، وقد جُهِّز على "مستوًى هائل". اعتُقِل المشتبه بهم خلال الغارات بعدما فُضِح أمرهم. ثمّ قُسِم المشتبهون إلى مجموعتَيْن، إحداهما ذهبت مباشرة للتحقيق، والآخرون أُجْبِروا على الانتظار قليلًا، وحٌرِم أفرادها من الطعام لمدة تتراوح من يومين إلى ثمانية في خَرْق سَافِر لاتفاقيات جنيف لعام 1949."
واستنادًا لصحيفة فيريتي ليبرتي، كانت نهاية جلسات التعذيب في ذلك المركز إما الحصول على الحرية (هذه الحالة هي غالبًا للنساء أو الذين يستطيعون دفع المال مقابل الحرية)، وإما البقاء بالسجن، وإما "الاختفاء". فتقول الصحيفة: "إن السعة الاستيعابية لهذا المركز -الذي افتتح في 1957م- تتراوح بين 500 و600 سجين... ومنذ تأسيسه، "تَعَامَل" (يمعنى أنهم اعْتُقِلُوا فيه مدة أقل من 8 أيام) المركز مع 108،175 شخصًا، وسجَّل 11,518 جزائري على أنهم نشطاء قوميون، وسَجَن 7,363 شخصًا لمدة تزيد عن 8 أيام، ووضع 789 مشتبهًا في الإقامة الجبرية في هاما (معسكر اعتقال)."
واستنادًا للمُؤَرِّخة رافاييل برانش (Raphaëlle Branche)، فإن عملية التعذيب كانت تبدأ بالتَّعْرِيَة المُمَنْهَجة للضحية. وكان يتزامن الضَّرْب مع العديد من التقنيات المختلفة، مثل تعليق الضحية من أيديها أو من أرجلها، أو التعذيب بالماء، أو الصعقات الكهربائية، أو حتى الاغتصاب. ووَصَفَت صحيفة فيريتي ليبرتي (Verité Liberté) الموضوع كما يلي:
تَجْري عمليات الاستجواب استنادًا للتعليمات المتغيرة باستمرار الصادرة من الاستخبارات الفرنسية... الفصل الرابع: في البداية، يستجوب الضابط المعتقل بالطريقة "التقليدية" المصحوبة بالضرب بالأيدي والرَّكل بالأقدام. بعد ذلك يبدأ التعذيب: التعليق...، التعذيب بالماء...، الكهرباء...، الحَرْق (باستخدام السجائر، إلخ.)... كانت هناك حالات متعددة من المعتقلين الذين أُصِيبُوا بالجنون... وفي الفترات بين عمليات الاستجواب... يُوضَع المُشْتَبَه بهم في زنازين بدون إعطاءهم الطعام، بعض تلك الزنازين صغيرة لدرجة أن الاستلقاء فيها صعب. يجب علينا التنويه أن بعض المعتقلين كانوا مراهقين صغارًا في العمر والبعض الآخر رجال طاعنون في السن ذوي أعمار 75، و80 عامًا وأكثر.