اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ملخص رواية " صائد الجيف "
يقول كافكا " كيف تستطيع يداى الحمقاوان أن تكتبا ما يضمر قلبى ؟" ، وفى رواية " صيّاد الجيف " يقوم البطل " شوقى " بسرد قصة حياته بيدين ملوّثتين بدماء ضحاياه من النساء اللائى قام بقتلهن بدم بارد ، بعدما كفر بالحب واستحالتْ الجريمة كعبة يؤمّها كلّما داهمته ذكرى تلك الفتاة التى أضرمتْ فى صدره الألم .
هى قصة قلب ، ذلك المخزن الملىء بأشياء معنوية قد تكون فى ثقل الرصاص أو كثافة الزئبق ، وهو مع ذلك ينبض فى دأب متواصل غير معترف بأحماله .
يقوم شوقى باصطياد الجيف من النساء اللائى قد طوتهن الخطيئة فى جوفها طى القطرة فى صخب الأمواج ، وسقطن بإرادتهن ، وتلذّذن بالسقوط ، فيقوم شوقى بقتلهن والتنكيل بهن ، ربما انتقامًا لكل الرجال .
رغم ذلك ، لا يستطيع شوقى مغالبة الحب الذى استبدّ به حين التقى بصفية ، تلك الفتاة الكفيفة التى استطاعت أن تعيد إليه إيمانه بالحب مرة أخرى .
تتكاثف الأحداث وتتعقّد ، كما يتعقّد الضباب وتتلبّد الغيوم الثقال ، ويظن شوقى أن صفية قد وشت به ، بعدما أسرّ إليها بوجيعته وخبيئة قلبه ، واعترف لها بجرائمه ، فيقرر أن يقتلها ويقتل معها آخر قبس من نور داخل قلبه .
تتعثّر خطاه وترتعش يداه ، وتزايله تلك الرغبة الموحشة فى اللحظة الأخيرة ، ثم يكتشف الأمر الذى يجعله يعترف بكل جرائمه ويسلم نفسه للمحاكمة ، ويتقبل النهاية المحتومة ، بعدما يقدم لصفية وربما للعشق ذاته دليل إيمانه بالحب ، والذى لم يتزعزع قيد أنملة رغم كل تلك الجرائم ، والتى ظلّت كل تلك الفترة مثل جبال رواسخ يحملها على كتفيه .
رواية " صائد الجيف " هى أقرب إلى أسطورة "تانتالوس" والذى كان ذا حظوة كبيرة لدى الآلهة إلى حد جعلتها تدعوه إلى تناول الطعام على مائدتها ، ولكن الآلهة نقمت عليه آخر الأمر حين قام بنقل أسرارها إلى بني البشر ، فعوقب بأن غُمر حتى ذقنه في الماء وقد تدلّت الأغصان المثقلة بالثمر على مقربة من شفتيه ، فكان كلما حاول بلوغ الماء انحسر عنه وكلما حاول بلوغ الثمر استعصى عليه مناله .
يتملّك المرض العضال من شوقى بعدما اكتشف إصابته بفشل كلوى ، زاده نقمة على الحياة ، رغم روحه العذبة التى تشقى من أجل الآخرين ، وجعله يبحث عن وسيلة للتعبير عن ثورته .
شوقى هو نيتشه حين يقول " أنا أتقى من كفروا بالله " !
هى رواية تخاطب النفس قبل أن تخاطب العقل ، وتكشف عن حياة مشوبة بالشقوة والبأساء لرجل قد يكون نموذجًا لكل الرجال ، بل وجميع البشر . يحتدم فى الرواية الصراع بين الرغبة فى الحياة ، تلك المرأة التى قد تشرّع ذراعيها لك فى ترحاب ، أو تدير لك ظهرها فى نفور ، وبين الرغبة فى الانتقام للنفس ممن يتسبّب فى مقتنا للحياة .
هل يمكن أن يتحوّل شخص عادى إلى مجرم فى لمحة بصر حين تتلبّد فى رأسه من التشاؤم غيوم ، وتصبح الرؤية غامضة ، فلا يرى من الحياة سوى وجهها القبيح ؟
لقد كان دوستويفسكى محقًا جدًا حين قال " من لم يجرّب الألم ، لا يجب أن يتحدّث عنه !" ، وفى الرواية أحاول أن أنفذ إلى مجاهل النفس البشريّة ، ربما متأثّرًا بكتابات ألبير كامو وكافكا ، للوصول إلى الدافع الذى قد يبدّل الفرد منا فى لحظة ، ويجعل من روحه خرقة مهلهلة ، لا تقوى على الصمود أمام نوائب الزمان .
رغم كل ذلك ، هناك دائمًا نور فى نهاية الممر ، لابد أن نتطلّع إليه ، الحب ، ذلك المارد الذى يخرج علينا من مصباح قديم قدم الخليقة ، ويغيّر حياتنا فى لحظة ، حتى نكاد نستعذب الموت من أجله !