اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الصمت... ذاك الفراغ المعبّأ بكل ما لا يُقال، و الضجيج الذي لا تسمعه الآذان بل تصرخ به الأرواح . في عالمٍ يُقاس فيه الوجود بما يُنطق، يصبح الصمت شكلاً من أشكال التمرّد، تمرّد على اللغة، على الزمن، على قوانين التواصل ذاتها . نحن لا نصمت لأننا لا نملك ما نقوله، بل لأننا تجاوزنا حدود القول، لأن ما فينا أعمق من أن يُصاغ، و أثقل من أن يُحمَل على جناح الحروف . إنه الصمت الذي لا يعني السكون، بل هو ذروة الضجيج الداخلي، حيث تتناطح الأفكار في كهف النفس، و تتعالى الأسئلة كعاصفة في الفراغ . هناك، حيث لا صوت سوى صوتك الداخلي و قد تحوّل إلى محكمة، إلى سجن، إلى ملجأ، إلى مقبرة . في الصمت تذوب الأقنعة، و تتشظى الأنا في مرآة الذات . هناك لا يعود الإنسان كما كان، بل كما هو . لا دور، لا اسم، لا ماضٍ، لا مبرر... فقط هو، عارٍ من كل شيء، يُحاكم نفسه، يُصغي إلى صرخاته المكبوتة، يتعرّى من الوجود ليصطدم بالحقيقة المجرّدة، العارية، المؤلمة . هذا الكتاب ليس احتفاءً بالصمت، و لا هو دعوةً للصخب . إنه محاولة لالتقاط ذلك الضجيج الكامن خلف كل صمتٍ نعيشه، خلف نظراتنا الطويلة نحو الفراغ، خلف الأحاديث المبتورة، خلف الابتسامات المجاملة، خلف "أنا بخير" الكاذبة، خلف الهروب المزمن من أنفسنا . إنه الغوص في لحظةٍ صامتة، كان ضجيجها كافيًا لتحطيم كل وهم، كل قناعة، كل يقين . ففي النهاية، ليست الضوضاء ما يربكنا... بل الصمت حين يكون أصدق من كل الأصوات .