اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الصحافة في لبنان: يمكن القول إن أول صدور لصحيفة سياسية لا تمثل السلطة في المشرق العربي، كانت من العاصمة اللبنانية بيروت، وهي جريدة "حديقة الأخبار" للصحافي خليل الخوري (1836 – 1907)، مطلع كانون الثاني (يناير) 1858، أي قبل نحو قرن ونصف القرن. وقبل هذا التاريخ بنحو ثلاث سنوات وتحديدًا في العام 1855، وصف اللبناني رزق الله الحلبي بإمـام النهضة الصحفية لإصداره أول جريدة باللغــة العـربيـة أسماهـا "مرآة الأحـوال" فـي عاصمة الدولــة العثمانية، الأستانة. ثم أصدر المعلم بطرس البستاني صحيفةنفير سوريا في العام 1860 في بيروت، وكانت تدعو إلى الوحدة الوطنية إثر مذابح 1860 الطائفية، وتلتها صحيفة "النشرة الشهرية" الدينية في العام 1863، على يد المرسلين الأميركيين.
أما الصحيفة الأولى فـي جـبـل لبنـان، فهـي جريدة الرسمية التي أصدرها المتصرف داوود بـاشا فـي بيت الدين سنة 1867، وصدرت جريدة لبنان الرسمية هذه في أربع صفحات أسبوعيًّا شأن سائر الصحف آنذاك، نصفها عربي ونصفها الآخر فرنسي، وطبعت في مطبعة خاصة بها استقدمها المتصرف إلى بيت الدين.
تقول الكاتبة ليلى حمدون في استعراضها الصحف العربية التي صدرت في العهد العثماني بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر:
"نجد أن أغلبها صدر عن لبنانيين أو كان للبنانيين فضل في إصدارها، كالكونت رشيد الدحداح الذي أصدر جريدة “برجيس باريس” العام 1858، وأحمد فارس الشدياق الذي أصدر “الجوائب” في إسطنبول العام 1860".
وقد اندفع اللبنانيون إلى إصدار الصحف في بيروت بكثرة مدهشة، حتى أنه صدر في العام 1870 سبع جرائد ومجلات، أهمها:
- "البشير" أسبوعية، وقد أنشأها الآباء اليسوعيون، وكان شعارها: "تعرفون الحق والحق يحرّركم". وبعد الحرب العالمية الأولى، أخذت تصدر يومية إلى أن توقفت عن الصدور العام 1947.
- "الجنة" أسبوعية تجارية أدبية، أصدرها سليم البستاني في بيروت العام 1870، أخذت تصدر مرتين في الأسبوع حتى سنة 1881، فصارت تُطبع في المطبعة الأدبية لصاحبها خليل سركيس. حينئذٍ، اتفق المعلم بطرس البستاني صاحب "الجنان" وسليم البستاني صاحب "الجنة" و خليل سركيس صاحب "لسان الحال"، على ضمّ هذه الصحف إلى إدارة واحدة ومطبعة واحدة. وظلت "الجنة" تصدر بطابع مستقل حتى وفاة صاحبها عام 1884، فتحوّل الامتياز إلى أخيه خليل الذي أصدرها مدة عامين، ثم أوقفها بسبب اشتداد الرقابة على الجرائد في تلك الفترة.
أما "الجنان" التي أصدرها المعلم البستاني العام 1870، فقد كانت تصدر مرتين في الشهر، وكان شعارها "حب الوطن من الإيمان". وبعد وفاة البستاني (1883)، تحوّل امتيازها إلى ابنه سليم ثم نجيب، ثم توقفت سنة 1887. وفي العام 1887 أيضًا، أنشأ القس لويس صابونجي "النحلة" أسبوعية، واستمرت في الصدور حتى العدد 31 منها، حيث أمر راشد باشا والي سوريا بتعطيلها.
أما "لسان الحال" لخليل سركيس فصدرت في العام 1877، وهي صحيفة سياسية وظهر فيها أول إعلان مصور، وفي العام 1891 أصدر خليل بدوي صحيفة "الأحوال"، وهي أول صحيفة يومية في السلطنة العثمانية.
دخلت المرأة اللبنانية مبكرًا إلى عالم الصحافة، فأصدرت سليمة أبي راشد مجلة "فتاة لبنان" في العام 1914. ومن ثم توالت النهضة الصحفية النسائية في لبنان؛ فأصدرت ماري يني "مينرفا" العام 1917، كما أصدرت ماري زمار "فتاة الوطن" في زحلة، وفي العام نفسه أيضا أصدرت عفيفة صعب "الخدر". وأصدرت حبوبة حداد أول مجلة نسائية لبنانية في أوروبا، وهي مجلة الحياة الجديدة التي أنشأتها في العاصمة الفرنسية باريس في العام 1920، ثم في بيروت.
على الرغم من انتقال السيطرة على بلاد الشام (تحديدًا سوريا ولبنان) آنذاك، من الحكم العثماني إلى دولة الانتداب (1920 - 1943)، ظل صدور الصحف في لبنان في ارتفاع، عبر موضوعات وقضايا مختلفة: أدبية وسياسية، ودينية، وحزبية...
صدر في عهد السلطان عبد العـزيز الـذي اعتلـى العـرش سنة 1861، قـانون الولايات العثمانية سنة 1864، وأتبعـه فـي أواخـر العــام نفسه بقـانـون المطبوعات العثمـاني.
وفي العام 1909، صدر قانون المطبوعات وفق الدستور العثماني، لتزداد الامتيازات الصحفية، وتبعها حركات سياسية مختلفة الأهداف والأبعاد. وظل القانون العثماني الثاني المتعلق بعمل الصحف، ساري المفعول في لبنان، حتى بعد دخول السلطة الفرنسية المنتدبة بخمس سنوات. وقد زودت سلطات الانتداب قلم المطبوعات بالأموال الوفيرة لدفع الإكرامات، وأطلقت حرية إصدار الصحف فكثر حَمَلة المباخر.
ويتألف القانون العثماني للصحافة، من أربع قوانين، هي: قانون النشر الأساسي: 37 مادة، وقانون المطابع: 13 مادة، وقانون حق التأليف: 42 مادة، وقانون جرائم المطبوعات: 8 مواد. وقد منح هذا القانون حريات أوسع للصحافيين. لكن نتيجة لهذه الحريات حاول المستفيدون منه استثماره، مما حمل السلطات العثمانية على تعديله 3 مرات. أقامت مشادات عنيفة في "مجلس المبعوثان" ونتيجة لهذه الحريات كان عدد الصحافيين الذين أعدموا مع الشهداء عقب إعلان الحرب العالمية الأولى (1914– 1918)، 16 صحفيًّا من أصل 31 شهيدًا.
أسست حكومة لبنان الكبير صحيفتها الرسمية المعروفة بجريدة لبنان الكبير الرسمية سنة 1921، وذلك بعد إعادة تنظيم المنطقتين الشرقية والغربية في سوريا ولبنان، وقيام دولة لبنان الكبير في أول أيلول سنة 1920 تحت سلطة الانتداب الفرنسي، وتعدّ الصحيفة الثامنة في سلسلة الجرائد الرسمية الصادرة في لبنان، وقد مثل صدورها حلقة لاستكمال الوجه الرسمي للكيان السياسي الجديد لإذاعة الأوامر والقرارات والإعلانات الرسمية والخاصة على الجمهور عموماً وعلى الأعيان ورجالات الدولة خصوصاً للتقيد بمضمونها.
في العام 1923 صدرت صحيفة "L"orient" (الشرق) العام 1923، وفي العام 1924، وضع الفرنسيون قانوناً جديداً للصحافة مؤلفاً من 66 مادة بدلاً عن القانون العثماني الثاني، فكان أوله حلواً وآخره مراً، فقد قيد الحريات الصحفية بنسبة القانون العثماني الأول، وأبطل القانون تحديد سنوات الدراسة للذين يودون ممارسة الصحافة. وكان القانون العثماني يفرض الشهادة التعليمية لسبع سنوات، فجاء القانون الفرنسي يقول: كل من وقّع اسمه يعتبر متعلماً ويحق له ممارسة الصحافة.
بعد مرور سنة على صدور القانون الفرنسي، وعقب إطلاق الحاكم "كايلا" عبارته المشهورة: "الكلاب تنبح والقافلة تمشي"، قامت قيامة الصحافة عليه، فاضطر إلى تعديل القانون.
في الفترة نفسها أيضًا، شهدت الصحافة في لبنان، إصدارات حزبية عدّة منها: صوت الشعب للحزب الشيوعي - 1937، والعمل لحزب الكتائب - 1939.
وقبل هذين التاريخين، صدرت جريدة "النهار" للصحافي جبران تويني في العام 1933، وهي لا تزال تصدر حتى اليوم.
من الأزمات، اتخذت الصحافة اللبنانية نهضة، فعند اعتقال سلطات الانتداب الفرنسي رجال الاستقلال في "قلعة راشيا" العام 1943، أُطلقت صحيفتان: إحداهما تحمل شعار علامة الاستفهام (؟)، والأخرى شعار علامتي استفهام (؟؟)، لتعبئة الشعب اللبناني ضد الانتداب، وبالفعل جرى إطلاق سراحهم في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943، الذي يعدّ يوم الاستقلال اللبناني.
وفي خلال الفترة الممتدة بين الأعوام 1930 والعام 1943، انخرطت الصحافة اللبنانية في خط النضال السياسي بقوة، ونشرت الأفكار الوطنية في البلاد، فكانت مساهمتها في معركة الاستقلال أساسية. وقد تعرّضت من جراء ذلك لضغوط السلطة الفرنسية المنتدبة. وكان من أبرز الصحافيين الذين التزموا ذلك الخط: جبران تويني، ميشال شيحا، جورج نقاش، ميشال زكور، يوسف الخازن وخيري عوني الكعكي.
ومن الصحف الرئيسة التي صدرت في مرحلة الانتداب: صوت الأحرار، و النداء، و بيروت، ولبنان، و اللواء، و البلاد، والدبور، والديار، وآسيا، والعمل، والنهار، والشرق. ، فضلا عن صحيفة "الحياة" لكامل مروة في العام 1946.